عواصف الربيع العربي لم تزعزع تمسك التونسيين بالتجربة الديمقراطية

تفضيل الخيار الديمقراطي كنظام حكم

أظهرت نتائج عملية استطلاع للرأي أن 68 بالمائة من التونسيين يعتبرون تونس "بلدا ديمقراطيا" وأن 80 بالمائة يعارضون "نظام الرجل الواحد" الأمر الذي بدا مؤشرا على أن الأزمة الخانقة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيا التي تشهدها تونس منذ أكثر من أربع سنوات لم تزعزع تمسك غالبية التونسيين بالتجربة الديمقراطية على الرغم من هشاشتها وتعثرها.

وانخرطت تونس في تجربة ديمقراطية في أعقاب نتائج انتخابات برلمانية ورئاسية جرت في خريف 2014 وفاز فيها حزب نداء تونس العلماني بالأغلبية البرلمانية على حساب حركة النهضة الإسلامية كما فاز فيها مؤسس النداء الباجي قائد السبسي برئاسة الجمهورية على حساب الرئيس السابق منصف المرزوقي المدعوم من قبل الإسلاميين.

وكشفت نتائج عملية سبر للآراء أجراها "معهد وان تو وان" حول مواقف اتجاهات الرأي العام حول التجربة الديمقراطية أن 68 بالمائة من التونسيين الذين شملتهم عينة الاستطلاع يتمسكون بالخيار الديمقراطي وأن 66 بالمائة يدعمون الديمقراطية كنظام حكم ويفضلونه عن حكم آخر فيما اعتبر 15 بالمائة أنه في بعض يمكن لحكومة غير ديمقراطية أن تكون الأفضل.

وتؤشر مثل المؤشرات على أن "عواصف" أزمة الأوضاع العامة وما رافقها من انكماش اقتصادي واحتقان اجتماعي وتزايد مخاطر هجمات الخلايا الجهادية على أن غالبية التونسيين ما زالوا يراهنون على التجربة الديمقراطية كخيار لنظام الحكم لتحقيق تطلعاتهم وفي مقدمتها إطلاق إصلاحات هيكلية كبرى تشمل مختلف المجالات وتصهر مختلف القوى السياسية والمدنية في إطار مشروع وطني يكون كفيلا بإنقاذ البلاد من أزمتها.

وتؤكد تلك المؤشرات على أن غالبية التونسيين باتوا يراهنون أيضا على تجربة الديمقراطية تشارك فيها مختلف القوى السياسية والمدنية لمواجهة مختلف التحديات وفي مقدمتها مكافحة مخاطر الجهاديين الدين لا يؤمنون لا بالديمقراطية ولا بالدولة المدنية ووجهوا خلال العام 2015 ثلاث هجمات استهدفت كيان الدولة المدنية والمسار الديمقراطي بالبلاد.

وتجمع اتجاهات الرأي العام على أن المكسب الوحيد الذي جنته تونس من الربيع العربي مند انتفاضة يناير 2011 هو هامش الحريات السياسية والمدنية الفردية منها والعام وهو ما يفسر أن 80 بالمائة من التونسيين يفضلون الخيار الديمقراطي كنظام حكم ويعارضون نظام الرجل الواحد ودلك على الرغم من عدم رضاهم لا عن أداء الحكومة الائتلافية بين علمانيين وإسلاميين الأحزاب السياسية ولا عن أداء الأحزاب السياسية.

وتظهر القراءة في اتجاهات الرأي العام أن ارتفاع نسبة تمسك غالبية التونسيين بالتجربة الديمقراطية مرده المخاوف من مخاطر هجمات الجهاديين حيث يشدد 88 في المائة على أن مكافحة الظاهرة الجهادية تتصدر قائمة أولوياتهم حتى أن 78 بالمائة منهم أبدو استعدادهم للتنازل على جزء من حرياتهم مقابل توفير الأمن وفق أحدث عملية سبر للآراء أجرتها مؤسسة "سيغما كونساي".

وعلى الرغم من هشاشة التجربة الديمقراطية وتعثرها وتدني الثقة في الأحزاب السياسية التي لا تحظى سوى بنسبة 29 بالمائة يعتبر 90 بالمائة من التونسيين أن الانتخابات هي أفضل آلية لاختيار القادة السياسيين.

وألقت أزمة الأحزاب السياسية وفي مقدمتها نداء تونس بتداعياتها السلبية على اتجاهات الرأي العام حيث أكد يوسف المؤدب مدير عام "معهد وان تو وان" الخميس 2015خلال مؤتمر صحفي أن غالبية التونسيين يعتبرون أن "قادة الأحزاب يغلبون مصالحهم على مصالح الشعب".

ويربط أكثر من 70 في المائة من التونسيين تمسكهم بالتجربة الديمقراطية بمعناها السياسي الضيق بتمسكهم بـ"الديمقراطية الاجتماعية" من خلال التوزيع العادل لعائدات الخيرات وانتهاج سياسات تنموية تكون كفيلة بالحد من الفوارق الاجتماعية وتحسين مستوى معيشة الفئات الهشة.

ويشدد سياسيون وخبراء في التنمية الاجتماعية على إن حماية التجربة الديمقراطية تستوجب "ثورة هادئة" من الإصلاحات السياسية والتنموية والأمنية الهيكلية في إطار مشروع وطني ديمقراطي تضعه مختلف القوى السياسية والمدنية ويحظى بالتأييد السياسي والشعبي من أجل الرفع من ثقة التونسيين في أداء القوى السياسية والمدنية وفي أداء مؤسسات الدولة بما من شانه أن ينأى بالتجربة الديمقراطية عن أية انتكاسة محتملة.

ويعلق السياسيون على تمسك غالبية التونسيين بالتجربة الديمقراطية قائلين "إن عواصف الربيع العربي التي اجتاحت أكثر من بلد عربي وزجت به في الفوضى الأمنية لم تزعزع وعي التونسيين بأن خيار الديمقراطي هو الخيار السليم والوحيد لإنقاذ البلاد لا فقط من الأزمة التنموية والسياسية وإنما أيضا من خاطر الجماعات الجهادية التي تسعى إلى إجهاض التجربة الديمقراطية.