عهد مبارك.. 'دكتاتورية ودولة رخوة'

بقلم: علاء بيومي
'مبارك لا يمتلك أية رؤية خاصة لحكم مصر'

ينتمي كتاب "مصر والمصريون في عهد مبارك (1981-2008)" بوضوح إلى نظريات "ما بعد الاستعمار" والتي ترى أن سيطرة الدول الاستعمارية على بلدان العالم الثالث لم تنته بنهاية عصر الاستعمار التقليدي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وإنما استمرت من خلال صعود قوى استعمارية جديدة وعلى رأسها الولايات المتحدة.

وأن الاستعمار الجديد لم يأخذ شكلا سافرا كالاستعمار التقليدي الذي أخذ أبعادا عسكرية واضحة من خلال احتلال أراضي الدول الفقيرة بالقوات المسلحة والتحكم في سياساتها بشكل يومي، في المقابل يتخذ الاستعمار الجديد صورة أكثر ضمنية من خلال السيطرة السياسية والاقتصادية ومن خلال تحويل دول العالم الثالث إلى أسواق مستقبلة لمنتجات الدول الثرية والاستثمارات الأجنبية الجبانة المعنية فقط باستنزاف ثروات الأمم الفقيرة يعاونها في ذلك مجموعة من العملاء أو "الوسطاء" المحليين، كما يسميهم جلال أمين، الاقتصادي المصري المعروف والأستاذ بالجامعة الأميركية بالقاهرة ومؤلف الكتاب.

وتتلخص وظيفة وكلاء الاستعمار الجديد أو وسطائه -كما يتضح من تسميتهم- في تلقي أوامر الاستعمار الجديد القادمة من واشنطن، مثلما هي الحالة المصرية كما يراها أمين، وتطبيقها على الواقع المحلي بشكل يضمن نجاح سياسات الاستعمار الجديد وتصويرها للشعوب المستقبلية على أنها سياسات ضرورية وناجحة ومفروضة من باب أنه "ليس في الإمكان أبدع مما كان".

لعبة الكلب الحيران

ينفق أمين صفحات كتابه البالغة حوالي 260 صفحة على تطبيق النظرية السابقة على حالة المصريين منذ عام 1967 تقريبا وهو العام الذي يتخذه أمين بداية لتراجع مصر وهزيمتها أمام الاستعمار الجديد (الولايات المتحدة) وحتى الآن، وذلك دون أن يسمي النظرية باسمها (نظريات ما بعد الاستعمار) ولكنه يطبقها برشاقة كبيرة من خلال فصول شيقة سهلة القراءة مصنفة تحت عناوين جذابة للغاية مثل الفساد والفقراء والباشوات والمثقفون والاغتراب والتوريث وهو الفصل الحادي عشر من الكتاب والذي تظهر فيه معالم نظرية أمين بوضوح.
ويتحدث أمبن في هذا الفصل بصراحة عن اعتقاده بان القرار المصري يصنع في واشنطن ويرسل إلى مصر جاهزا لتطبقه مجموعة من الوسطاء المحيطين بالرئيس المصري حسني مبارك والمسيطرين على الحزب الديمقراطي الحاكم دون أن يكون للشعب المصري أدنى علاقة بذلك بعدما تم إحباط وإشغال الطبقة الوسطى المصرية بالبحث عن لقمة العيش من خلال سلسلة من السياسات التي طالب بها الاستعمار الجديد منذ عام 1973 وحتى الآن وطبقتها الحكومات المصرية المتعاقبة منذ منتصف السبعينيات وحتى الآن بطاعة كبيرة.

ويقول أن دور الشعب المصري اقتصر على دور "الكلب الحيران" في لعبة كرة القدم الشهيرة المعروفة داخل مصر بالاسم نفسه "يتبادل لاعبان الكرة، ويبذلان جهدهما في ألا تصل الكرة إلى شخص ثالث مسكين يقف بينهما، ويحاول محاولة مستميتة أن يقطع الطريق على الكرة وأن يمسك بها"، ولكن هيهات فقد "يتظاهر أحد اللاعبين اللذين يتبادلان الإمساك بالكرة، بأنه سوف يلقى بالكرة إلى المسكين الواقف في الوسط، ثم سرعان ما يتبين أنه يلقيها إلى زميله الآخر، ثم يسترسل اللاعبان الشيطانيان في الضحك"، وهكذا يعبر أمين عن فقدانه الثقة في دعوات الإصلاح الأميركية أو تلك القادمة من الوسطاء المصريين الحاكمين.

ماذا حدث للمصريين؟

نظرية أمين الفكرية لا تتبلور بهذا الوضوح إلا في نهاية كتابه، وتحديدا بداية من الفصل الحادي عشر الذي يتحدث عن التوريث كما ذكرنا من قبل، أما جسد الكتاب الأكبر فينفقه أمين على إجابة سؤاله المفضل "ماذا حدث للمصريين؟" وهو عنوان واحد من أشهر كتب جلال أمين وأكثرها مبيعاً، والذي صدر في نهاية التسعينيات وطبعت منه ستة طبعات حتى الآن.

والسؤال كما هو واضح من كلماته معني بالماضي، وتحديدا بما طرأ على أوضاع مصر والمصريين من تأخر وتراجع منذ عام 1967 والذي يتخذه أمين بداية لتراجع مصر والمصريين.

الفارق بين كتاب "ماذا حدث للمصريين؟" والكتاب الحالي (مصر والمصريون في عهد مبارك) يكمن في محورين أساسيين، أولهما أن كتاب "ماذا حدث للمصريين؟" يركز على تراجع الشعب المصري بالأساس، فهو يركز على الشعب لا الحكومة، وتحديدا على ما أصاب الطبقة الوسطى المصرية من تراجع منذ عام 1967، وهذا لا يمنع أمين من التطرق إلى دور الحكومة المصرية في السماح بهذا التراجع، ولكنه يتطرق إلى هذا الدور من جانب تاريخي تفسيري بالأساس أما هدفه الأهم فهو دراسة ما حدث داخل الطبقة الوسطى المصرية.
لذا يخرج القارئ من الكتاب بتحليل طبقي اجتماعي يقول أن المصريين يعانون من الإحباط الشديد بسبب تسارع عجلة الحراك الاجتماعي في مصر منذ الثورة مما سمح بصعود ملايين من المصريين إلى أعلى منذ عام 1952 وحتى عام 1985 هو بداية دخول مصر في كساد اقتصادي واضح بعد نهاية الانتعاش المؤقت الذي تعرض له الاقتصاد المصري في ظل سياسات الانفتاح والهجرة وارتفاع أسعار النفط.

ويرى أمين أن الكساد الذي أعقب الحراك وما ارتبط به هذا الكساد من فساد داخلي وتراجع لمكانة مصر الدولية والإقليمية أشعر المصريين بإحباط شديد وبحرمان انعكس على مختلف جوانب حياتهم.

أما الكتاب الحالي فهو يركز كما يظهر من عنوانه على الحكومة والشعب معا كما يركز أيضا على فترة حكم الرئيس المصري حسني مبارك، وهنا يكمن الفارق الجوهري الثاني بين الكتابين، فالكتاب الراهن بمثابة تحديث وتوسيع لكتاب "ماذا حدث للمصريين؟" من خلال التركيز على ما أصاب مصر كحكومة وشعب من تراجع وعلى الفترة منذ عام 1981 وحتى 2009.

تفسير ثلاثي الأبعاد

يقول جلال أمين أن تراجع مصر في عهد مبارك -الذي يشعر به المصريون حاليا أكثر من أي عهد مضى- لا يمكن تفسيره دون التطرق لثلاثة عوامل أساسية، وهي دور الحكومة وشخصية الرئيس المصري الحاكم، ودور المصريين وتحديدا الطبقة المتوسطة المصرية، والبيئة الدولية المعاصرة لمصر والمصريين خلال كل عهد رئاسي.

كما يرى أمين –وهي فكرة محورية عبر الكتاب– أن فهم عصر مبارك وما يحدث خلاله من ظواهر يتطلب العودة قليلا إلى الوراء وتحديدا إلى بداية الثورة المصرية في عام 1952.

وبهذا يقسم أمين ظروف المصريين إلى ثلاثة عصور أساسية، العصر الأول هو الفترة من 1952 وحتى 1967، والعصر الثاني ويمتد منذ عام 1967 وحتى عام 1985، أما العصر الثالث فيمتد من عام 1985 وحتى الآن.

ديكتاتور نزيه

يلخص أمين عصر الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في فكرتين أساسيتين وهما أن عبد الناصر كان ديكتاتورا ولكنه كان نزيها، فقد أدرك عبد الناصر أن النهضة في مصر تحتاج لدولة مركزية قوية، وهو نفس ما يؤمن به أمين، ولكن عبد الناصر أفرط في ديكتاتوريته وفي عدائه لخصومه، فقد حول الدولة المركزية القوية إلى أداة للبطش بخصومه السياسيين خاصة منذ أوائل الستينيات وحتى عام 1967.

ولكن نزاهة عبد الناصر وإيمانه بمشروع نهضة ضخم وضعا الحكومة والشعب المصري خلال عهده على نفس الخط، لذا تميز عهده بصفة عامة بدرجة عالية من النزاهة والنهضة، وعاش المصريون في عصره أفضل عصورهم منذ بداية الثورة وحتى الآن خاصة وأن الثورة تبنت مشاريع عملاقة خلقت وظائف للمصريين وحسنت من مستوى معيشتهم كما ارتفعت أيضا مكانة مصر الإقليمية والدولية بسبب وضع مصر الاقتصادي الجيد وسياسة عبد الناصر المستقلة.

وساعد الظرف الدولي عبد الناصر، ففي عام 1956 حظي عبد الناصر بدعم الإتحاد السوفيتي والولايات المتحدة معا في حربه ضد قوى الاستعمار القديم فرنسا وبريطانيا مما مكنه من الانتصار عليهما، كما حصل ناصر من السوفيت والأميركيين على دعم اقتصادي لسنوات.

ولكن مسيرة ناصر الناجحة توقفت في عام 1967 عندما تمكنت إسرائيل ومن خلفها أميركا من هزيمته هزيمة ساحقة فيما عرف بالنكسة، وقد فتحت النكسة الباب على مصراعيه أمام مشاكل النظام الناصري وعلى رأسها غياب الديمقراطية والحريات والإفراط في قمع المعارضين.

وبهذا بدأ إرث ناصر يتبلور، فقد أضطر ناصر بعد 1967 إلى تخفيف قبضة الدولة والسماح بأشياء لم يكن يسمح بها من قبل على مستويات سياسية واقتصادية ليشعر المواطنين بقدر من الاسترخاء، لذا ورث السادات دولة بيروقراطية ضخمة ومهيمنة للغاية فتح لها الباب للرخاوة والاسترخاء، كما ورث هزيمة عسكرية ساحقة وديونا بلغت في عام 1970 خمسة مليارات دولار أميركي.

ديكتاتورية ودولة رخوة

ولكن السادات، الذي يكنّ له جلال أمين نقدا لاذعا، ساهم في تدهور الدولة المصرية بدرجة كبيرة مقارنة بناصر، وذلك لأن السادات خضع للضغط الدولي بشكل مفرط وسافر، فقد خضع بشكل كلي للإرادة الأميركية خاصة وأن الدول العربية ذاتها لم تعن السادات على التحدي، حيث يشير أمين ضمنا أن الدول العربية الثرية كانت تخشى من تقديم مساعدات للسادات دون ضوء أخضر أميركي.

ويرى أمين أن أميركا أرادت استعمار مصر من خلال فتحها أمام المال الأميركي والسلاح الأميركي والسياسات الأميركية، وأن السادات ساعدها بسبب شخصيته التي رحبت بذلك.

وهنا يظهر نقد أمين اللاذع لشخصية السادات فهو يكاد يتهمه بالقابلية للفساد وبحب الحياة السهلة المريحة، ويرى أنه كان "أخف" الضباط الأحرار وزنا ويتعجب من اختيار ناصر له كنائب، ويقول أن السادات سمح بالفساد على إطار واسع فيما يعرف بسياسات الانفتاح وأن بعض أعضاء أسرة السادات نفسها استفادت من ذلك الفساد.

ويقول أن توقف الصناعة والأنشطة الإنتاجية في مصر خلال عهد السادات فتح الباب لنوع جديد من الفساد ظل سائدا حتى الآن وأضعف شعور المصريين بالانتماء إلى درجة محزنة، وذلك لأن الفساد الجديد ركز على الطغيان على حقوق الدولة والمواطنين من خلال اللعب بالقوانين والاستفادة من جسد الدولة البيروقراطي الضخم والمترهل في نفس الوقت من أجل تحقيق الثراء السريع ووضع اليد على ممتلكات الدولة التي باتت بدون حام.

وبهذا تحولت مصر إلى دولة رخوة مستبدة في أن واحد، دولة مستبدة ضد من يحاول تحدي سلطة النظام من خلال المطالبة بالإصلاح أو التغيير الديمقراطي، ودولة رخوة في كل ما يتعلق بحقوق الشعب والأرض فالقوانين لا تطبق والضرائب لا تجنى.

وبهذا تبلور نمط الحكم الجديد القائم على الدولة المستبدة الرخوة التابعة لأميركا والتي فتحت الباب أمام سيطرة الأنشطة الخدمية والاستهلاكية على الاقتصاد المصري وأهملت الاقتصاد الحقيقي، وقاد هذا النمط الجديد بشكل طبيعي لتدهور أخلاق وقيم وشعور الطبقة المتوسطة المصرية أمام موجات العولمة والهجرة والاستهلاكية والتضخم فريسة سهلة يتلقفها الفاسدون ورأس المال الأجنبي الجبان.

تركة السادات وشخصية مبارك

يقر أمين بأن مبارك ورث إرثا غاية في الثقل من السادات كان على رأسه 30 مليار دولار من الديون الأجنبية التي راكمها السادات خلال سنوات حكمه القصيرة، كما وجد وضعا دوليا جائرا وطبقة متوسطة مجهدة، ودولة رخوة مستبدة.

وهنا يرى أمين أن حكم مبارك اتسم بشخصيته التي استسلمت تقريبا للأوضاع السابقة ورفضت تحديها بعد فترة وعود قصيرة بالإصلاح استمرت لأقل من عام أفرج خلالها مبارك عن المعارضين السياسيين الذين سجنهم السادات في نهاية حكمه.

ويقول أمين أن مبارك شخصية تفضل الاستقرار على المخاطرة ولا تمتلك مشروع أو رؤية خاصة لحكم مصر، لذا سار مبارك على الخط الذي رسمه السادات وترك كثير من القرارات اليومية إلى مساعديه المنتمين لمجموعة الوسطاء التابعين لأميركا والذين هيمنوا على السياسة المصرية خلال عهد السادات.

وجردت السياسات الأميركية الحكومة المصرية من أي قدرة على الاستقلالية أو التحدي، فالعلاقات المصرية الأميركية منعت مصر من الاعتراض على اعتداءات إسرائيل على لبنان والفلسطينيين، وخفض الديون على مصر كان ثمنا لدعمها أميركا في حرب الخليج الأول، وأن سياسات صندوق النقد والبنك الدولي تمادت في فتح الاقتصاد المصري أمام رأس المال الأجنبي الجبان وفي تحويل الحكومة المصرية بعيدا عن دعم الأنشطة الإنتاجية الحقيقية في مجالات الزراعة والصناعة الوطنية.

وعلى المستوى السياسي استمرت الحكومة المصرية على منهج الديكتاتورية الرخوة الذي أسسه السادات، وتحول الوزراء المصريين لمجموعة من البيروقراطيين غير المعروفين للشعب المصري أصلا، والذين لا يمتلكون أي تاريخ سياسي معروف قصيرا كان أو طويلا.

أما الطبقة الوسطى المصرية فقد طغى عليها الشعور بالإحباط بعدما استمر الفساد القائم على الطغيان على حقوق الشعب والأرض وانتشرت البطالة والفقر وتراجعت القيم، وذلك إلى درجة أن الطبقة الوسطى المصرية نفسها لم تعد معنية بالإصلاح بل باتت جزءا من المشكلة، فهي لم تعد قادرة على مواجهة الحكومة أو أميركا أو الوسطاء الحاكمين.

نقد وتقييم

يتميز الكتاب بأسلوبه السهل الممتنع وبلغته الراقية ونظراته الثاقبة على أوضاع المصريين كعادة جلال أمين، فهو قادر على ربط التحولات الكبرى التي تعرضت لها مصر والمصريون خلال الستين عاما الأخيرة برشاقة فكرية يحسد عليها وبأسلوب لا يمل منه القارئ، ولكن هذا لا يمنعنا من رؤية عيوب الكتاب والتي نلخصها في عيوب أربعة رئيسية، وهي:

أولا: ميل جلال أمين الواضح للتاريخية والعودة إلى الماضي لتفسير الحاضر، ولكنه يبدو أحيانا مسجونا في الماضي وتحديدا في العقود الثلاثة الأولى من الثورة المصرية والتي يعود إليها بشكل متكرر مع أنه تناولها بإسهاب في كتب سابقة مثل "ماذا حدث للمصريين؟" و"ماذا علمتني الحياة؟" وهي سيرة أمين الذاتية.
وكان ينتظر القارئ أن يركز أمين كل جهده –في هذا الكتاب- على سنوات حكم الرئيس مبارك كما يدعي الكتاب في عنوانه ومقدمته وهدفه، ولكن القارئ قد يشعر في نهاية الكتاب أن أمين يعود للتاريخ أكثر من اللازم، فعلى سبيل المثال يخصص أمين الفصل السابع من كتابه للحديث عن أحوال المثقفين المصريين، ويمتد الفصل على مدى إحدى عشرة صفحة تقريبا مخصصة جميعها للحديث عن أحوال المثقفين المصريين في عهد ناصر والسادات فيما عدا صفحتين فقط يتحدث فيهما أمين سريعا عن أحوال المثقفين في عهد مبارك.

ثانيا: يترك أمين أحد أهم المفاهيم الواردة في كتابه إن لم يكن أهمها على الإطلاق، وهو المفهوم الخاص "بالوسطاء" الحاكمين لمصر نيابة عن الأميركيين دون تطبيق واضح، فهو يقول "أنه ليس من الصعب على القارئ تخمين أسمائهم"، ويقول في مواضع أخرى أن الوسطاء الحاكمين لمصر يحيطون بالرئيس المصري ويسيطرون على الحزب الحاكم، وكنت تتوقع أن يسميهم أمين بأسمائهم وأن يضرب أمثلة واضحة على ما يربطهم بواشنطن من علاقات سياسية ومالية.

ثالثا: غموض أمين انسحب أيضا على طبيعة الكتاب والذي يتناول بالأساس أهم التطورات التي طرأت على مصر والمصريين منذ عهد الثورة المصرية من خلال منهج تاريخي سياسي اقتصادي يقف عند أهم المحطات السياسية والاقتصادية ويفسرها للقارئ، أو بالأحرى يفسر تبعاتها على مصر والمصريين، ومن أمثلة تلك المحطات سياسة الانفتاح الاقتصادي والخصخصة والعلاقات المصرية الأميركية والسلام مع إسرائيل، وهي بدون شك من أهم التطورات السياسية التي أثرت على سياسة المصريين في العقود الأخيرة وتناولها ضرورة لفهم ما حدث لهم.

ولكنك تشعر أحيانا أن كتاب أمين يفتقد لأمثلة محددة ومعاصرة لما يحدث للمصريين، بمعني أخر يبدو أن كتاب أمين يقدم تفسيرا عاما يتتبع أهم الظواهر السياسية والاقتصادية التي تعرض لها المصريون في العقود الستة الأخيرة، ولكنه يتركك دون رصد أهم السياسات الراهنة التي تعد امتدادا لسياسات الماضي الإيجابية أو السلبية، فمن الصعب مثلا أن يساعدك الكتاب على نقد قانون أو سياسة مصرية راهنة، فهو يحدثك عن التاريخ كثيرا ويشرح لك ما حدث في الماضي، ويشعرك بأن الماضي مستمر، ولكنه لا يقول لك كيف؟، فالكتاب يكاد يتوقف على تقديم تفسير تاريخي هام ومفيد للغاية يساعدك على فهم الوضع القائم بشكل عام دون تطبيقات سياسية محددة.
رابعا: أما أخطر عيوب أمين والكتاب فهو الإفراط في الحديث عن الماضي والسلبيات دون الحديث عن المستقبل والأمل، وعن كيفية التغيير، ويبدو أن أمين أراد تجنب هذا النقد، فتحدث في الصفحات الخمسة الأخيرة من الكتاب عن الأمل وعن ضرورة عدم الاستسلام لليأس والإحباط مشيرا إلى عدد من الظواهر التي تبعث على الأمل مثل تراجع نفوذ أميركا وزيادة المتعلمين في مصر وتحسن وضع المرأة

ولكن الصفحات الخمس –التي قد لا يصل إليها القارئ المتعجل- لن تحم أمين من النقد، فرسالة الكتاب واضحة بشكل كاف وتتكرر بانتظام عبر فصوله الثلاثة عشر الخالية تقريبا من الحديث عن الأمل أو عن المستقبل.

ويزيد من نقدنا هذا أن أمين عانى من العيب نفسه في بعض كتبه السابقة التي ذكرناها سابقا مثل "ماذا حدث للمصريين؟" و"ماذا علمتني الحياة؟" والتي يبدو فيها أمين مسجونا في الماضي وفي جيل الثورة وفي شعوره بالإحباط وفقدان الأمل.

ولكن هذا لا يمنعنا من الإشادة بأفكار ونظرات جلال أمين الثاقبة وأفكاره الجريئة في نقد مصر والمصريين والتي قد تمثل أساسا مفيدا للغاية لدراسات أخرى جديدة تركز على المستقبل والأمل المنشود. (www.alaabayoumi.com)