عن 'يهود جناة' ضالعين في الهولوكوست

تمسّ الحكومة البولندية محرماً لم تقترب منه أي دولة أوروبية أخرى في مسألة المحرقة اليهودية (الهولوكسوت)، على نحو يهدد مسّلمات اتّكأت عليها المسألة اليهودية، لاسيما في جانبها المتعلق بإنشاء دولة إسرائيل. ويسهل على الباحث في هذا الشأن ملاحظة ثقل ثقافة الهولوكوست على السلوك السياسي الغربي العام، كما على الإنتاج الثقافي العالمي في الأدب والمسرح والسينما، كما على موقف المجتمع الدولي من دولة إسرائيل.

قامت فلسفة إنشاء دولة إسرائيل على رواية الهولوكوست التي لا تحتمل أي مراجعة أو تشكيك. وحسب تلك الرواية فإن 6 ملايين يهودي قضوا في المحارق التي أقامها النازيون من أجل إبادة "العرق" اليهودي تطبيقا لنظرية "الحل النهائي" التي خرج بها أدولف هتلر وحزبه الحاكم للتخلص نهائيا من اليهود في العالم. وبناء على "حقيقة" الهولوكوست قامت نظرية إقامة "وطن لليهود" على معادلة مفادها أن اليهود وفق تلك الحقيقة لن يكونوا آمنين إلا داخل دولة خاصة بهم، وأن الآرية التي مجّدها هتلر هي المسؤولة عن إبادة اليهود بصفتهم ساميين، وأنه ما بعد الآرية الهتلرية تنامى تيارٌ معادٍ للسامية، ينتمي إلى هويات مختلفة (بما في ذلك العربية)، ما زال يهدد اليهودية ديناً وجنساً وثقافة ودولة.

عملت إسرائيل منذ نشوئها وفق قرار التقسيم الأممي لعام 1947 على رفع لواء المحرقة الكبرى بصفتها أكبر مجزرة إنسانية في التاريخ لا مثيل لها في الماضي البعيد أو ذلك الحديث. لم تقف إسرائيل بجانب الأرمن المطالبين وفق روايتهم بالاعتراف بحرب "الإبادة" التي خيضت ضدهم من قبل الدولة العثمانية، كما لم تقف لترفد تسليط الضوء على أي إبادات أخرى (رواندا والبوسنة وغيرها) في سعي دائم لاحتكار الإبادة الأولى والأخيرة في تاريخ العالم. احتاجت دولة إسرائيل إلى الترويج الدائم لهول الكارثة الكبرى في أربعينات القرن الماضي ليصمّ ضجيجها الآذان وتزكم روائحها الأنوف عن تلك الكارثة التي ترتكب في فلسطين.

ضد نظرية الهولوكوست خرجت من العالم الغربي أصوات تشكك بها أو على الأقل بالرواية التي تتحدث عن أعداد الضحايا كما عن البلدان المتورطة بها. بعض هذه الأصوات ينهل من أيديولوجيا قومية عنصرية كتلك التي أقامت النازية والفاشية عليها أعمدته. بعضها الآخر صدر عن مؤرخين وأكاديميين بنوا شكوكهم على ترسانة من الأدوات المعرفية، ومنهم من ينتمي فكرياً إلى عقائد يسارية لا تمت بصلة إلى أي علل عنصرية أو معادية للسامية. وأيا كانت دوافع أولئك "المراجعين للتاريخ"، حسب التوصيف الذي يطلق على المشككين بالهولوكوست، فإن اللوبيات اليهودية النافذة في العالم عملت دائماً، وبنجاح، على مواجهة هذه الانحرافات والتصدي لها بروادع قانونية وضغوط تشنها وسائل الإعلام لعزل "المراجعين" وجعلهم أمثلة هامشية لا تحتذى.

في سبتمبر 1987 انشغلت فرنسا برد زعيم حزب "الجبهة الوطنية" جان ماري لوبن على سؤال حول رأيه بالهولوكوست فقال: "لم أدرس الموضوع لكنني أعتقد أنه تفصيل في تاريخ الحرب العالمية الثانية". قامت الدنيا ولم تقعد واعتبر الأمر استخفافاً يعكس الأيديولوجيا اليمينية المتطرفة التي يتّسم بها لوبن وحزبه. لكن الأمر أشعل سجالاً أيضاً حين شكك الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي بالمحرقة، وهو الرجل المتنقل من الكاثوليكية إلى الشيوعية انتهاء باعتناقه للدين الإسلامي بما يبعد عنه شبهة العنصرية القومية بالنسخ النازية البالية.

المشككون منتشرون في بلدان كثيرة وفي أزمنة متعددة. عملت المناهج التربوية الغربية على فرض رواية أضحت من ثقافة أجيال ما بعد الحرب العالمية الثانية، كما تولّت الدساتير والقوانين رد موجات التشكيك ومعاقبتها. وبدا أن فرض رواية الهولوكوست بقوة القانون وبمتابعة دءوبة من اللوبيات، هي أسلحة ضرورية لمكافحة نزوع يكاد يكون بنيويا في معاداة السامية لدى البيئات الغربية المتأثرة بثقافة مسيحية تنهل من بطون التاريخ روايات حول العلاقة مع اليهودية واليهود.

على أن ما تفعله بولندا هذه الأيام هو سعي لطي صفحة من التاريخ ما زال البولنديون يدفعون ثمنها حتى يومنا هذا. فإذا ما كانت ألمانيا الحالية عاجزة عن الخروج من مأزقها الأخلاقي بالنسبة لليهود كون دولتهم في العهد النازي ارتكبت "الحل النهائي" ضد اليهود، فإن البولنديين يسعون لتبرئة بلدهم ودولتهم من آثام قد ارتكبها أفراد لا يمثلون البلد والدولة. والمقاربة البولندية تعد تمرداً على ما خلصت إليه فرنسا قبل سنوات حين اعترفت في عهد الرئيس جاك شيراك اليميني بمسؤولية الدولة الفرنسية عن محنة يهودها خلال الحرب العالمية الثانية، وهو الأمر الذي رفض الرئيس فرانسوا ميتران اليساري الإقرار به، محملا نظام فيشي، لا الدولة الفرنسية، مسؤولية ما حدث.

يفرض القانون البولندي الجديد غرامات مالية ويعاقب بالحبس الى مدد تصل الى ثلاث سنوات كل من "ينسبون الى الامة او الى الدولة البولندية" جرائم ارتكبها النازيون الالمان ابان احتلالهم لبولندا. لكن رئيس الوزراء البولندي ماتيوس مورافيتسكي يذهب أكثر من ذلك بما يشكل سابقة تصدر عن دولة وزعيمها في قراءة رواية المحرقة والجناة المسؤولين عنها.

سأله على هامش مؤتمر الأمن في ميونيخ صحفي إسرائيلي عما اذا كان سيتعرض للملاحقة في بولندا إذا روى تاريخ أفراد عائلته الذين تم نفيهم وقتلهم بعد أن وشى بهم جيران بولنديون لهم لدى "الغستابو" خلال الحرب العالمية الثانية.

رد مورافيتسكي قائلا "لن يعاقب ولن يجرّم من يقول أنه كان هناك جناةٌ بولنديون كما كان هناك 'جناةٌ يهود' وآخرون أوكرانيون أو ألمان".

استدعت تصريحات الزعيم البولندي غضب إسرائيل كما انتقادات دول غربية. الرجل يتهم يهوداً بالضلوع في ارتكاب إبادة ضد اليهود وفي ذلك نقض جذري لنظرية الهولوكوست التي تتهم الأعراق الأخرى بإبادة اليهود وتحويلهم إلى ضحايا دائمين حتى عندما يرتكبون ما يرتكبون في فلسطين وضد الفلسطينيين كما ضد بلدان وشعوب عربية أخرى.

يروي الفيلسوف الفرنسي اليهودي آلان فينكيلكروت حجم المعاناة التي يعيشها من كونه سليل ضحايا الهولوكوست الذي ارتكب قبل ثمانية عقود وكونه ما زال يعيش شعور الضحية لأن عليه أن يبرر ما "يجبر" إسرائيل على فعله للدفاع عن أمن اليهود. وفيما يخرج من أدبيات الرجل كما أدبيات ما يخرج عن الفيلسوف الفرنسي اليهودي، الذي يعرفه العرب جيداً منذ انفجار "الربيع" العربي برنار هنري ليفي، ما لا يراد له أن يخرج قيد أنملة عن رواية الهولوكوست في عصر ماضٍ كشرط من شروط بقاء اليهود في عصرنا الحالي.

في تصاعد الضغوط على بولندا ما يفسر تصريحات رئيس الوزراء البولندي حول إمكانية إدخال تعديلات على القانون الذي مرره البرلمان وأحاله إلى المحكمة الدستورية. لكن في جدل بولندا، وهي كاملة العضوية داخل الاتحاد الأوروبي، ما يشي ببداية عهد يطال مفاهيم ثابتة تكاد تكون مقدسة واكبت دولة إسرائيل خلال العقود الأخيرة.

ليس الأمر تفصيلا عابراً. تدرك إسرائيل هول هذا الاحتمال، بما يفسر ذلك الغضب الذي عبر عنه رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو. فأن يعتبر رئيس الحكومة البولندي أن هناك "جناة يهود" خلال المحرقة، فذلك في عرف نتنياهو أمراً "مشيناً".

يكتشف نتنياهو بعد سبعة عقود على قيام دولة إسرائيل أنه "لدينا مشكلة في عدم القدرة على فهم التاريخ، فضلا عن الافتقار إلى الشعور بمأساة شعبنا". باختصار يخرج التاريخ من قمقمه من جديد لينفخَ في أسس إسرائيل روايات قادمة قد تسحب عنها مشروعية أن يدفع الفلسطينيون عن الإنسانية جمعاء ضريبة هولوكوست تتزلزل هذه الأيام أعمدته العتيقة.