عن وصفاتهم الديمقراطية!

بقلم: كاظم محمد

لم يكن مستغربا ان يقف القادة الاسرائيليون، مرعوبين امام المشهد العربي الشعبي المتفجر بوجه انظمته القائمة، في الوقت الذي صُدمت فيه الادارة الاميركية والدوائر الغربية عامة بعواصف التغيير التي اطاحت برؤوس انظمة حكمٍ، كانت ولأيامٍ قريبة تعتبر الأمان الاستراتيجي للمشاريع الاميركية والصهيونية في المنطقة. حيث تدرك اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية تماما، ماذا يعني التغيير في مصر، وماذا يعني خروج مصر بموقعها وحجمها وتأثيرها، من دائرة التابع الى فضاء الاستقلال في القرار الوطني، وكذا بالنسبة لتونس، وتأثير قيام نظام وطني غير تابع في اليمن على منطقة الخليج، وخسارة النظام الليبي بحياديته ودوره السلبي تجاه القضايا العربية.

أن الادارة الاميركية واسرائيل اول المتضررين من التغيير الحقيقي في منطقتنا، خاصة بعد ان خسرت اميركا واسرائيل بالنقاط في العديد من النزالات الشرق اوسطية في السنوات الأخيرة، وكان اخرها لبنان.

لقد كانت هذه الأنظمة، وغيرها من النُظم التي ما تزال قائمة، الخادم الامين والتابع المطيع لدول الغرب الرأسمالي، في تكريس مناخ الهيمنة والاستغلال والاحتلال في منطقتنا، وفي التماهي الكامل مع سياسات الحكومات الاسرائيلية في التوسع والاستيطان واختراق منظومات الأمن القومي العربي، الاجتماعية والاقتصادية والبشرية والثقافية، عبر سياسات التطبيع والتخادم السياسي والتنسيق الامني في محاربة عناصر الممانعة والمقاومة في بلداننا العربية.

فبعد أن هبت عواصف التغيير الشعبي، المطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، والذي يعني اسقاط المعيق المحلي المتمثل بهذه الانظمة الاستبدادية، التي تشابكت فيها مصالح ورثتها من الأوتقراطيين الجدد مع مصالح الشركات الغربية والاسرائيلية، والتي اصبح همها الاساسي النهب المنظم، على حساب المصالح الوطنية السياسية والاقتصادية، تحت شعارات العولمة الاميركية، بانتفاء الحدود الوطنية وعولمة الاسواق والانفتاح والاستثمار، وما يعنيه ذلك في القاموس الاقتصادي الراسمالي، من تسليم مفاتيح هذه البلدان إلى الأدارت الاقتصادية والسياسية للغرب الرأسمالي، لتصبح توابع تافهة تؤدي وظيفة الخادم السياسي والاقتصادي والعسكري، على حساب الثوابت الوطنية والتنمية السيادية والحقوق الاجتماعية للأكثرية الساحقة، وعلى حساب الحقوق القومية لقضية الشعوب العربية والاسلامية في فلسطين.

ان النتيجة الطبيعية لهذه التبعية، كانت لها آثار مدمرة في تهميش الطبقات الوسطى وسحق فئات وطبقات اجتماعية واسعة، وخلخلة البنية الثقافية والفكرية للمجتمع، وانتشار ظواهر الفساد والأفساد الممنهج، ومصادرة هوامش الحريات وخنق الاصوات المعارضة وضرب التحركات الشعبية، واشاعة الخوف والرعب ليكون السبيل للخنوع الجمعي بواسطة اجهزة ومؤسسات امنية ومخابراتية متضخمة، تستنزف جزءا كبيرا من موارد الشعب وقواه، وعلى حساب قوته وتنميته الاجتماعية.

لقد عملت هذه الانظمة الاستبدادية، وبدعم وترشيد مؤسساتي غربي على تزويق صورها (الديمقراطية) بأحزاب ومؤسسات مشبعة بالنفعيين والانتهازيين والطفيليين والمستفيدين من رجال الاعمال والسياسيين والاعلاميين ومثقفي وكتاب السلطة، وحتى البلطجية، لتكون الأدوات اللازمة في تكريس النهج الاستبدادي، وتأطيره وشرعنة استمراره، ولتشكل المنظومة التي تتمُ فيها الصياغات والتفاهمات، في ابتلاع مؤسسات واجهزة الدولة وتسخيرها لصالح ورعاية مصالح النظام وفئاته من رجال الأعمال والطفيليين والموظفين الكبار والمنتفعين، ولتسهيل التخادم النفعي مع رؤوس الاموال الغربية وشركاته المتعددة الجنسية في حصولها على شراء اصول الاقتصاد الوطني وحرية التحويلات المالية، مقابل عمولات مالية تذهب لجيوب رجال الاعمال والمنتفعين، الذين اجتهدوا في خلق التزاوج الخطر بين المال والسلطة في بلدانهم، ليتم لهم بعد ذلك تمرير سياستهم وصفقاتهم بدون عائق يذكر.

ربما من المفيد هنا التذكير، ببعض دعوات الادارات الاميركية، لبعض الدول العربية في الاصلاح والديمقراطية، والتي لازالت طرية في الأذهان، مع علمنا انها ارتبطت دائمآ ببعض الضغوط الداخلية، لكنها وكما اكدته السياسات الاميركية ولعقود طويلة لم ولن تكن صادقة في مضمون دعواتها، التي تتناقض بالكامل وطبيعة علاقة التبعية والهيمنة والإملاءات عند الحاجة، مع هذه الانظمة العربية، كونها علاقة عضوية بين الأستبداد، الذي ترعرع في كنف حاضنته الاستعمارية، ومن ثم تربى وتعلم وتثقف في مدارس الليبراليين الجدد، وبين الرأسمال الغربي وأداراته السياسية. حيث لا يستقيم الحديث عن طلب الأصلاح والحريات والديمقراطية وتوزيع عادل للثروة، دون تفكيك أواصر التبعية، وتفكيك اواصر التبعية، يعني التخلي الغربي عن العقد الأستراتيجية لمصالحه في وصول الطاقة الدائمة والرخيصة وتأمين الأمن الاستراتيجي لإسرائيل ومشاريعه الاقليمية. وهي إن فعلت ذلك تكون قد تناقضت مع طبيعتها الرأسمالية الشرهة، وبالنسبة لأنظمة الاستبداد يعني تخليها عن سلطانها وسلطاتها وامتيازاتها لصالح قيام حكومات وانظمة وطنية، تستطيع بناء دول سيادية ذات مقومات وطنية ديمقراطية، لا تسمح طبيعة نشأتها الجديدة بالتبعية والأملاء، وهذا ما لايمكن حدوثه إلا في عقول البسطاء، فقراء الفكر والسياسة. لذلك فأن استمرار تبعية الانظمة الاستبدادية يوفر الامان الاستراتيجي لمصالح راس المال الغربي، وبنفس الوقت يوفر الشرعية الخارجية لهذه الانظمة ويفضح زيف ونفاق الدعوات للاصلاح والديمقراطية، ويؤكد ان الكفاح ضد التبعية، يقود بالضرورة الى الكفاح ضد الأستبداد الذي يتمتع بدعم وتعضيد الادارة الاميركية وراس المال الغربي.

ومن هنا، فأن نجاح التحولات الجارية في بعض البلدان العربية بفعل الانتفاض الشعبي الهائل وكسر حاجز الخوف، وان الشعوب بثوراتها، لا تخسر سوى قيودها، سيكون لها تأثير واسع اقليميا وعالميا، بتقزيم الهيمنة والاستغلال، واضعاف الاستراتيجيات السياسية والعسكرية الاميركية، والتسريع في بلورة نظام عالمي متعدد الأقطاب، تلعب فيه العديد من الدول الاقليمية بدور بارز، وتتمتع فيه الشعوب والمجتمعات بهامش اكبر في امكانيات التخلص من الاستبداد وبناء دولها الوطنية الديمقراطية، عبر خلق المقومات الصحية سياسيا واقتصاديا، التي تفتح الطريق لتنمية سيادية منفتحة على اقليمها وعالمها، وماسكة بأصول اقتصادياتها الوطنية، وتؤدي وظيفة الخادم لمصالح شعوبها.

لذلك لا يمكن النظر إلى موجة التغيير، وتحولاتها الديمقراطية القادمة، إلا كونها ضربات موجهة، ليس فقط لأنظمة الاستبداد والخنوع التي لا تزال قائمة، وإنما ايضآ لرعاة الاستبداد الدولي ونظامهم العالمي، وخاصة للولايات المتحدة الاميركية واسرائيل، الذراع الوظيفي لها في منطقتنا العربية.

فرغم الذهول والأرباك الذي أصاب الادارة الاميركية وبعض الدول الغربية وقادة اسرائيل، فأنهم ومنذ انتفاضة الشعب التونسي واسقاط بن علي، عملوا على محاصرة ومنع تكرار النموذج التونسي، والحد من تأثيراته الشعبية والمعنوية على المزاج الجماهيري في دول التبعية العربية، خاصة وان التراكمات السياسية والاقتصادية واحتكار السلطة، خلقت ظروفا متشابهة، تضاف الى الشعور العربي العام بالاحباط والاهانة والمرارة من تنمر اسرائيل، ودورها الى جانب الادارة الاميركية في تفكيك المنطقة على اساس الطوائف والاعراق.

ان المواقف الاميركية والغربية المعلنة، والتي تراوحت بين الصمت والدعوات لاحترام مطالب الحريات والتغيير الذي لا يمس طبيعة الأنظمة، حتى لو ادى ذلك الى تنحي رؤوس هذه الانظمة، يدخل في سياق دعم النشاط السري للدوائر الدبلوماسية والمخابراتية الغربية والاسرائيلية، في انتهاج استراتيجية التطويق والتكيف والتدويل اذا كان ممكنآ للتحكم بنوعية المتغيرات القادمة، عبر الحث على استلام جيل جديد من القادة يولد من رحم الانظمة وتصدره لعملية التغيير، وتنشيط الثورة المضادة بكافة عناصرها الاعلامية والثقافية والسياسية والامنية والاقتصادية، والتهويل من الفراغ والفوضى والخراب، وفزاعة الاسلاميين.

ومن الجانب الآخر، بدأت بعض مراكز الدراسات الغربية وبالتماهي مع بعض الساسة، في التنظير لقضايا الحريات والديمقراطية في العالم العربي، واهمية تناغمها وتوافقها مع مبادئ "العالم الحر"، من خلال مساهمة قادة وحكومات "العالم الحر" بتشكيل تطلعات الشعوب العربية نحو الديمقراطية، وصياغة آلياتها، بحيث لا تسمح بمنح الشرعية لأحزاب ومنظمات "ارهابية" تستخدم اليات الديمقراطية في القفز للسلطة وتهديد شعوبها وجيرانها، وهذا ما سيسحب البساط من تحت اقدام القوى المعادية للعالم الحر والمجتمع الدولي. انها دعوة، لوصاية جديدة، يراد لها ان تأخذ طريقها إلى أجندة الادارات السياسية الاميركية والغربية، ليتم قنونتها وشرعنتها دوليآ، لتكون أمتدادآ لعملية التطويق والتدويل المستقبلي للتحولات الديمقراطية القادمة في بلداننا العربية.

ففي مقال لها في صحيفة واشنطن بوست، أطلقت وزيرة الخارجية الاسرائيلية السابقة ليفني، وبشكل صريح، مبادرة ودعت بشكل حاسم المجتمع الدولي لتبنيها، على أساس صياغة مبدأ دولي يمنح الشرعية (لمن يتمسكون بالقيم الديمقراطية وينزعها، عن الذين يسيئون استخدامها..)، وبالطبع فأن للقيم الديمقراطية مقاسات خاصة، عندما يتعلق الأمر بشعوبنا العربية، وللقيم الديمقراطية آليات خاصة يشرعنها لنا العالم الحر بعيدا عن خصوصياتنا الوطنية، أي ممنوع علينا اقامة ديمقراطياتنا الوطنية، حسب ليفني وبعض نظرائها من الساسة الاميركيين المتصهينين، إلا من خلال الألتزام "بالديمقراطية الحقيقية" ذات العناوين المُفصلة على المقاس الأسرائيلي والخادمة للراسمال الغربي، بالتخلي عن العنف والاعتراف بأحتكار الدولة للسلاح وتحقيق الاهداف من خلال الوسائل السلمية والالتزام بالمعاهدات الدولية، وبغير هذه الشروط ستنزع شرعية العالم الحر عن ديمقراطياتنا القادمة. لذلك نستطيع إدراك، ان احد اسلحة الغرب الامبريالي واسرائيل، في مواجهة عواصف التغيير، واسقاط الانظمة الموالية لها،هي في تدويل القيم التي تخدم اجنداتهم، وهو نهج استعماري، طبع السياسة الخارجية الاميركية لعقود طويلة، عبر تسخير مجلس الامن في فرض صيغ قانونية تسمح تحت مسمى الشرعية الدولية بأختراق السيادة الوطنية والتدخل في شؤون الدول الاخرى وفرض الوصاية عليها.

أن طبيعة المناخ الدولي في السنوات الاخيرة، تُقلص إلى حدٍ كبير فرص النجاح لمثل هذه المشاريع، رغم قوة دفعها الكبيرة، حيث ان المتغيرات الدولية ما بعد غزو العراق واحتلاله، والفشل العسكري والسياسي الذي اصاب المشروع الاميركي على ايدي المقاومة العراقية، والفشل المدوي للحرب الاسرائيلية على لبنان واسقاط مشروع الشرق الأوسط الجديد في 2006، اضافة الى بروز قوى دولية واقليمية فاعلة، ساهم الى حد كبير في التراجع الاميركي واضعاف قطبيته الاحادية، والذي قلص من امكانيات التدخل المباشر لأنقاذ توابعه من انظمة الاستبداد، واضعف التحرك الاميركي المنفرد بأمكانية استخدام المنظمات الدولية لفرض اجندته السياسية، بل ان مؤشرات هذا المناخ الدولي تؤكد بروز آفاق مستقبلية واعدة في تقزيم القوة الاميركية سياسيا واقتصاديا، خاصة اذا ما نجحت شعوبنا العربية في التخلص من انظمتها التبعية وبناء ديمقراطياتها الوطنية، التي تسخر ثرواتها الهائلة لصالح تنمية بلدانها، وإذا ما نجحت قوى التغيير المنظمة، بالتقارب والاتحاد بينها وفي التلاحم مع اجيال الشباب الناهض.

كاظم محمد