عن مخاوف الأقباط: ثورة مصر... براءة اختراع لشعب عظيم

بقلم: د. بليغ حمدي إسماعيل

تولى الخليفة الفاطمي العزيز بالله ملك مصر بعد والده المعز لدين الله الفاطمي، وتزوج العزيز بالله امرأة قبطية رومية ولدت له بنتاً هي ست الملك، وقد كان لهذه المصاهرة النصرانية أعظم أثر في سياسة العزيز بالله فيما بعد، إذا كان لزوجته ابنان هما أرسانيوس وأريسطيس، ولقد رفعهما العزيز بالله إلى ذروة المناصب الكنسية، فعين أرسانيوس مطراناً ثم رفعه إلى منصب بطريرك الطائفة الملكية بالإسكندرية، أما أريسطيس فعين بطريركاً لبيت المقدس، وتؤكد المصادر التاريخية أنه كان لهما نفوذ عظيم في البلاط الفاطمي.

وكان من أثر هذا النفوذ أن طبعت سياسة العزيز نحو النصارى بطابع الاعتدال والعطف والرحمة وأصبحوا أهل ثقة مطلقة لديه، ومما نود الإشارة إليه أن أقباط مصر في عهده نعموا بأكبر قسط من الجاه والنفوذ رغم أن ذلك قد أثار حفيظة البعض لمكانتهم عند الملك العزيز بالله.

قفزت هذه المعلومة التاريخية إلى عقلي بمناسبة التصاعد الديني أو ما اتفق على تسميته طوعاً وكرها المد الديني الإسلامي باعتبار أننا أمة كانت غائبة عن الدين أو كنا نعيش في وثنية طويلة حتى جاءت تلك التيارات لتعلن تطهير البلاد من ضلالها وانحلالها الأخلاقي، رغم أننا نشأنا على عبارة محفوظة في الشعور الجمعي أن الإسلام في مصر، وإذا أردت أن تبحث عنه فلن تجده إلا فيها متمثلاً في الطاقة المتجددة ألا وهي الأزهر الشريف.

ويبدو أن تلك التيارات أعلنت سياساتها الاستشرافية في إدارة البلاد، سياسات بدأت بالترهيب والتخويف والمنع والرفض، رغم أنني أقسم بالله العظيم أن الإسلام هو دين الرحمة والرأفة ولم يسع أبدأ إلى قهر وقمع الحريات بل جاء على إتاحة الحرية والتعددية التي هي سنة كونية في الأرض. وسرعان ما انتهت هذه التيارات من وضع محددات التخويف والترهيب حتى بدأت في تغييب التيارات والفئات المشاركة لها في هذا الوطن الفسيح، فالليبراليون أصبحوا في ضلال وهم يحتاجون إلى مراجعات فقهية لردهم من جديد إلى مظلة الإيمان باعتبارهم فسقة وجاهلين بأحكام الشريعة رغم كونهم مسلمين لكنهم تاهوا في الطريق المدني بسبب الأيديولوجيات والطروحات والنظريات الجدلية التي نادى بها كفار الغرب الحداثيين.

أما الأقباط الذين من المفترض أنهم شركاء في هذا الوطن العجيب، فالإشعار قد بدا جليا ومبكراً، فمجموعة تعلن أنه لا يجوز تهنئة الأقباط بأعيادهم لأن هذا يعد من باب الموالاة وهي مبحث فقهي يطول شرحه وتفصيله، مفاده أنه لا يجوز وضع الآخر الضعيف والمعادي والمخالف في العقيدة موضع الاهتمام والتقدير لأن هذا يضعف من شأن العقيدة.

وتيار آخر قصر دور الأقباط في مصر على إقامة أعيادهم مع المشاركة الإسلامية بصورة شكلية قاصرة على الحضور السريع والابتسامات السريعة أيضاً، لكني لم أرَ تياراً أو فريقاً من الفرق التي تسيدت المشهد السياسي وبدا ظهورا لافتا في الحراك الاجتماعي تدعو الأقباط في تحديد مصير هذا الوطن لأنهم باختصار من وجهة نظرهم غرباء عن هذه البلاد وعليهم أن يرحلوا سريعا إلى النرويج أو أيسلندا باعتبار أن المصريين لا يعرفون شيئاً عن هاتين الدولتين.

ولقد دار حديث طويل بيني وبين بعض الأقباط أثناء المرحلة الثالثة من الانتخابات البرلمانية السابقة والتي غاب عنها الدستور المعطل، وكان الحديث عبارة عن مجموعة من المخاوف التي تعتريهم وهم يرصدون المشهد السياسي الراهن، وأنا أتفق معهم في أنهم وغيرهم كثيرون يحملون بعض المخاوف من هذا التصاعد والمد الديني الشرعي للتيارات الدينية الإسلامية، وشرعي لأنهم وصلوا إلى سدة السلطة التشريعية عن طريق الصندوق الزجاجي، ولكن لا ينبغي فرط الخوف من الفكر المتشدد طالما أن المصريين هم الذين قرروا مصيرهم من قبل عام وأسقطوا نظاماً سياسياً منيعاً كنا نظن أنه لن يسقط أبداً.

وهؤلاء الثوار أنفسهم هم الذين حددوا هوية الوطن وطبيعته، والميدان الذي وحد المصريين نفسه الذي لفظ أي فصيل سياسي أراد أن يوجه الثورة وجهة دينية، والمصريون الذين اعتصموا بالميدان ثمانية عشر يوماً كانوا نموذجاً مصغراً عن طبيعة وكنه هذا الوطن واتجاهاته، بل ولقد انتقد الثوار تلك التيارات الدينية التي لم تجاهد في تقرير مصير البلاد بالنزول مبكراً في صفوف الثائرين بل انتظروا طويلاً لترقب المشهد.

فمصر المدنية التي دخلها الإسلام منذ قرون تأبى أن تستغل السياسة فيها الدين، ومصر المدنية تفطن أن الإسلام حفظ للفرد والجماعة حقوقه وحرياته، وهذا ما لا تعيه جيدا بعض التيارات الدينية، وغلب ظنها في تحشيد الحشود والمواطنين لإظهار قوتها، وكم كنت أتمنى أن أرى مليونية إسلامية سلفية إخوانية صوفية قبل سقوط مبارك أو في أثناء السقوط، لكن ظهورهم المليوني كان بعد استقرار الوضع السياسي.

وربما القاصي والداني يعلم أن من يريد نزول البحر يتحدث عن زيه الذي يرتديه، وعن طبيعة الماء ساخنة كانت أم باردة، والمدة التي سيقضيها في السباحة، لكن عند نزوله فالأمر مختلف تماماً، وهذا ينطبق على أولئك المتشددين في قضايا لا ولن تهم مصير هذا البلاد، فتنتظرهم جملة محمومة من القضايا الشائكة من تعليم وصحة وبناء مجتمعات عمرانية جديدة، وزيادة رقعة الأرض الزراعية، ومشكلات الري والصرف، هذا بخلاف السياسة الخارجية مع البلاد الأخرى وتحديد موقف مصر تجاه المنظمات العالمية واتفاقياتها الخارجية.

وربما منذ شهور أتفاءل لمستقبل هذا الوطن رغم أن تحدياته كثيرة ومتشابكة، لكن مصيره أكبر الآن من مسألة المايوه الذي لا أعرف سبباً لذكره هذه الأيام التي نعاني من برودتها، أو خمور السائحين الذين لا نجدهم أصلاً في مصر، أو جزية الأقباط أو قوانين بناء دور العبادة، حتى التيارات الدينية التي ارتفع صوتها تعلم جيداً أن هناك قاعدة لا استثناء فيها وهي أن الشعب يريد.

د. بليغ حمدي إسماعيل