عن طه حسين 'المظلوم' يمينا ويسارا

القاهرة
حسين واجه سندان شعبوية الخطاب الشمولي العسكري ثم الديني

أراد الكاتب السوري عبد الرزاق عيد أن يقدم تقييما لدور عميد الادب العربي الدكتور طه حسين فأنصفه من منتقديه في اليمين واليسار كما أشاد بالقراءة الماركسية الشامية لأفكاره قائلا انها أكثر تفاعلا وحماسا مع مشروع العميد من القراءة الماركسية المصرية "الفاترة" له.

وفي كتابه "طه حسين رائد العقلانية الليبرالية العربية" يقول عيد ان حسين "مكتشف قارة التاريخ في الفكر العربي الحديث" ورغم ذلك وربما بسبب ذلك واجه انتقادات مستمرة اذ "أثمه" الازهر والماركسيون و"مدرسة ثورة يوليو" وكان التفريط في أفكار العميد من أسباب نزيف ميراث التنوير الليبرالي منذ السبعينيات حيث شهدت "النزوح الجماعي للعقل العربي" باتجاه التراث والانغلاق على الذات بدافع الخصوصية.

ويضيف أن الجغرافيا بين الشرق والغرب بالنسبة لحسين هي جغرافيا الروح لا جغرافيا الطبيعة. فعلى سبيل المثال كانت أوروبا في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" 1938 خارج ثنائية الانا-الاخر "بل هي المنجز الحضاري الكوني للجميع" والحدود بين العالم العربي وبينها ليست جغرافية وانما فكرية تفصل بين التقدم والتخلف والاستبداد والحرية والعلم والجهل.

ويقول عيد ان مشروع طه حسين اغتيل في المرحلة الناصرية بتعدد خطاباتها "القومية-الماركسية-الاسلامية" كما اغتيل في السبعينيات وما تلاها مع تصاعد المد الديني وظهور وكلاء للتراث الاسلامي ووكلاء للحداثة الغربية "أي السمسرة على الدين والعلم معا".

ويقع الكتاب في 307 صفحات متوسطة القطع وأصدرته دار "رؤية" في القاهرة.

ولايزال طه حسين (1889-1973) يحظى بمكانة مرموقة في الفكر العربي كنموذج للمفكر الموسوعي الذي يؤمن بأن له دورا اجتماعيا يتجاوز حدود المنهج الدراسي وأسوار الجامعة فهو الذي أطلق صيحة "التعليم كالماء والهواء" حين كان وزيرا للمعارف (التعليم) في مصر (1950-1952).

كان طه حسين في مصيف بايطاليا حين قامت ثورة 23 يوليو/تموز 1952 التي أنهت حكم أسرة محمد علي (1805-1952) للبلاد بدون اراقة دماء ثم غادر الملك فاروق مصر بعد ثلاثة أيام.
وكان طه حسين أول من وصف ما قام به ضباط الجيش بأنه "ثورة.. ليست حركة جيش" وفي عام 1953 أبلغه اللواء محمد نجيب أول رئيس مصري بعد الثورة بموافقة مجلس الوزراء على اختياره عضوا بلجنة التعليم ثم أرسل اليه يخبره بتعيينه عضوا باللجنة التي ستضع مشروع الدستور الجديد.

وشهد شهر يناير/كانون الثاني 1953 حل الاحزاب السياسية المصرية واحتدام الصراع بين أنصار الديمقراطية وأعدائها في مجلس قيادة الثورة وبعد نحو عام أقصي رئيس البلاد ثم أعيد ثم استبعد نهائيا في نهاية عام 1954 وحددت اقامته.

لكن عيد يذكر بأن حسين واجه "سندان شعبوية الخطاب الشمولي العسكري" حين كتب في مجلة (الكاتب) في يناير 1953 قائلا.. "فمصر لا تحتاج الى شيء بمقدار ما تحتاج الى أن تتحرر عقول أبنائها.. والعقل الحر هو الذي لا يقبل أن يفرض السلطان السياسي عليه رأيا من الاراء ومذهبا من المذاهب.. والعقل الحر هو الذي لا يقبل دكتاتورية مهما يكن غرضها ومهما يكن أسلوبها في الحكم. لن نرضى من الثورة الا بأن يتسع سلطان العقل حتى يغزو بالمعرفة نفوس المواطنين جميعا وبأن تتسع افاق العقل حتى يتلقى المعرفة من أقطار الارض جميعا وبأن يعظم سلطان العقل حتى لا يخشى رقيبا حين يعلن ما يرى خطأ كان أم صوابا."

ويعلق المؤلف السوري قائلا "لن نستغرب في عرمرم الاندفاعة الشعبوية - الثورية الفلاحية أن يرمى العقل الليبرالي الراديكالي المشبع بأرقى تقاليد قيم التنوير والنهضة والحداثة بأنه اقطاعي" مضيفا أن أصحاب هذا الاتهام نموذج لثقافة "التسطيح والعموميات الغوغائية المعبرة عن ضيق أفق حثالات المدن ورعاع الريف."

ويقول عيد ان العميد لحقته تصنيفات اعلامية وتوظيفات أيديولوجية وسياسية حجبت عن الثقافة العربية "الاهمية الجليلة لمشروعه الفكري والحضاري فلقد أنهك مشروعه الطليق الرحب ضيق أفق نزوعات التصنيف والترتيب والتبويب والترهيب ومن ثم التكفير دينيا والتخوين وطنيا وقوميا...عندما يقوم الماركسيون العرب باعادة قراءة طه حسين فانما هم يقومون باعادة قراءة منهجهم ذاته في الفكر والسياسة والاجتماع.. يعيدون ترتيب علاقتهم بطه حسين ورعيله... هي شهادة على رد الاعتبار لانفسهم كمثقفين."

ويضيف "هناك أمم كثيرة دخلت حضارة عصرنا دون أن يكون في تاريخها عمر بن الخطاب أو علي بن أبي طالب. ابن رشد أو ابن خلدون. لكن ليس هناك أمة دخلت حضارة هذا العصر دون أن يكون لديها طه حسين الخاص بها يفكك بنى العقل القديم ويؤسس للعقل الجديد" اذ حث قبل 70 عاما في كتابه 'مستقبل الثقافة في مصر' على ضرورة أن نكون أندادا للاوروبيين وشركاء لهم في الحضارة لان عقولنا لا تختلف عن عقولهم.

ويتهم عيد قوى اليسار واليمين التي تجاهلت مشروع طه حسين ثم دعت لتأسيس ما تعتبره بنية عقل عربي جديد بأنها "ليست متهمة بضميرها الاخلاقي بأنه تضليلي فحسب بل هي ستكون تعبيرا مكثفا عن لحظة الوحل التي يغوص بها مشروع التحرر والتقدم العربي الراهن لانها تلغي قرنا من التقدم على هذا الطريق... عندما تتوهم أنها بداية الشروع والتأسيس."

ويستعرض المؤلف قراءات عربية لما يصفه بالظاهرة الليبرالية العقلانية للعميد "أكبر مثقف عرفه هذا القرن (العشرون)" مسجلا مفارقة تتلخص في أن القراءة الماركسية الشرقية الشامية (السورية-الفلسطينية-العراقية) لاتزال أكثر تفاعلا وانفعالا من "الفتور المصري تجاه العميد" ممثلا في بعض رموز التيار الماركسي.

ويفسر الحفاوة الشرقية بأفكار طه حسين بأنها تعبير عن الحماس للمشروع المدني الديمقراطي من قبل الماركسية الشامية وهو ما يعكس "عمق أزمة هذا المشروع في مجتمعاتها بشكل أكثر فجاجة وفجائعية من المجتمع المصري الذي حافظ رغم كل الالتواءات الدكتاتورية أو الديمقراطية الشائهة على موروث مدني أكثر عمقا ورقيا مما في بلاد الشام التي مازالت تفقد الى نوياته الاولى بعد الانقلاب العسكري الفلاحي الشمولي عليه والهبوط الى مستوى ما دون الدولة."

ويضيف تفسيرا اخر لذلك هو ارتفاع درجة "الحضور الفاعل لظاهرة طه حسين ورعيله" في الثقافة المصرية التي لم تنظر الى العميد كظاهرة عرضية بل كحلقة في سياق متصل لتطور "بناء مجتمع المؤسسات المدنية والحقوقية (في مصر)... الدكتاتورية الشمولية المصرية لم تستطع أن تقوض كيان الدولة المصرية كبنيان حقوقي وقانوني كما فعلت السلطة في بلاد الشام."

ويلخص الامر قائلا ان مشروع طه حسين الحضاري-المدني-العقلاني ظهر في مجتمع "سباق على باقي المجتمعات العربية" وأن مصدر الحماس الشامي له يرجع الى حرمان هذه البلاد من المكتسبات المدنية التي أتيحت لمصر منذ محمد علي في مطلع القرن التاسع عشر في حين استمرت بلاد الشام "تحت ظلام العصور الوسطى العثمانية حتى الحرب العالمية الاولى" فكانت أقل رسوخا من مصر في بنيانها المدني.