عن سقوط 'الحرة' وترنح شقيقاتها

بقلم: فيصل جلول

كان شأن الاعلام العربي في خمسينات وستينيات القرن الماضي كشأن العديد من وسائل الاعلام الحكومية الغربية يخضع للرقابة مع فارق في المستوى المهني والتقني والوعي السياسي تظهر معه الرقابة عندنا مباشرة وتسلطية وتظهر عندهم موحية وتواطؤية. حينذاك كانت "الامية" الاعلامية عندهم محدودة وعندنا واسعة وكانوا يخوضون حربا باردة وكنا بيادق فيها.
لقد نشأت وسائل الاعلام الغربية الناطقة بالعربية في هذا السياق وكانت تساهم في صناعة الرأي العام العربي وفق ما يشتهي اصحابها يعينها في مهمتها بؤس اعلامنا وقصوره. هكذا كان المديح والاطناب والمبالغة وتزوير الحقائق والسجال والتهجم الفظ في صحفنا يقابله احتراف ونصوص هادئة وتفاصيل اخبارية منظمة وموضبة باسلوب دقيق وقراءات تحليلية مصاغة بتقنيات علمية متقدمة تصل الى جمهورنا عبر الاثير الاجنبي فتبدو خلابة وفاتنة وبالتالي موضع ثقة وغلبة هذا اذا اردنا اهمال الاخبار التي تنقل لنا عناصر تقدمهم وتفوقهم على كل صعيد في مواجهة تاخرنا وقصورنا.
الراجح ان معظم الراشدين العرب في تلك الفترة كانوا يمحضون ثقتهم لـ "صوت اميركا" وراديو "مونت كارلو" واذاعة "لندن" ويعتبرونها مصدرا مفضلا لمعرفة ليس فقط ما يدور في العالم وانما أيضا في بلادهم.ولعل حدثا من طراز حرب حزيران ـ يونيو عام 1967 كان يزيد من ثقة الرأي العام بالاعلام الاجنبي الناطق بالعربية. ذلك أن وسائل الاعلام المصرية والعربية عموما كانت تؤكد عشية الحرب ان زوال اسرائيل بات قاب قوسين او ادنى بفضل القوة العسكرية العربية وفي اليوم الاول للحرب كان اعلامنا يؤكد سقوط مئات الطائرات الاسرائيلية في حين كانت الاذاعات المذكورة ومن بينها الاسرائيلية تنقل وقائع الهزيمة وتفاصيلها معززة بالارقام والشواهد لنكتشف من بعد اننا كنا ضحية لخدعة اعلامية تاريخية فشكلت الحرب انتصارا ساحقا للاعلام الاجنبي وسقوطا مدويا للاعلام العربي.
الثابت ان وسائل الاعلام الاجنبية الناطقة بالعربية ظلت تصنع الرأي العام عندنا على هواها حتى نهاية الحرب الباردة حيث بدأت انطلاقة جديدة سواء عبر افتتاح صحف بتمويل عربي في باريس ولندن او عبر تأسيس مجموعات اعلامية حرة في العالم العربي بوسائل ومنهجيات جديدة وكانت تجربة "الجزيرة" محطة فاصلة في هذا المجال إذ وضعت قواعد تعبير جديدة وحطمت جدران الرقابة العربية حتى صار معها اعلامنا يقاس حقا بما قبل وما بعد ظهور هذه القناة.
وإذ تسببت "الجزيرة" بثورة حقيقية في الاعلام العربي المقيم فقد طرحت بالمقابل تحديات جدية على الاعلام الاجنبي الناطق بالعربية فلم يعد بوسع "صوت اميركا" و"اذاعة لندن" وراديو "مونت كارلو" شيطنة حركات المقاومة في فلسطين والعراق ولبنان بنجاح تام عندما ترد في "الجزيرة" بصفتها الايجابية ولم يعد بوسع الاذاعات المذكورة حجب انحياز السياسات الغربية في الصراع العربي الاسرائيلي بسهولة عندما ترد في الجزيرة بوصفها سياسات مزدوجة المعايير او منافقة فيما تدعيه من حرص على احترام القيم الاخلاقية والحقوقية والقانون الدولي.
ومثلما كان الاعلام العربي مجبرا على اعادة التموضع بالقياس الى "الجزيرة" كان الاعلام الاجنبي الناطق بالعربية مجبرا هو الاخر على اعادة التموضع فكان ان دخلت اسرائيل على الخط وانشأت فضائية ناطقة باللغة العربية وانشأت بريطانيا محطة الـ"بي بي سي" العربية ومثلها فعلت فرنسا عبر "فرانس 24" مؤخرا ولمواكبة حربها على العراق بادرت واشنطن الى انشاء محطة "الحرة" ناهيك عن تجارب اخرى على غرار "اورو نيوز" و"راديو سوا" .. الخ.
لقد صار معروفا أن وسائل الاعلام المذكورة الناهضة على موازنات ضخمة وقدرات تقنية عالية وطواقم مهنية رفيعة المستوى اخفقت في التنافس مع "الجزيرة" على صناعة الرأي العام العربي فقد انهارت الفضائية الاسرائيلية الناطقة بالعربية بسرعة قياسية وتعثرت البي بي سي وتموضع الاعلام الفرنسي على مقربة من "الجزيرة" ونشهد اليوم انهيار "الحرة" بطريقة مدوية وذلك لاسباب عديدة اولها عجز المحطات المذكورة عن تسويق الاحتلال الاسرائيلي والاميركي بوصفه قابلة لتوليد الديموقراطية فيما يظهر على شاشة "الجزيرة" على حقيقته العارية وثانيها ان القيم التي حاولت تلك القنوات نشرها كانت تقدم على الشاشة العربية بوصفها غير قابلة للتصدير وثالثها ان احتكار الغربيين لمصادر الاخبار في العالم ما عادت متاحة بفضل تدفق المعلومات عبر النت من جهة وبفضل مصادر اخبار "الجزيرة" والمحطات الفضائية الاخرى الخاصة ورابعها ان تلك القنوات كانت مجبرة على المرور عبر "الجزيرة" في تغطية احداث معينة يتعذر عليها تغطيتها بوصفها طرفا في النزاع ومنبوذة من العرب المعنيين به وخامسها ان الاعلام المقيم في العالم العربي كان مجبرا في حربي لبنان والعراق واحداث اخرى على الاصطفاف في خط "الجزيرة" كي لا يفقد جمهوره الامر الذي كان يحرم الاعلام الاجنبي من حلفاء محليين في تغطيته الموجهة والمنحازة للحربين المذكورتين ولاحداث اخرى لا تقل شأنا. وسادسها ان جمهور "الجزيرة" العريض بات يشكل ضغطا معنويا عليها يحول دون تغيير خطها التحريري تعديلا جذيرا يمكن في حال وقوعه أن يسهل مهمة الاعلام الاجنبي ويعزز فرصه في صناعة الراي العام العربي. وسابعها ان الاعلام الاجنبي وبخاصة الفضائية الاسرائيلية والحرة كان احيانا يقدم المواد الاخبارية والتعليقات مترجمة عن الاجنبية فيبدو امام الرأي العام العربي كمنبر مناهض وجدير بالعداء او الاهمال.
لهذه الاسباب انهارت "الحرة" وسقطت الفضائية الاسرائيلية بالضربة القاصمة اما وسائل الاعلام الاجنبية الاخرى الناطقة بالعربية فهي تدين ببقائها على قيد الحياة لوقوفها على مقربة من "الجزيرة" لكن الى متى؟ فيصل جلول