عن خطاب بوش في الجمعية العمومية

بقلم: نضال حمد

بعد سماعي لبعض ما جاء في خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، تذكرت يوم الثلاثاء الموافق الحادي عشر من ديسمبر سنة 2001. ففي ذلك اليوم و بناء على طلب من إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش، عزفت الأناشيد الوطنية في كافة البلدان الحليفة والصديقة لأمريكا، وذلك بمناسبة مرور ثلاثة أشهر على عمليتي نيويورك وواشنطن ومن اجل إحياء تلك الذكرى، أي ذكرى الذين سقطوا في العمليتين. كان هدف أمريكا من ذلك توجيه رسالة واضحة بأن العالم لن ينسى تلك الهجمات. والجدير بالذكر هنا أن الأناشيد عزفت في نفس التوقيت الذي تمت فيه مهاجمة مبنى غرفة التجارة العالمي في نيويورك.
أما الآن وبعد أسبوع على الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن الدولي ضد اتخاذ قرار دولي يلزم إسرائيل و يمنعها من المساس بشخص الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات أو إبعاده عن أرض فلسطين - وهو الفيتو الأمريكي رقم 77 دفاعا عن إسرائيل وضد العرب والفلسطينيين وقضايا الحرية في العالم – يقف الرئيس الاميركي ليلقي خطابا مدويا في الجمعية العمومية للأمم المتحدة يقول فيه، وبشكل تهديدي وعلني، أن بلاده ستعمل على إحداث تغييرات في المنطقة العربية، وأنه على الدول العربية التوقف عن تمويل المنظمات الإرهابية ودعمها وأن تتحرك بحزم من أجل السلام. بوش يعني بالإرهاب والإرهابيين المقاومة والمقاومين في فلسطين وجنوب لبنان والعراق وغيرها من المناطق. كما انه يعني بالسلام استسلام الأمة العربية قاطبة للمشروع الأمريكي الاستعلائي المتحالف مع المشروع الاستئصالي الصهيوني ممثلا بإسرائيل ووجودها في شرق المتوسط.
ولم يكتف بوش بمواعظه السلمية العتيدة بل تطاول على الشعب الفلسطيني كله عندما اعتبر أن القادة الفلسطينيين خانوا الشعب الفلسطيني، داعيا الفلسطينيين إلى الإقتداء بالعراقيين، وهو يعني بالعراقيين مجلس الحكم العراقي الذي يأتمر بإمرة بريمر، الحاكم الفعلي والوحيد للعراق المحتل. ويعتبر بوش أن العملية الجارية في العراق "لإنشاء مؤسسات ديمقراطية يجب أن تكون نموذجا يقتدي به آخرون ومن بينهم الشعب الفلسطيني". فعلا هذا الرئيس غشيم في السياسة ومتوغل في أللا فهم لأنه لازال عاجزا عن فهم العقلية العربية عامة والعقلية الفلسطينية خاصة. فالقوة والاحتلال منذ 1948 وحتى يومنا هذا لم تستطيعا تركيع الشعب الفلسطيني وتذويبه في العالمين، ولم تتمكنا من استئصال النضال الوطني الفلسطيني الملتهب، هذا الذي لم يترك بابا ألا ودقه من أجل حل عادل ومشرف للقضية الفلسطينية، وكانت كل الأبواب تغلق بوجهه من قبل أمريكا وإسرائيل، ولازالت الأبواب الرئيسية مغلقة بقرار من بوش المتهادن والمتحالف والمتعاون مع شارون وقادة إسرائيل.
بأي حق وبأي منطق يأتي بوش ليعطينا مواعظ في السلام الأمريكي و مكافحة الإرهاب؟ فبدلا من مراقبة إسرائيل ومنعها من تطوير الأسلحة المحرمة دوليا وامتلاكها وتصنيعها بلا مراقب، تقوم أمريكا بدعم إسرائيل ومشاريعها وحمايتها وتقديم الأموال والتقنية وكل ما يساعد إسرائيل على التفوق على جيرانها، وبنفس الوقت تريد منع الفلسطيني من حماية نفسه والدفاع عن حريته وحياته وانتزاع حقوقه التي أقرتها كل الشرائع والقوانين،كما تقوم بتهديد ومحاصرة وتضييق الخناق على كل دولة عربية أو إسلامية تحاول تطوير قوتها النووية للدفاع عن نفسها في زمن العالم النووي بقيادة الولايات المتحدة. والعالم لازال يذكر أن أمريكا أول دولة في التاريخ استعملت السلاح الذري والنووي ضد الشعوب وقتلت في لحظة واحدة عشرات آلاف البشر في هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين.
الشعوب العربية لازالت تقاوم وترفض الخضوع لعملية تدجينها كي تقبل فكرة بوش الجهنمية، هذه الفكرة السخيفة؟ فكيف يستطيع رئيس اكبر دولة في العالم دعوة الشعوب للانقلاب على معتقداتها وخيانة أوطانها والقبول بالاحتلال والظلم والتبعية؟ هذا كلام غير عقلاني لرئيس يكاد يكون بلا عقل ويتحدث بلا فهم وبلا وعي.
فبوش في خطابه أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة قال أن "الشعب الفلسطيني يستحق أن تكون له دولة ملتزمة بعملية إصلاح وتقاوم الإرهاب وتعمل على إحلال السلام". تصوروا يقول يستحق، وكأنه هو الذي يحدد الحق و من يستحق ومن لا يستحق، وكأن الحقوق والحقائق والتاريخ والماضي والحاضر والوجود والانتماء والأرض والجذور لا تعني شيئا للرئيس بوش، هذه الأرض هي أرض الفلسطينيين وبلادهم وبيت أجدادهم وآباءهم وأبناءهم، هم فيها منذ القدم ومنذ بدء الخليقة، فدولتهم كانت موجودة وستعود بعد أن تتم عملية طرد الاحتلال وزوال الاستيطان الصهيوني عن بلادهم فلسطين، حيث دولتهم وكيانهم. وهذا الشعب الذي يناضل من أجل حريته وإقامة دولته المستقلة الحقيقية ألتزم بالسلام العادل والشامل وعمل كل ما يستطيع من أجل تحقيق السلام والابتعاد عن لغة السلاح والمقاومة، لكن إسرائيل ربيبة أمريكا واصلت نفس سياستها الدموية العدوانية العنصرية السابقة، فواصلت الإرهاب المنظم والرسمي المدعوم أمريكيا والمسنود بالفيتو الأمريكي في مجلس الأمن الدولي.
بعد كل هذا يأتي بوش ويقول أن إسرائيل تدافع عن نفسها ضد الإرهاب الفلسطيني والعربي والإسلامي، وأنها ملتزمة بالسلام،أي سلام هذا الذي يراه بوش وحده ولا نراه نحن؟
هذا السلام غير موجود ولن نجده مادام أمثال بوش وشارون وبيريز وباول وغيرهم من أللا منطقيين وغير العقلانيين، موجودون في هرم القيادتين الإسرائيلية والأمريكية. وفي هذه المناسبة الحزينة ندعو جميع الفرق لتنشد موسيقى تعبر عن موت القيم وفناء العدل واندثار السلام في زمن بوش، وليكن العزف في وقت واحد في كل العالم وذلك تعبيرا عن حزن العالم على ما يحل به من ويلات وحروب ومصائب ليس في فلسطين والعراق وأفغانستان، فحسب بل في كل المعمورة. نضال حمد - أوسلو