عن حرب 'الغاز' الوشيكة شرق المتوسط

بقلم: فيصل جلول

تفيد المعلومات المنشورة حول مصادر الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط إلى أن هذه المنطقة تضم احتياطيات غازية ضخمة هي الأهم بين الاكتشافات المسجلة خلال السنوات العشر الماضية فضلاً عن مخزون نفطي لا تتوفر معطيات دقيقة حول حجمه الحقيقي وان كانت التقديرات تشير إلى انه اقل أهمية من الغاز.

وتفصح المعطيات المتداولة عن أن جزءاً من المخزون المكتشف يقع داخل المجال البحري الاقتصادي للدولة العبرية والقسم الآخر يقع داخل النطاق البحري اللبناني ويعتقد القبارصة اليونانيون أن الاكتشافات المشار إليها تمتد أيضا إلى مجالهم البحري كما يرى السوريون أن هذه الثروة تصل إلى شواطئهم.

ويلاحظ أن لبنان الذي أدرك مبكرا حجم هذه الثروة كان سباقا للانتظام في إطار المعاهدات الدولية عندما رسم خرائط لحدوده البحرية وفقا للقانون الدولي للبحار الصادر في العام 1982 والذي وقعه اللبنانيون والقبارصة بعد صدوره وقد اتفقت الطرفان على تخطيط حدودهما البحرية دون صعوبات تذكر بالمقابل لم توقع تل أبيب الاتفاقية الدولية ربما لحسابات متصلة بعقيدتها المبنية على التوسع ـ إلا في حال إخضاع الطرف الآخر لشروطها المهينة كما هي الحال في اتفاقية "كامب ديفيد" ـ وربما أيضا لاعتقادها أن قانون البحار الدولي يقيد نزعتها العدوانية وحريتها في التصرف كيفما تشاء مع جيرانها.

والواضح أن تل أبيب قد فوجئت بتخطيط الحدود اللبنانية ـ البحرية مع قبرص كما فوجئت بإيداع خرائط للحدود البحرية اللبنانية لدى الأمم المتحدة والتي تبين أن الحدود كما يراها لبنان هي غير الحدود التي تريدها إسرائيل ويتضح من الفارق بين خرائط الطرفين أن الخرائط الصهيونية تنطوي على مساحات بحرية هامة عائدة للبنان وتقدر خسائرها بمليارات الدولارات إذا ما استثمرت إسرائيل الغاز الذي تختزنه.

والراجح أن الصهاينة يستعدون لخوض معركة مع لبنان بكافة الوسائل للاحتفاظ بتلك المساحات ومن بينها ممارسة ضغوط حثيثة داخل الولايات المتحدة الأميركية لحمل الأميركيين على تغيير موقفهم الذي يبدو انه يميل إلى الاعتراف بالخرائط اللبنانية للحدود البحرية.ولعل تهديد "الكيان" باستخدام القوة للدفاع عما يسميه بـ"حدودنا البحرية" يوحي بأن الحكومة الإسرائيلية لا تخشى فقط خسارة جزء من الثروة الغازية القائمة في جوف البحر وإنما أيضا امتلاك لبنان للوسائل المالية التي تتيح له التخلص من مديونية ضخمة تقدر بستين مليار دولار وحل مشاكل الكهرباء والغاز لعقود طويلة وكلها عناصر تزيد هذا البلد قدرة وإصرارا على مواصلة سياسة المقاومة والممانعة الناجحة على أكثر من صعيد بشهادة مسؤولي "الكيان" أنفسهم.

والواضح أن الخوف الإسرائيلي ليس محصوراً بلبنان وحده فالمنطقة البحرية التي تضم النفط والغاز محاطة من الجهة الأخرى بقطاع غزة حيث يعتقد الفلسطينيون أيضا أنهم أصحاب الحق في الثروة الغازية المتوسطية أو في جزء منها على الأقل وإذا ما أضفنا سوريا الطامحة بدورها لتعويض نفطها البري الناضب بنفط بحري إلى الثنائي اللبناني الفلسطيني فإننا ندرك سبب التوتر والتهديد الصهيوني باستخدام القوة.

وعلى الرغم من ضعف المؤشرات التي تربط بين الاضطرابات في سوريا ولبنان فضلا عن الانقسام الفلسطيني ـ الفلسطيني وبين قرب استثمار الثروة النفطية في شرق المتوسط على الرغم من محدودية هذه المؤشرات فان ما يشبهها يتوفر بكثرة في النزاع القبرصي التركي حيث تخشى تركيا من أن يتمكن القبارصة اليونانيون من الإفادة من الثروة النفطية والغازية الموعودة من اجل تحسين موقعهم في الأزمة القبرصية وربما الانضمام إلى اليونان التي قد تنظر بعين الرضى إلى ثروة قبرصية غير منتظرة تساهم في حل الأزمة الاقتصادية اليونانية المستعصية.

إن ما يصعب تخيله هو أن تبادر الدولة العبرية إلى مصادرة مساحات بحرية لبنانية وفلسطينية وان تستثمرها كما يحلو لها دون أن يحرك اللبنانيون والفلسطينيون ساكناً.

وان تم ذلك فانه يعني عدم جدوى المقاومة في البلدين وعدم الحاجة إلى سلاحها وبناها التنظيمية وهو أمر لا يمكن تخيله في ضؤ المعطيات المتصلة بالصراع مع "الكيان" ما يعني أن الاحتمال الراجح هو أن يعمد الطرفان إلى الرد على التهديد الصهيوني بمثله أي الإعراب عن الاستعداد لاستخدام كل الوسائل بما فيها القوة المسلحة للدفاع عن الحقوق اللبنانية والفلسطينية المشروعة في الثروة الغازية والنفطية البحرية ومن الطبيعي في هذه الحالة إن تصطف سوريا إلى جانب المقاومة معها طهران الأمر الذي يفضي بالضرورة إلى حرب إقليمية مدمرة من الصعب التحكم مسبقاً بكافة نتائجها.

وإذا كان المخزون الغازي والنفطي البحري مرشحاً لإشعال الحرائق مجدداً على الحدود العربية الإسرائيلية فانه يمكن أيضاً أن يصب الزيت مجددا على رماد الأزمة القبرصية الساخن وبالتالي أن تمتد النيران إلى شرق المتوسط بأسره...نعم كان يمكن لمخزون الطاقة المكتشفة أن يعالج العديد من المشاكل التنموية في هذه المنطقة لو لم يتصل الأمر بالدولة العبرية التي تحتل أراضي العرب منذ أكثر من أربعين عاما وتطلب خضوعهم وتبحث دائماً عن الوسائل التي تحرمهم من النهضة والتقدم.

بيد أنها قد تخطئ الحساب مع لبنان هذه المرة كما أخطأته في العام 2006 فهذا البلد ما عادت "قوته في ضعفه".

فيصل جلول