عن انحدار الخطاب السياسي الفلسطيني

بقلم: ماجد كيَّالي

تثير المجادلات السائدة في الساحة الفلسطينية، ولا سيما تلك التي جرت على خلفية العدوان الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزة، والذي ذهب ضحيته أكثر من 66 شهيداً، الكثير من مشاعر القلق والغضب إزاء الدرك الذي وصل إليه مستوى النقاش بين الطبقة السياسية السائدة، وخصوصاً بين قياديي الحركتين الرئيستين (فتح، وحماس).

في هذا النقاش استمرأ بعض قياديي حماس تحميل المسؤولية، عمَّا يجري من حصار وعدوان، لقيادة السلطة (وهي قيادة فتح ومنظمة التحرير)، إلى حد اتِّهامها بالتغطية على العدوان الهمجي، وثمة من اتهمها بالتواطؤ فيه.
ربما أن قياديي حماس، بتصريحاتهم هذه باتوا يدركون المأزق الذي وقعت حركتهم فيه بسيطرتها الأحادية والاقصائية، وبوسائل القوة على القطاع (حزيران/يونيو2007)، ويتوخّون التورية على هذه الخطوة التي لم تكن محسوبة، ولم تدرس تداعياتها، على هذه الحركة المعارضة لاتفاقات اوسلو، التي قام بموجبها الكيان الفلسطيني، وعلى وضعية القطاع الذي يفتقر للموارد الأساسية، وعلى أحوال الشعب الفلسطيني، حيث حوالي 70 ألف من الموظفين في أجهزة السلطة المدنية والعسكرية، يتقاضون رواتبهم من الدول المانحة.

ويبدو الخطاب الحماسي في كل ذلك مفعماً بالسذاجة، إلا إذا كان المقصود به اللعب على العواطف، والتحريض على السلطة لأغراض ضيقة، والتعمية على مسؤولية حماس عمَّا يجري للقطاع بسكانه المليون ونصف المليون.

وفي هذا الإطار أسئلة كثيرة ومشروعة يمكن توجيهها لقيادة حركة حماس.
فمثلاً، ما هو الرد الذي كانت تتوقعه على عمليات القصف الصاروخي من القطاع على سديروت وجوارها، خصوصاً أن هذه الصواريخ تطلق بأغلبيتها من مناطق مأهولة في القطاع؟
وهل كانت هذه القيادة تتوقع من إسرائيل، المدججة بالسلاح، والمعروفة بوحشيتها وانتهاكها كل القواعد والأعراف الدولية، أن تسكت عن ذلك؟
وإذا كانت قيادة حماس تدرك ذلك، فهل درست قدرتها على الردّ؟ وهل أجرت عملية حسابية بالكلفة والمردود لعمليات إطلاق الصواريخ؟

وإذا تجاوزنا هذه الأسئلة إلى الاعتراف بمشروعية مقاومة الاحتلال، فهل باتت المقاومة تقتصر على عمليات إطلاق صواريخ أو على تنفيذ عمليات تفجيرية؟
وأين دور الشعب في المقاومة إذن؟
وما الذي حصل لمفهوم المقاومة الشعبية؟
ثم متى كانت المقاومة محصورة بشكل بعينه، وبمعزل عن الزمان والمكان والإمكانيات وحسابات الربح والخسارة /البشرية والمادية والسياسية والمعنوية؟

واضح أن قيادة حركة حماس لا تلقي بالاً لهذه التساؤلات، التي هي على غاية في الأهمية في تجارب حركات التحرر الوطني، بسبب تمجيدها الخطاب العاطفي، وإقحامها الديني في شأن دنيوي، وتقديسها الموت على حساب الحياة، باعتباره فعل شهادة، بغض النظر عن الجدوى في الصراع الجاري على الوطن.

اللافت أن خطابات حماس بشأن الرد على العدوان لم تخرج عن المعهود؛ فإسرائيل ستعتدي بهذه الذريعة أو تلك، وهذا صحيح، لكن صحيح أيضاً أن هذا العدوان (والاحتلال بحد ذاته عدوان) ما كان ليبلغ تلك الدرجة من الاستباحة لأرواح البشر والممتلكات، لولا سلوك حماس طريق التوتير العالي، ذلك أن انفلاش قواعد الصراع يقع على عاتق الطرفين، طالما ان ثمة حرباً مفتوحة، فكل طرف يستدرج الطرف الآخر لمزيد من الدماء والدمار المتبادل، وبشكل أعمى.

ودليل ذلك أن تجربة الانتفاضة الأولى (1987ـ 1993)، التي عرفت بانتفاضة الحجارة، والتي تجنّبت استدراج إسرائيل لمواجهات مسلحة، خلقت أزمة في المجتمع الإسرائيلي، وجلبت تعاطفاً دولياً كبيراً مع الشعب الفلسطيني، ما كبح من قدرة إسرائيل على مواجهتها بأقصى قدر من العنف، وحيّد قوتها الغاشمة، وفي تلك السنوات لقي 1600 فلسطيني مصرعهم.
وفي المقابل لقي أكثر من 5500 فلسطيني مصرعهم منذ أواخر عام 2000 حتى أواخر عام 2007، بسبب زيادة جرعة العنف المتبادل، وتوحّد الإسرائيليين حول قيادتهم، وإثارة شبهة الإرهاب حول المقاومة المسلحة، بسبب تفشي نمط العمليات التفجيرية، التي تستهدف المدنيين في مناطق 1948، وتستدعي ردة فعل إسرائيلية قاسية.

ودليل ذلك أيضاً أن عدد الفلسطينيين الذين يقتلون في قطاع غزة أكثر بكثير من ضحايا العدوان والحصار الإسرائيليين في الضفة، من دون أن يعني ذلك أن الحركة الوطنية في الضفة تخلت عن المقاومة، كما ربما يحلو للبعض أن يحلِّل.

والواقع فإن النزيف الذي تعرض له الفلسطينيون، طوال المرحلة الماضية، بسبب الوحشية الإسرائيلية، وأيضاً وبالذات بسبب تفريطهم بطاقتهم النضالية، من دون حساب، بات يفرض إيجاد نوع من التهدئة، فليس ثمة مقاومة مسلحة أو غير مسلحة إلى الأبد، وثمة مراحل تعمد فيها حركات التحرر للتحول نحو التهدئة، لالتقاط الأنفاس، وبناء الذات، وأيضا لمراجعة الاستراتيجيات والسياسات.

أيضا ينحو خطاب حماس نحو استدعاء العمق العربي والإسلامي، ما يطرح التساؤل عن صوابية استراتيجيتها في المقاومة المسلحة، وهي مراهنة في غير محلها ـ للأسف ـ لأن الشارع العربي والإسلامي في وارد هموم أخرى كبيرة وخطيرة، وهو شارع خارج السياسة، أو أخرج منها، وهذا الشارع الذي لا يخرج للانتصار للقمة عيشه وحريته وكرامته، من الصعب عليه أن يخرج لمناصرة غيره، وحتى إن خرج بعض منه، فإن هذا لا يعني شيئاً، على أهميته المعنوية.

من جهة أخرى فإن خطاب حماس يتضمن حديثاً عن أن صواريخها خلقت نوعاً من "توازن الرعب"، وهذا صحيح ولكن بشكل محدود جداً.
فهذا التوازن يطال بضعة عشرات ألوف الإسرائيليين في البلدان المحاذية لقطاع غزة، ولكنه لا يطال إسرائيل كلها.
وبحسب الإحصائيات فمقابل مصرع حوالي 400 من فلسطيني لقي 11 إسرائيلياً فقط مصرعهم العام الماضي؛ ما يؤشر لتراجع كبير في قدرة عمليات المقاومة، بسبب الاستنزاف والإرهاق الشديد الذي تعرضت له.

والمشكلة أن توازن الرعب الذي جلبته الصواريخ الحماسية أدى إلى إطلاق الجنون الإسرائيلي من عقاله؛ فبينما قتلت ألوف القذائف الصاروخية التي أطلقتها حماس بضعة إسرائيليين، وخرّبت بعض المنازل، فإن صواريخ إسرائيل قتلت المئات من الفلسطينيين في القطاع، وأدت إلى تدمير عشرات البيوت والممتلكات، واحتجزت مليوناً ونصف مليون فلسطيني في سجن كبير اسمه قطاع غزة.

الآن وبعد أن ثبت عدم فاعلية التعويل على العمق العربي والإسلامي (الشعبي لأن الرسمي مبتوت به)، وبعد أن تبين عدم قدرة حماس العسكرية على تأمين الرد المناسب على عدوان إسرائيل وهمجيتها، انتقل خطاب حماس إلى الخندق الأخير أي إلى الحتمية التاريخية، أو الحتمية الربانية (بمصطلحات حماس) حيث أن إسرائيل إلى زوال حتماً، بقدرة رب العالمين، لكن لا يهمُّ كيف ولا متى!؟

بدورها فإن قيادة السلطة (وهي قيادة فتح والمنظمة) لم تبد رقياً بخطاباتها إلى اللحظة المأساوية الخطيرة الحاصلة، فهي ألقت اللوم والمسؤولية عما يجري على عاتق حماس، وإن أدانت العدوان الإسرائيلي، وكان الأحرى بقيادة السلطة تجنّب ما يمكن أن يؤذي الشعب الفلسطيني، ويضعف صدقية قضيته، وينكأ جراحه.
فحديث الرئيس أبو مازن عن وجود "القاعدة" في القطاع، مثلاً، ليس له معنى، لأن إسرائيل ترى في حماس بحد ذاتها خطراً عليها، ثم إن القاعدة لم يعرف عنها اهتمام باستهداف إسرائيل.
أيضا فإن الحديث عن أن صواريخ حماس تتحمل مسؤولية عما يجري ـ وإن كان صحيحاً إلى حد ما ـ لا يفي بالحقيقة وحده.

وفي الواقع فإن قيادة السلطة معنية بالتوضيح لشعبها وللعالم كيف أن إسرائيل لا تستجيب لاستحقاقات التسوية منذ العام 1993، برغم كل التنازلات السياسية الفلسطينية، بحماس وبدونها.

ثم إن هذه السلطة معنية بالبحث عن مخارج أخرى للاستعصاء السياسي الحاصل، ربما بحل السلطة، وفتح الخيارات السياسية على مصراعيها، وربما بالإبقاء عليها، ووقف لعبة المفاوضات العبثية.
المهم أن الوضع بات يحتاج إلى خيارات أخرى غير الخيارات المعتمدة سواء من السلطة أو من معارضيها. ماجد كيَّالي