عن اليسار واليمين والوسط!

بقلم: سناء مبارك

لا أطيق الجمعة.. كئيبة وراكدة وخنيقة؛ من زمان..

صدمتُ زوجة ابن خالي ذات مرة بموقفي هذا من يوم الجمعة، وهي السلفية المتشددة التي تخلّت عن حلم الفتيات في لبس الدبلة كي لا تتشبه بالكفار، وعن ستائر بيتها كي لا تعتبر من مزخرفي الجدران المذنبين، وعن التلفزيون والراديو والانترنت وغيرها من المُلهيات المُميتة للقلب.. لا أعرف كيف ولكن ظلّت علاقتي بها جيدة لخير ما كانت هي تتوسمه بي في قديم الأزل، ربما لأن عقلي عند معرفتنا (قبل أن تدهسه أفيال الطب والأدب) كان اسفنجياً بدرجة تجعلني قادرة أن استمع إليها لساعات دون ملل أو مقاطعة وبتراضٍ كاملٍ مع الضمير..

تجهمت "بهاء" للغاية للسوء الذي أصابني فجأة وجعلني لا أحب هذا اليوم المقدس والعظيم وطلبت مني أن أستعيذ بالله من الشيطان واستغفر كثيراً.. لم أعرف طبعاً مادخل الشيطان في هذا التوتر الذي أصاب علاقتي بالجمعة.. لكن لا أخفيكم إثر كلامها أحسست بوخز شديد في ضميري اقتنعت بعده أني يجب أن أحب الجمعة وإلا كنت من الآثمين..

ظللت أتعوذ بالله من الشيطان كل جمعة واستغفر وأقرأ في فضل الجمعة من أمهات الكتب، التهمت كل ما كان يقع في يدي من كتاب ديني رجاء أن أتخلص من لعنة الجمعة التي أصابتني.. ولم يتغير أي شيء.. ظلت الجمعة عندي هي الجمعة: كئيبة وراكدة وخنيقة..

كنت حينها في السنة الأخيرة من المرحلة الإعدادية وكانت والدتي تصاب بالجنون كلما رأتني منكبة على كتاب لم يكتب في واجهته "للصف التاسع"، فقدت الأمل في أن أحافظ على مركزي الأول في المدرسة وقد انصرفت عن المذاكرة إلى كتب "ما منهاش فايدة" أو كما كانت تقول..

لذا كانت آخر المعاول التي قررت أن أستخدمها لأهدم صنم الكراهية هذا،أن استمع لخطب الجمعة التي لم أكن أكترث بها قبلاً وأتعامل معها على أنها روتين وبروتوكول ديني لا طائل منه..

لا أستطيع إلى اليوم أن استوعب كم الترهيب والفزع والعويل والتهديد وكلمات العقاب والنار والجحيم التي سمعتها -و لازلت - على مدى كل خطب الجمعة.. استمعتُ للغة بائسة تحتقر قيمة الفضائل وتحولها إلى رشوة لدخول الجنة أو الخروج من النار، لغة تفتقر إلى أدنى معايير المخاطبة والإقناع..

مرت الأيام وصادف أن قرأت عن ظاهرة "بافلوفيان" الروسي الذي كان يدق الجرس عندما يطعم كلبه، وأكتشف أنه كلما دق الجرس يتهيأ كلبه للأكل ويسيل لعابه؛ خلص بعدها أن اننا كبشر يرتبط أي ظرف عندنا بما يكون مخزناً في ذاكرتنا من مشاعر تجاه هذا الظرف، كأن نشتم رائحة معينة فنتذكر شخصاً معيناً، أو نسمع موسيقى معينة فنتذكر مكاناً معيناً وهكذا..

المهم في كل هذا أنني تأكدت بعدها أنه لا خطب أبداً في الجمعة "اليوم" ولكنه اللاوعي الذي شحن لذلك الإرهاب الفكري في رأسي واقعاً رفضياً مساوٍ له في المقدار ومعاكس له في الإتجاه.. وهكذا هو الحال في كل شيء في الحياة.. حتى السياسة!

أعتقد أنه بإمكاني الآن أن أسقط قصتي الحزينة أعلاه على حال الشعوب العربية التي تقتتل اليوم ما بين يسار ويمين، تقف عند الحواف الجارحة وتترك الوسط منطقة خالية مع أنها الأوسع والآمن.. ما بين الإسلاميين والليبراليين وما بين مسميات الربيع العربي والإسلامي افتقرنا تماماً إلى خلطة التقبّل ومبدأ التجرّد من الذات لصالح المنطق والعدل..

شعوبنا أصبحت إسفنجية تماماً كرأسي القديم، تعتقد أنه من الخيانة للدين أن يصوّت أحدهم لليبرالي أو علماني بغض النظر عن كفاءته ومقوماته البشرية، وأنه من الإجحاد في حق الحرية والانفتاح أن يصوّت أحد لإسلامي بغض النظر أيضاً عن إمكانياته واستعداده.. تماماً كما كنت أعتقد أنه من الخيانة للدين أن أكره يوم الجمعة حتى بدون أن أعرف الأسباب..

ما أريد أن أقوله.. لا خطب أبداً في الدين كدين، ولا خطب أبداً في الليبرالية كليبرالية كما لا خطب أبداً في الجمعة كجمعة، إلا لأن بعض الأشخاص حوّلوها في وعينا إلى ذاكرة مخيفة وإرهاب فكري نتصدى له دون أي إدراك أو فهم..

كنا نتحدث أنا وصديق البارحة عن الموسم الجديد لـ America's got talent ، برنامج المواهب العالمي الشهير، كان صديقي مبهور تماماً بالمحكّم البريطاني بيرس مورجان.. مع أنه أحد أقسى المحكمين في كل البرامج المشابهة.. وذكر لي أن أحد المتسابقين خصص فقرته بالكامل ليقول نكتاً بذيئةً وسيئةً في حق مورجان، ولكن الرجل أجازه لأنه بالفعل كان مرحاً ومضحكاً قال له: أنت أسأت لي ولكنك حقاً مضحك.. هكذا بكل روح رياضية.

ليست الشعوب وحدها من تتحمّل مسئولية ضياع القيمة الإنسانية للتسامي والتقبّل، أصحاب مراكز القوى والتأثير هم أيضاً السبب الأساسي الآخر في ذلك، عندما لا تعتقد وأنت شخص في مركز تأثير أن من مسئوليتك أن تصل إلى الآخر الذي لا يؤيدك تماماً كالمؤيد لك فأنت بالطبع تضع مجتمعاً بالكامل في شرانق فكرية وتختلق عصبيات حتى دون أن تشعر بذلك..

عندما يطلع علينا رجالات السلف والإخوان في مصر مثلاً بفتاوى تُحرّم التصويت للعلمانيين والليبراليين، وعندما يطلع علينا الليبراليين واليساريين بتقليعات تخدش الوجدان الديني لدى شعوب متدينة؛ فلنتأكد تماماً أن كرهاً دفيناً وغير مبرر سيتكون وسيتم تصديره لأجيال أخرى باللاوعي.. وسنظل ندور في دوائر مفرغة إلا من مشاحنات ومناكفات ووجع دماغ..و أن أمة الوسط ستظل واقفة عند الحواف.. حتى إشعار آخر..

سناء مبارك

Sana_mobarak@hotmail.com