عن الوعي السياسي الجديد في مصر

يقود الجهل بالقانون الى سلسلة من الحلقات المفرغة تشكل كل واحدة منها كارثة، مثل التخلف العلمي والاقتصادي والاجتماعي والصحي وغيرها. ومن المعلوم أن الشعوب الفقيرة في غالبيتها ليست فقيرة في مواردها، وإنما هي فقيرة أو معدمة في استغلال هذه الموارد، ولعل هذا ما يدفعني إلي التأكيد علي أننا نحن المصريين وليس غيرنا، الذين نصنع مستقبلنا، فقد شاركنا في صناعته أولا، عبر التصويت على الدستور كعقد اجتماعي يحكم العلاقات بين الحاكم والمحكومين، وثانيا، عندما اخترنا بارادتنا الحرة الرئيس عبدالفتاح السيسي الذي جرى تنصيبه بالأمس في احتفالات رسمية وشعبية لم يسبق لها مثيل. وبالتالي فإن المستقبل الذي نريده ليس في يد الرئيس الملهم الذي كان فيما مضى يفكر ويفصل ويقرر بدلا عنا، ويفعل ما يريد ويدعنا نقول ما نريد، حيث كان الرئيس"الفرعون" فيما سبق هو وفريقه ووزراؤه يقررون نيابة عنا (أو لنا) لا فرق، ولا يسمع بالتأكيد، نبض الشارع، ولا يقرأ الصحف، ولا حتى تقارير الأجهزة الأمنية التي كانت تكتب له عن دبة النملة.

علي هذا النحو، أتصور أنه لم يعد هناك مجال للمزايدات الرخيصة أو للمواقف السياسية الملتوية، والمشاحنات الإعلامية التي تخلط الأمور، لأنه عندما يطالب الناس بإتمام خارطة المستقبل واستكمال بناء مؤسسات الدولة الدستورية فهم يطالبون بإنهاء الوضع الانتقالي بكل اشكاله، وانتخاب مجلس للنواب ليكون ممثلا حقيقيا للشعب، ووضع استراتيجية وطنية شاملة يشارك فيها الكل، بعيداً عن التسلط والاستبداد، لأن هذا يعني انتصارا للثورة والوطن، بحيث تصبح الدولة ومؤسساتها خالية من الفساد والمحسوبية في الوظائف العليا، والعاملون فيها يكونون أكثر تدريبا وتأهيلاً وتطوراً، وارتباطا بأحدث المفاهيم في التعامل مع العالم، وفهم طبيعة المرحلة الراهنة، ومقتضيات العبور إلى المستقبل.

لهذا أتمنى أن يقوم الرئيس عبدالفتاح السيسي بدوره كقائد للشعب، وأن يحترم ارادته ويسمع انتقاداته، ويعمل على لم الشمل، وليس فقط تشكيل حكومة لإدارة الأزمة الراهنة، ومن دون أن يشوه صورة ثورتنا وتضحياتنا، الصورة التي وصل إليها باعتباره رئيساً لكل المصريين وقائدا لوطن وأمة هي أقدم أمم التاريخ، بأن يسمع الناس ويحترم ارادتهم.

ونظرة سريعة على أداء الحكومة الحالية ورؤيتها، أو بالأحرى طريقة معالجتها للمشكلات والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وذلك من أجل منع تكرارها مستقبلا، سوف نجد أن حكومة محلب تجيد فنون الهروب من الأزمة بخلق أزمات جديدة تعمق المشكلات الحالية، وربما تفاقمها، خصوصا وأن الكل فيها مشغول بالتوزير، وحساب خطوات القرب أو البعد عن الرئيس بطريقة بهلوانية، لكن في كل الأحوال يجب ألا نعالج الخطأ بخطيئة.

ولا يحتاج المرء إلى كثير من الذكاء ليعلم بأن المهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة، ويستحيل أن ينجزها الرئيس وحده، لأننا امام تحديات جسام ومشكلات متراكمة من عهود سابقة، تفرض كل يوم وقائع جديدة على الأرض، وكما أكدت في البداية فإن مستقبل مصر يحتاج إلى كل القوى والى كل المنابر، وآلية للتواصل بين الناس وصناع القرار، بحيث لا نعود مجددا إلى فخ "سبوهم يتسلوا" والأبواب المغلقة، أو نستسهل سياسة التسويف، فنبقي الوصاية على الشعب ونزور إرادته وكأنه قاصر، وهذه ستكون وصمة عار تلاحقنا.

والواقع أن حالنا لا يسر صديقا ولا يغيظ عدوا، فقد أبتلينا بالفساد المالي، والاخلاقي، وانتشار الأمية، والبطالة، والاعتماد على الخارج حتى في رغيف الخبز، والدواء. وتجلت تداعيات هذا الوضع المتردي في تفشي ظواهر التخلف، والجهل، والمرض، حيث تباطأ النمو الاقتصادي، واشتد الفقر، وتفشت الأمية في أوساط الملايين، وانتشرت البطالة بين الشباب، وسادت الخرافة والأساطير في تفسير ظواهر الحياة الطبيعية منها والاجتماعية، مما عطل تفجير طاقات الأمة الكامنة منها والمرئية، بغياب التنمية المستدامة والشاملة في مصر، الأمر الذي نتج عنه تخلف، في كل جوانب الحياة، العلمية منها، والتقنية، والاقتصادية، والصناعية، والاجتماعية على حد سواء، كما تخلفت أساليب الإدارة، ونظم الحكم، بطريقة عمقت التبعية السياسية، والاقتصادية، والتكنولوجية، وقيدت حرية الإرادة المصرية إلى حد بعيد، في وقت تتسارع فيه إيقاعات التطور في الغرب والشرق، وبعض أقطار العالم الثالث، بصور متعددة، مما فاقم فجوة التطور بيننا وبين الدول الصناعية بشكل لافت للنظر، وأنتج بالمحصلة سلوكا تابعا للغرب الاستعماري، تجسد بظاهرة انبهار فارغة بمدنيته المادية، وتصاغر متقزم، أمام ثقافته البراجماتية، القائمة على المنفعة، والكسب المادي، وتعظيم الأرباح، وتحقيق الرفاهية الزائفة. ويتضح هذا بشكل واسع في تبني الكثير من مظاهر مدنيته المعاصرة كانماط سلوك عملي في حياتنا اليومية، في براجماتية مقززة للغاية، قادت الى ضياع الكثير من قيم وتقاليد الأمة المصرية الراسخة.

لذلك يبقى السؤال: كيف يمكن أن نحافظ على الأمن والاستقرار وأن نوفر الحرية والعيش الكريم للناس في ظل الفقر والبطالة؟ كيف يمكن أن نتحرر من لعنة صناعة الفرعون وغياب الشفافية والمحاسبة، ونحن بين فكي فلول الوطني والإخوان؟

طبعا لا يمكننا أن نتحرر من كل ذلك، إلا إذا تجاوزنا لعنات الماضي التي كانت تديرها مافيا الفساد بدلا من إنهائها بشكل جذري وحقيقي، وعدنا إلى التخاطب بلغة العقل والحوار بين الكل، وروح التوافق، من دون أن نسمح لأحد بالوصاية علينا.

أعتقد أننا نستطيع القفز إلى الأمام بخطوات ثابتة، إذا ادركنا أن المستقبل، مستقبل هذه البلاد مرهون بتضافر كل الجهود والطاقات، ومن كافة الاتجاهات والتيارات دون إقصاء أو تهميش.