عن الهراوات في غزة والخليل

المشروع الوطني الفلسطيني التحرري في دوامة وعاصفة هوجاء.. والشعب الفلسطيني الصامد الصابر المكوي بنار الاحتلال، مصاب بالذهول والدهشة، على ما آلت إليه أوضاعه الداخلية.. التي وصلت حدا من التدهور لم يسبق له مثيل.. فلم يكن يدر بخلد أي فلسطيني ان يشاهد تلك الهراوات اللعينة، وهي تنهال على رؤوس فلسطينيين ذنبهم أنهم مارسوا حقهم البسيط بالتعبير عن رأيهم، وقرروا الصلاة حيث يشاءون.. وعلى أيدي من؟ على أيدي فلسطينيين آخرين-- من المؤكد أنهم عبئوا وحرضوا من فبل قادتهم السياسيين ومصدري فتاواهم.. ليمارسوا هذه الوحشية والقسوة.. على أيدي عناصر القوة التنفيذية التي شكلتها حركة حماس..
كل فلسطيني حر شريف.. حزين لما جرى ويجري.. والذي يزيد الألم والحزن ان عصا المحتل لم ترفع عن ظهر الشعب بعد.. وجرائمه مازالت تزداد وتستعر.. حيث يقوم المحتلون بتنفيذ واستكمال تنفيذ مخططاتهم الهادفة لابتلاع ما تبقى من الأرض الفلسطينية.. وتتسارع وتيرة الاستيطان والمصادرات، وتتواصل عملية بناء جدار الضم والعزل العنصري، ليبتلع خلفه أكثر من نصف الأرض المخصصة لإقامة الدولة الفلسطينية المنشودة.. لكن ألم الشعب على أحداث غزة لم يطغى أبدا على الانجاز النضالي الكبير، الذي حققته جماهير شعبنا في كفاحها الشعبي الضاري ضد الجدار الملعون-- في قرية بلعين الباسلة-- بفضل الإصرار والمثابرة والتضامن الشعبي والتحدي، وبالتعاون مع الأصدقاء المتطوعين الأجانب..
ومع إدانة ممارسات القوة التنفيذية في غزة، ومجمل خطوة الحسم العسكري التي أقدمت عليها حركة حماس.. فان الموقف المبدئي والموضوعية تتطلب من كل حر شريف إدانة كل عمل به مساس بحقوق الإنسان وبحرياته وبقواعد الحياة الديمقراطية-- على أيدي أية جهة كانت.. وعلى ذلك لابد من إدانة ما قامت به أجهزة السلطة الفلسطينية الأمنية يوم الأحد 9/9/2007 في مدينة خليل الرحمن.. عندما قمعت تلك الأجهزة وبالهراوات والصفعات والركلات أجساد الطلبة، ومعهم الصحفيين الذين جاؤوا لتغطية اعتصامهم-- الذي قرروا الاحتجاج من خلاله على رفع الأقساط الجامعية-- وذلك أمام جامعة الخليل.. والإدانة هنا تنبع من الحرص على نظامنا السياسي الفلسطيني الذي نود العيش في ظله والذي نحرص ان لا يكون نظاما بوليسيا قمعيا.. والنداء الذي يجب ان يوجه للرئيس أبو مازن ولرئيس وزرائه وللإخوة في حركة فتح-- بعد حادثة الخليل-- هو أنه لابد من صون الحريات والقانون في مناطق السلطة الفلسطينية.. ولا يمكن للشعب ان يقبل أو يتعايش مع نظام لا يحترم كرامة وإنسانية شعبه.. ولابد في نفس الوقت من الإسراع في ببناء نموذج لنظام سياسي-- يمكن من خلاله كشف سوء وظلامية النظام الذي يؤسس لبنائه في قطاع غزة-- هذا مع الأمل بان لا يطول ليل غزة.. ومع الدعوة للإسراع في حشد كل الجهود والطاقات من اجل حل الخلاف الداخلي الفلسطيني بالشروع في حوار وطني تمهد له ولابد ان تمهد له حركة حماس بتراجعها عن نتائج الحسم العسكري الذي قامت به حركة حماس..
قد يكون لون الهراوات في غزة اخضر ولونها في الخليل اصفر.. لكنها جميعا في واقع الأمر هراوات تدمي الجسد.. وهي تنهال على إنسان فلسطيني (كائن من كان).. إنها جميعها هراوات آثمة، وما حامليها إلا مضللون ينفذون أوامر قادة أعمت بصيرتهم الكراهية والحقد.. قادة لم يقرؤوا دروس التاريخ بتأني وبتعمق، حتى يفهموا ان جلود الشعوب كانت دائما أقوى من الجلادين، وإنها وعلى مر العصور كانت هي المنتصرة على الهراوات.. واقرب مثال-- على حاملي الهراوات ان يقرؤوه-- هو تجربة شعبنا واستمرار صموده، وتحديه ليس لهراوات المحتلين فحسب.. بل ولأحدث أسلحتهم النارية الفتاكة..
وكي لا تستوطن الهراوة في بلادنا كما تستوطن في الكثير من البلدان الأخرى.. لابد من الإسراع في حل الخلاف الداخلي الفلسطيني، بما يؤسس لنظام فلسطيني ديمقراطي حقيقي.. لان حل الخلاف اليوم أصبح ضرورة ما بعدها ضرورة.. كون المستقبل السياسي القريب يحمل لنا مخاطر كبيرة، لا يمكن لنا ان نواجهها إلا موحدين، وبخطاب سياسي واحد واضح.. فاللقاء المزمع عقده في واشنطن في الشهور القريبة، والذي تعد له الولايات المتحدة وإسرائيل.. باستغلال حالة الضعف والانقسام الفلسطيني.. كي تفرضا على القيادة الفلسطينية اتفاقية إطار جديدة.. سقفها أدنى بكثير من سقف اوسلو، وتلقي إلى المجهول بثوابت وطنية أساسية.. كحق العودة للاجئين.. الأمر الذي يفترض بكل الوطنيين المخلصين لقضية التحرر توجيه نداء واضح للرئيس أبو مازن يقول له.. كفانا حلول جزئية.. كفانا حلول مرحلية.. ولنصر على ان أي مفاوضات يجب ان تتركز بالأساس على إنهاء الاحتلال مرة واحدة والى الأبد.. بتناول قضايا الوضع النهائي مباشرة. خالد منصور
مخيم الفارعة