عن المصالحة الوطنية والمقاومة العراقية

لقد بات ما تتعرض له البلاد من مخاطر تهدد وحدتها ومستقبلها يتطلب اتخاذ اجراءات سريعة وحاسمة قبل فوات الاوان، ويأتي في مقدمة هذه الاجراءات مسالة المصالحة الوطنية الاكثر اهمية في مشروع الاستقرار والامن ليس في العراق وحده بل على مستوى المنطقتين العربية والاقليمية والعالم، هذه المصالحة مازالت المبادرات والتصريحات بشانها تتوالى من اكثر من طرف محلي وعربي واقليمي ودولي سواء من داخل الحكومات العراقية المتعاقبة او من قبل سياسيين وعلماء دين وشخصيات وطنية ورؤساء عشائر ووجهاء من مختلف اطياف الشعب العراقي، لوقف نزيف الدم العراقي وليس اخر هذه المبادرات مشروع الحوار الوطني والمصالحة الذي اعلنه رئيس الوزراء نوري المالكي فلقد سبقته واعقبته مبادرات من جهات عديدة من داخل العراق وخارجه، ومن هذه المبادرات مؤتمر الوفاق الوطني الذي اعلنته الجامعة العربية الذي سيعقد في شهر اب/اغسطس وسيحضره بالاضافة الى ممثلي الاطياف والقوى السياسية العراقية،عدد من الشخصيات العالمية ومن بينهم وزراء خارجية اسبانيا وايطاليا واندونيسيا ومن دول اخرى وذلك لدعم المفاوضات واضفاء اجواء حوار ودي. وكذلك مبادرة
السلام التي اعلنتها الامم المتحدة ومبادرة رئيس مجلس النواب العراقي على مستوى رجال وعلماء الدين.. الى غيرها من المبادرات والجهود التي تصب جميعها في قناة واحدة هي انهاء الازمة الخطيرة التي تعاني منها البلاد في الوقت الحاضر.
ان الذي دفعنا للحديث مرة اخرى عن موضوع المصالحة الوطنية في العراق هو استمرار تدهور الوضع الامني والسياسي والاقتصادي دون وجود ضوء في نهاية النفق هذا بالترافق مع استمرار الدور الذي تلعبه قوات الاحتلال وتأثيراتها على الساحة العراقية في ظل نزيف دموي يذهب ضحيته يوميا مئات القتلى والاف الجرحى ناهيك عن الخسائر المادية في الممتلكات الخاصة والعامة واستمرار تدمير البنى التحتية في البلاد على مرأى ومسمع من هذه القوات والسلطات الحكومية دون وضع حد لهذه المأساة الدموية والاقتصادية والتي لم يشهد العالم مثيلا لها وكأن الكل راض بما يحصل. ولو عدنا قليلا الى الوراء ولما حصل بعد احتلال العراق لوجدنا ان المندمجين بالعملية السياسية الامريكية ممن يسيطرون على المشهد السياسي منذ العام 2003 بالغاء الدولة ووزارتها واجهزتها المدنية والعسكرية والامنية ومن ثم تدمير مختلف المؤسسات العراقية الاخرى ونهب ثروات وموجودات العراق المالية والاقتصادية والحضارية وغيرها، كما لم يكتفوا بالسيطرة على المشهد السياسي الرسمي باساليب وطرق ملتوية وبتغطية واسناد مباشر من قوات الاحتلال الامريكي وتحت مظلة ديمقراطيتهم الزائفة التي اشبعت الشعب العراقي ظلما وجوعا وفقرا وفقدانا للامن واثارة لكل الغرائز المتوحشة الكامنة في دواخل النفس البشرية وشحنا متواصلا لغريزة الانتقام والانقسام والتقاتل بين مكونات الشعب الاجتماعية والدينية والقومية بل راحوا يجولون في مختلف الزوايا المعتمة في حياة هذا المجتمع، بحثا عن كل من يمكنهم استغلاله وتحريكه باتجاه يخدم اهدافهم واهداف قوات الاحتلال الامريكي لبلدنا العراق العزيز.
فلاول مرة نشهد تشريع دستور دائم لبلد محتل من قوات اجنبية، كما نشهد اصدار قوانين ذات طبيعة دائمية وهو ما يتناقض تماما مع القانون الدولي وقرارات مجلس الامن واتفاقيات جنيف ذات الصلة..
ولقد ترتب على ذلك اعتماد نظام المحاصصة الطائفية والحزبية والعرقية كمدخل لتقسيم البلاد ودفع الشعب الى هاوية الحرب الاهلية القائمة حاليا وعلى اشدها.
ولم يكتف هؤلاء بتنصيب انفسهم زعماء وقادة لهذه الدولة المسكينة التي تأسست على ايدي قوات الاحتلال، وما ترتب على ذلك من فساد اداري ومالي وسرقات بمبالغ لا تصدق ونهب لثروات العراق النفطية وتقاسمها بين مافيات شرسة تمت بين احضان هذا النظام، ولكنهم زحفوا باتجاه تزوير وتشويه مكونات الشعب العراقي الاجتماعية والعلاقات العشائرية والدينية والمذهبية وحولوا هذا الشعب العريق في حضارته وثقافته وعلاقاته الممتدة في اعماق التاريخ الانساني الى عشائر وقبائل وطوائف وقوميات متناحرة ومتصارعة وكل يخشى هيمنة وسيطرة الاخر على مقدرات البلاد، الامر الذي استوجب التقيد بالدستور الطائفي، الذي وضعوه من اجل ايصال الحالة العراقية الى هذا المستوى الخطير من التشظي والتفكك والقتل حتى على الهوية. ولم يحسب المحتلون ومن معهم ومؤيدهم ان هذا الشعب العريق لم ولن يقبل هذه التقسيمات المفتعلة ولا يمكن لاحد كائنا من كان ان يفرضها عليه واوهموا انفسهم بانهم قادرون على التربع على عرش السلطة بامن وسلام بالسهولة التي تقاسموا فيها القصور والمكاتب والعمارات الفارهة دون وجه حق فيما بينهم على وفق هذه الاسس والمفاهيم الوهمية المرفوضة من شعبنا العراقي المجاهد.
ومرت الايام معهم حبلى بكل ما هو مفاجئ ومثير لاعصابهم فجاءت المقاومة الوطنية البطلة لتجسد الصدمة الاولى لقوات الاحتلال حيث ارقت لياليهم واربكت مخططاتهم وعطلت مشروعهم المشبوه تجاه العراق.
ومع تصاعد عمل المقاومة ضد الاحتلال ابتدأت دوامة تصاعد المشاكل تنفجر في وجوههم الواحدة تلو الاخرى مقابل فضائح الفساد الاداري والمالي ممثلة بسرقة مئات الملايين من الدولارات وتهريب كميات كبيرة من النفط وفرض نظام العمولات على كل ما يدخل او يخرج من العراق من بضاعة مشتراة او مباعة.
وفي الوقت الذي ادركت الادارة الامريكية ازمة موقفها ووجودها ووجود حلفائها على ارض العراق وعلمت جيدا عمق مازقها السياسي والعسكري فان عمليتها السياسية ومحطاتها المتوالية وعناوينها المختلفة، دخلت في اطار البدائل والخيارات التكتيكية والتي اسست لها ان تخدم استراتيجية مجموعة الحرب في ضمان التحكم عسكريا وسياسيا بمفاتيح الوضع العراقي واعادة انتشار قواتها في قواعد ثابتة وعودة الجزء الاخر الى مواقعها او الى القواعد المحيطة في بلدان الجوار.
ووفقا لهذه الاعتبارات ارتأت القوى السياسية الحاكمة طرح برامج لمهمات متميزة في تحقيق الاستقرار والامن وتطوير الحالة الاقتصادية وإضفاء هالة القوة عليها والشمولية كونها تشمل معظم مكونات الشعب، ومع ذلك فان الواقع الميداني المؤلم لا يلغي حقيقة وجود مأزق سياسي في العراق وان حديث الحوار الوطني والمصالحة يشير الى اتجاه جديد في السياسية الرسمية العراقية في ضوء الاعتبارات المار ذكرها يعبر عن تعقد الاوضاع وصعوبتها ولكنه لا يريد، بل لا يستطيع، ملامسة الاستحقاقات الحقيقية لوجود الاحتلال وتداعياته ونتائجه، كما يلاحظ من بنود المصالحة التي طرحها رئيس الوزراء نوري المالكي كما لا يعترف صراحة بالمقاومة الوطنية التي اشار اليها بالعناصر المسلحة كعنصر مقرر في الوضع العراقي.
والمصالحة الوطنية امر مرغوب ومطلوب من الشعب العراقي، كما اجرينا استطلاعا حول ذلك، وان غالبية الشعب والكتل السياسية تريد هذه المصالحة ولكن هناك بعض التحفظات تجاهها كما عبروا عن ذلك ومنها عدم اشارتها الى وضع جدول زمني لانسحاب القوات المحتلة الى غيرها من الامور التي سنأتي عليها في سياق تحليلنا هذا.
فالحديث عن نجاح مثل هذه المبادرات يتطلب ايجاد قواسم مشتركة تتفق عليها جميع الاطراف السياسية داخل الحكم وخارجه وهذا شرط ضروري وعنصر حيوي للنجاح، لذلك نقول ان المصالحة ليست موضوعا سياسيا للتثقيف الذاتي في الاحزاب والحركات والتنظيمات بقدر ما هي في الواقع حاجة ملحة ومشروع وطني يتعلق بمستقبل العراق وشعبه بما في ذلك العراقيين الذين هم في الحكم او خارجه او الذين حملوا السلاح ولم تلطخ ايديهم بدماء العراقيين والشيء الاخر هو ان اية مصالحة في مثل الحالة العراقية المعقدة والخطيرة لا بد ان تشكل بحد ذاتها نظرية قابلة للتطبيق ولكن قد تأخذ وقتا لازالة الاحتقانات حتى داخل المؤسسة الرسمية والبرلمانية في نفس الوقت تمثل فهما ايجابيا لتفادي متاعب المحاصصة في الاداء الحكومي والبرلماني الى غير ذلك من الامور ذات العلاقة المباشرة بهذا الموضوع ولنجاح مثل هذه المبادرات لا بد من توفر عناصر اساسية ومن ذلك :
1.ان اللجنة العليا للمصالحة الوطنية التي شكلها رئيس الوزراء، وغيرها من الهيئات واللجان والجهات التي ستتولى موضوع المصالحة يجب ان تطل بوضوح وواقعية وجرأة على كل هذا الخضم الهائل المريع من المعاناة العراقية والتناقض والتعقيد وان يختار الجميع طريقا واحدا للحرب هو السلام.
2.ان اية مبادرة يجب ان تستعرض اسباب الازمة وخلفياتها المعروفة والمتمثلة بالغاء الجيش العراقي ومؤسسات الامن القومي (الوطني) كالشرطة والمخابرات الوطنية ووزارات الدفاع والداخلية والاعلام … الخ والتي قادت الى تسريح مئات الالوف من كوادر الدولة المدنية والعسكرية وفتحت ابواب العراق لكل من هب ودب ووفرت الاجواء لتشكيل عصابات القتل والجريمة المنظمة المدعومة من اجهزة مخابرات الدولية والاقليمية.
3.ان تستهدف المبادرة اول ما تستهدف اطفاء نار الفتنة بالقول والفعل مع الاخذ بنظر الاعتبار ان كل انواع القلق والتحسب التي سترافق هذا الجهد الجبار يصبح امرا مشروعا وطبيعيا لكن الحرص والجراة وصدق النوايا والثقة المتبادلة واتخاذ الاجراءات التي تضع حدا لمسببات هذا القلق امور كفيلة بخلق المناخ الملائم لانضاج المبادرة وتمهيد السبيل لنجاحها.
4.ان معظم المحللين والخبراء الاستراتيجيين يتفقون ان العراقيين لا يفقدون عراقيتهم لمجرد انهم اختاروا وسائل تعبير وطنية مختلفة، صحيح ان البعض قد يتصور ان هذا الموقف او ذاك هو خطأ من وجهة نظره لكن المهم ان لا يكون ذلك حاجزا بين اي عراقي وعراقيته مهما كانت الهوية الوطنية لمن يؤديه..
5.اعتماد ثقافة التسامح بكل ما يعنيه هذا المصطلح.
6.يجب ان تأخذ المبادرة بنظر الاعتبار ان العراق يتسع لكل العراقيين ولكل من يقدم اليه باجتهاد ونية وصدق من اجل خلق عناصر تفاهم مشتركة تتيح للجميع المساهمة في بناء الوطن دون شعور بالحيف وبعيدا عن التدخلات الاجنبية والخارجية.
7.ان ما طرحه معظم المسؤولين في الحكومة العراقية والجامعة العربية والاطياف السياسية المختلفة في العراق من ان المبادرة هي ليست مبادرة شخص او طرف معين، بل هي مبادرة كل العراقيين الذين يشتركون في العملية السياسية او خارجها، فهذا امر جيد ويتطلب تهيئة الاجواء لحدوث انفراج سياسي له واقع في الاثر في تسهيل عملية التفاوض وتقريب وجهات النظر وتمهيد الطريق امام مصالحة وطنية بين الكتل السياسية والمقاومة حيث تشير المعلومات المتداولة في وسائل الاعلام الى وجود حوار جدي بين تشكيلات من المقاومة العراقية وبعض كبار المسؤولين في الدولة.
8.هناك نقطة مهمة اخرى اشارت اليها بعض القوى السياسية وهي انه على الرغم من الانفراج السياسي الناجم عن التشكيلة الوزارية الجديدة فان الاوضاع ما زالت خطيرة في البلاد، كما لم يسبق عقد مؤتمر المصالحة والوفاق الوطني او مبادرة المصالحة الوطنية التي اطلقها رئيس الوزراء مناقشة مسائل مهمة ومعقدة تتعلق على سبيل المثال بوضع جدول زمني لانسحاب قوات الاحتلال وتعديل النصوص الدستورية والغاء قانون اجتثاث البعث او اعادة صياغته وقضية حل الميليشيات المسلحة وتوزيع واستغلال الثروات والموارد الوطنية واقرار برنامج سياسي لتحديد معالم السياسة الداخلية والخارجية للعراق وعلاقة السلطة المركزية بادارات المحافظات وتسليح الجيش العراقي واعادة الضباط السابقين الى الخدمة وتوزيع مخصصات اعمار العراق وما يتعلق بتوفير الخدمات الضرورية للسكان والترحيل الديمغرافي … الخ.
وفي ضوء هذه العناصر الكفيلة بنجاح اية مبادرة لا بد من اجراء المزيد من الحوار والمناقشة بين كافة الاطياف السياسية والمقاومة وكذلك اتخاذ المزيد من التدابير الداخلية قبل عقد مؤتمر المصالحة، اذ كما هو معروف فان توصل الاطراف السياسية الى حلول للمشاكل العالقة بإرادة وطنية هو افضل بكثير مما لو جرى حلها في مؤتمر الوفاق او ان تفرض عليهم من الخارج وبهذا الصدد يرى المراقبون ان خطة المصالحة التي عرضها المالكي وتطبيقاتها خاصة الاسراع بحل الميليشيات والمظاهر المسلحة وتشديد الرقابة والاجراءات الامنية على الحدود والتوقيع على مذكرات تفاهم مع دول الجوار لمنع تسلسل المقاتلين وتوريد الاسلحة الى الميليشيات والفصائل المسلحة في العراق يمكن ان تختصر الجهود والوقت على المؤتمرين.
اخيرا ترى اوساط سياسية محلية وعربية واقليمية ان عقد مؤتمر المصالحة الوطنية ينطوي على نتائج ايجابية ترفد الوحدة الوطنية بين المكونات والفصائل العراقية التي يتوقع ان ترسخ دعائم الامن والاستقرار الداخلي والمطلوب لانجاح المصالحة ومؤتمر الوفاق اولا وقبل كل شي هو بناء الثقة بين الفصائل السياسية بما فيها المقاومة الوطنية، وترصينها ووضع المصالحة العراقية العليا فوق المصالح الفئوية والشخصية. عبدالوهاب محمد الجبوري
باحث عراقي