عن الشرعية الثورية والشرعية الانتخابية

بقلم: ماجد كيالي

لعل من سخريات القدر أن تنتقل الساحة الفلسطينية من "الشرعية الثورية" إلى الشرعية التمثيلية، ومن شرعية البندقية إلى الشرعية الانتخابية، مع الانتخابات التشريعية الأولى (1996)، أي تلك التي انبثقت عن قيام سلطة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، بموجب اتفاق أوسلو (1993)!
أما مقولة أن "لا انتخابات في ظل الاحتلال"، فهي لا تفيد شيئا في تعزيز حركة التحرر الوطني، فضلا عن أن الواقع على مرارته يسخر من هذه المقولة، ويكشفها، بل ويتحداها؛ بواقع وجود انتخابات، تحت الاحتلالات (فلسطين والعراق)، حرة ونزيهة أكثر من أماكن أخرى، حيث يوجد استقلالات!
طبعا هذا لا يعني البتة أن الانتخابات التي تجري تحت الاحتلال تخلو من الإكراهات والاختلالات، بشكل مباشر وغيره، كما انها لا تسمه بالفضيلة، فالاحتلال بحد ذاته فعل مصادرة وتغييب للحقوق والإرادات. وبديهي فإن إجراء انتخابات بدون سلطة احتلال أفضل بكثير من إجرائها تحت وطأته، شرط توفّر العوامل المناسبة.
في الحال الفلسطينية فإن العملية الانتخابية هي مرحلة مهمة نحو الكيانية الوطنية، والانتظام الكياني، وتعبر عن إخفاق إسرائيل في محاولاتها امحاء وتغييب الهوية الوطنية والوجود الكياني للشعب الفلسطيني. وطبعا فإن إسرائيل تحاول هنا اللعب في تحديد أو في تحجيم حدود هذه الكيانية وأبعادها، ومع ذلك فإن هذا يفصح عن إعيائها في مواجهة عناد الفلسطينيين وكفاحهم من اجل فرض وجودهم.
أما على صعيدهم الداخلي فإن تحول الفلسطينيين نحو الانتخابات، ولو بدفع خارجي، يشكل تطورا في حركتهم السياسية، ويعبر عن انتقالهم نحو نوع من تنظيم علاقاتهم الداخلية على أسس ديمقراطية، وتمثيلية؛ ودليل ذلك أن حركة حماس، ورغم هيمنتها بالقوة على قطاع غزة، فإنها مازالت تتحدث عن الشرعية الانتخابية.
ولعل صعود "حماس" في الساحة الفلسطينية، من خارج إطار منظمة التحرير، في مقابل "فتح"، وبالقياس لضمور الفصائل الأخرى، مع كل التداعيات السلبية الناجمة عن ذلك، هو ما دفع معظم القوى لتبني فكرة التمثيل النسبي.
ويبدو أن هذه الصيغة تسهم في حفظ التوازنات في النظم السياسية، إذ تسمح بتمثيل كل القوى بحسب أحجامها، وتحد من علاقات الاحتكار والهيمنة فيها.
والمؤسف أن هذين التطورين في النظام الفلسطيني (التمثيل والتمثيل النسبي) لم يحصلا، على الأغلب، بسبب تولد قناعة ذاتية، وبنتيجة تطور في الوعي السياسي للحركة الوطنية الفلسطينية، وإنما بوسيلة الضغط، أولا من خلال اتفاق مع إسرائيل، وثانيا، بنتيجة صعود مكانة "حماس" وتراجع "فتح"، في المجتمع الفلسطيني.
أما قبل ذلك، فكانت الساحة الفلسطينية (طوال ثلاثة عقود سابقة) عاشت على نظام "الشرعية الثورية"، وتابعه نظام المحاصصة ("الكوتا") الفصائلية، الذي صاغته، وفرضته، "فتح"، بهيمنتها على منظمة التحرير (1969)، حيث مكنها، من تحديد تركيبة هذا النظام، وعلاقاته الداخلية، وبالتالي احتكار القرارات السياسية الاستراتيجية (قبل قيام السلطة الوطنية وبعدها)؛ تاركة للفصائل الأخرى، بغض النظر عن أدوارها وأحجامها، أدواراً ثانوية.
وقد بررت "فتح" ذلك بتعذّر قيام نوع من نظام فلسطيني يتأسّس على الشرعية الشعبية والشرعية التمثيلية، ففي حينه لم تكن الفصائل، وضمنها فتح، تتمتع بنفوذ مباشر في التجمعات الفلسطينية (في الأرض المحتلة وفي معظم مناطق اللجوء والشتات باستثناء لبنان)، كما لم يكن بمستطاع هذه الفصائل التوجه نحو نيل الشرعية التمثيلية، لتعذر إمكانية تنظيم انتخابات للفلسطينيين (في الداخل والخارج)؛ إن بسبب اعتبارات، وتدخلات الأنظمة، أو بسبب ضعف الثقافة الديمقراطية (وضمنها ثقافة التداول والانتخاب) في السياسة العربية، (والفلسطينية بالطبع).
وفي الواقع فإن مصطلح "الشرعية الثورية"، في الساحة الفلسطينية، لم يكن له صلة بالكلمة ذاتها (الثورية)، التي تعني، بين معان أخرى، استمرار الحراك الداخلي، وإحداث تغييرات في الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي. فعوضاً عن ذلك، كما بيّنت التجربة، فإن نظام "الشرعية الثورية" ساهم في تكلّس مختلف عناصر النظام الفلسطيني: بهيئاته ومؤسساته وفصائله وقياداته، وخلق نوعاً من الاحتكار للقرار، وأنتج طبقة سياسية معينة، جعلت من نفسها وصية على الشعب الفلسطيني وقضيته (وهذا الوضع ينطبق على السلطة والمعارضة). عدا عن ذلك فإن نظام "الشرعية الثورية" يحجب وقائع، من مثل فرض الوصاية على الشعب، وضعف المشاركة السياسية، والطابع السلطوي للفصائل.
وكما هو معلوم فإن "الشرعية الثورية" تنطلق من الشعارات، وترتكز على المبادرة للمقاومة المسلحة، وهذا ما حصل مع فتح (حينها)، ولكن استمرار الاتكاء على هذا وذاك ما عاد يكفي، مع الزمن، وعلى ضوء التجربة، لذلك فإن هذا النظام يدين كثيرا ببقائه واستمراره إلى عوامل أخرى، منها شبكة الخدمات والإمكانيات المادية لدى الفصائل، وتسيّد البني السلطوية/الميليشياوية في المجتمع، واستمداد علاقات القوة والشرعية من العلاقات مع السلطات القائمة، في الواقع العربي.
وبشكل أكثر تحديدا، فثمة عوامل عديدة ساهمت في تقويض نظام الشرعية الثورية، لعل أهمها يكمن في النواحي التالية:
-1 انتقال مركز الثقل في العمل الفلسطيني إلى داخل الأرض المحتلة، مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الكبرى (1987 - 1993)، وصولاً إلى قيام كيان السلطة الوطنية (1993). فهذا الانتقال جعل للساحة الفلسطينية حيزاً جغرافياً وشعبياً متعيّناً (في الضفة والقطاع)، بالقياس إلى الحالة الهيولية التي كانت سائدة في ظل وجود العمل الفلسطيني في مناطق اللجوء والشتات. وما دعّم ذلك أن الحالة السياسية الفلسطينية في الداخل كانت تختلف في شكلها عن الخارج. ففي الخارج كان الوجود السياسي يرتكز أساساً على الواقع الفصائلي الميليشياوي (المسلح) وعلى جيش المتفرغين، في حين أن المجتمع في الداخل تمكن من التعبير عن ذاته بصورة أكثر نضجاً وملموسية، بحكم ظروفه الخاصة، ولاسيما بسبب تواجده على أرضه وبسبب احتكاكه الصراعي اليومي مع الوجود الاحتلالي الإسرائيلي.
2 - قيام الكيان الفلسطيني في الضفة والقطاع، حيث باتت الحركة الوطنية الفلسطينية تواجه مهمات البناء الاجتماعي والسياسي، بالإضافة إلى مهمات التحرر الوطني ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي. في هذا الإطار لم يعد ممكناً الاستمرار على أساس من الشرعية الثورية، حيث يتعذّر على المجتمع إنفاذ مبدأ المكاشفة والمساءلة والمحاسبة. وفوق كل ذلك فإن الطبقة السياسية الفلسطينية باتت مكشوفة على النقد الجماهيري في مرحلة بناء الكيان، وباتت التساؤلات تطرح بشأن طريقة إدارة البيت الفلسطيني، وبشأن احتكار القرار في الساحة الفلسطينية، لاسيما على خلفية تفاقم المشكلات المتعلقة ببناء الكيان الوليد، ولاسيما على خلفية انتشار علاقات الفساد والمحسوبية وتفشي نفوذ الأجهزة الأمنية. المهم أن قيام الكيان الفلسطيني، الذي تأسس أصلاً على الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وضع القيادة الفلسطينية وجهاً لوجه أمام مجتمع معين، فأخضعها للفحص وللتساؤل.
3 - ظهور حركة حماس كمنافس كبير لحركة فتح، بفضل خطابها الإسلامي الشعبوي، وعمليات المقاومة التي شنتها ضد "إسرائيل"، وإمكانياتها المادية الكبيرة وشبكة الخدمات التي أقامتها، في مقابل حال الترهل التي أصيبت بها فتح، بعد أن باتت بمثابة حزب للسلطة، وبعد أن باتت هذه الحركة تتحمل وحدها المسؤولية عن الإخفاق الحاصل في عملية التسوية وفي بناء الكيان الفلسطيني.
عموما، وبرغم أهمية ما يفعله الفلسطينيون لتطوير حركتهم الوطنية ونظامهم السياسي، فإن مستقبل هذا النظام لا يتحدد، فقط، بما يفعله الفلسطينيون أو ما لا يفعلونه، بقدر ما يتحدد، أيضا، بمستقبل الصراع ضد إسرائيل، وتطورات النظام الإقليمي. ماجد كيالي mkayali@scs-net.org