عن الريادة الرقمية والحقائق الثابتة

بقلم: د. محمد حسين حبيب
من يقفز عن حقائق التاريخ ولماذا؟

ردا على المقالة الموسومة "منهج القفز على الحقائق ..مراجعة لمقال الريادة الرقمية" لـ إحسان التميمي والمنشورة في العدد 1103 في ثقافية المدى بتاريخ 3 كانون اول 2007.
لست هنا بصدد وصف أو تقييم مقالة التميمي التي ارتبكت في التركيز على موضوعها الأصل وهو مناقشة مقالتي الموسومة "الثقافة الرقمية .. في ريادة الإبداع الأدبي الرقمي" التي نشرتها عبر ثقافية المدى أيضا وبتاريخ 11 تشرين الثاني 2007.
ليقفز التميمي فجأة إلى موضوع "المسرح الرقمي" الذي لم اذكره أصلا في مقالتي موضوع المناقشة مبتدءا –أي التميمي- باستخدام أسلوب المرافعات القضائية البعيد عن أسلوب فن المقالة الصحيح ليكيل لي تهمة تجاوزي على ريادة المسرح الرقمي، مستندا في ذلك على ما يسطره بعض مراهقي الانترنت عبر منتديات دردشة بلا طحن سخمت شاشة الانترنت الزرقاء بصفحات سوداء مؤقتة.
ولهذا فاني سأربك مقالتي هذه ايضا مناقشا له في القسم الأول لمقالته قافزا معه ومضيئا له طريق الظلام الذي تورط فيه أو ورطه آخرون فيه وهو ريادة المسرح الرقمي . "أحتاجك...
و ...
تأخذني مدارات الخمرة
لكِ
للوهم الساكن في قلبي
عطرك
ووحدتي المتجذرة
***
دفئك ما أريد
قلبي صقيع
وقلبك مدفأة
وهم آخر
عمري دخان وقلبك محرقة
***
كأسك ...
قلبك ...
وقلبك غمام الخمر
وعرق يذوي بين راحتيك
ع
م
ر
ك
وأنتِ ...
تهوين النبيذ
وقلبي يحب العرق
م
ت
ك
ر
ر
قلبك ... كنصك ..
واحد ..متعدد
وظلالك تطاردك...
أحتاجكِ
لأهرب من ظلالي
اغتالها ظلا فظلا
لألقاني في النهاية
واحدا بلا ظل..."

أضع هذه القصيدة الشعرية الرقمية بين يدي القارئ وادعوه الى فضائها الرقمي وسط رواية
"صقيع" الرقمية للكاتب الروائي محمد سناجله عبر الموقع الالكتروني لاتحاد كتاب الانترنت العرب المعروف. بهدف الوقوف على تكاملية هذه القصيدة الشعرية رقميا بمواصفاتها اللغوية والصوتية والصورية.
وهي نموذج واحد لقصائد أخرى ألفها سناجله وضمنها في روايتين له هما: "شات" و "صقيع".
فلماذا هذا التغافل الذي يروم الظهور به البعض ومنهم احسان التميمي ليسلب الحق الريادي من سناجله في تأسيسه للقصيدة الرقمية بذريعة أن القصائد جاءت تضمينية في نص روائي وليست مستقلة؟!
ومن ثم نسبغ صفة الريادة لشاعر آخر وظف ما وظفه سناجله نفسه في شعره الرقمي بحجة انه كتب قصيدة مستقلة؟
ففي ذلك العجب العجاب .. وحسبي انه تخوف الأنا الذي يحمله هذا البعض للأسف من أن سناجله سيكون صاحب الريادتين الرقميتين في الشعر وفي الرواية .. طيب .. أليس هذا من حقه التاريخي يا من تخافون على المسار التاريخي؟ .. "والتاريخ لا ينسى شيئا" يا أخ إحسان التميمي، أليست هذه جملتك التي ختمت بها منهجك النقدي أو بالأحرى مقالتك؟
أما ما يتعلق بنظريتي عن المسرح الرقمي فأقدم للقارئ الكريم ما مفاده وملخصه .. بحكم تتبعي ومعرفتي التي اثق بها بيقين ثابت اني أول من كتب مقالا عن المسرح الرقمي عربيا طرحت فيه مشروعا مسرحيا عربيا لنظرية مسرحية جديدة اسميتها "نظرية المسرح الرقمي" وهو نفسه عنوان مقالتي التي نشرتها عبر ثقافية صحيفة المدى العراقية في العدد 544 بتاريخ 27 / 11 / 2005.
والتي انطلقت منها مستفيدا ومتأثرا حينها بما طرحته الدكتورة الفاضلة فاطمة البريكي عن مصطلح "المسرحية التفاعلية" وكذلك من منابع ثقافية رقمية أخرى.
وكانت المقالة (مشروع نظريتي) قد تلاقفتها العديد من المواقع الالكترونية الثقافية خاصة ومنها موقع اتحاد كتاب الانترنت العرب حيث اتصل بي السيد رئيس الاتحاد الاستاذ محمد سناجله – ولم اكن اعرفه بعد حينها – فتشرفت باتصاله بي طالبا الإذن بنشر مقالتي في موقع الاتحاد لأهمية ماورد فيها.
ودعاني أيضا للانضمام لعضوية الاتحاد التي لم أكن مستوفيا حينها لأهم شروط العضوية فيه وهو وجود النشر الرقمي الابداعي وضمن تخصصي في سبعة مواقع الكترونية معروفة.
عموما التفاصيل كثيرة .. بدأت مقالتي بجملة "المسرح الرقمي قادم .." وانتهت بخلاصة اذكرها للقاريء الكريم بالنص: "ولعلنا من حقنا أن نتساءل: أيمكن أن نتصور يوما ان تنتهي المسرحية نصا مطبوعا على الورق لتجد بديلا لها على هذه الشبكة العنكبوتية؟
وبعدها – وهو افتراض مستقبلي جائز الحدوث – أن يغيب العرض المسرحي هو الآخر موجدا بديله الإلكتروني وأن نفتقد إلى ذلك التلاقح الوجداني والفكري المباشر والمادي بين الممثل على خشبة المسرح بلحمه ودمه وبين المتلقي في الصالة بلحمه ودمه هو الآخر، ليتحول إلى تلاقح رقمي عبر الشاشة الإلكترونية؟
إذا كان الأمر قد تحقق أو نجح مع الرواية ومع مجالات أخر، فهل يمكن أن يجد التحقق والنجاح نفسه مع المسرحية .. وبالتالي تكون "نظرية المسرح الرقمي" المقترحة قد حققت حضورها وهيمنت على الواقع الإبداعي المسرحي نصا وعرضا وفاعلية جماهيرية مطلقة؟ اعتقد إن الأمر بحاجة إلى تأمل .. والى وقفة أخرى".
بعد ذلك بمدة زمنية قصيرة اكتشفت تباين ردود الافعال حول مقالتي "نظرية المسرح الرقمي" في عدد من المواقع الالكترونية المسرحية الثقاة (واؤكد الثقاة حيث تشكلت لي حينها خبرة ممتازة - وبحكم تتبعي المتواصل بجهود مضاعفة – في التمييز بين المواقع التي اسسها اصحابها للعلم وللبحث العلمي وهو هدف الانترنت الاصل، واخرى اسسها اصحابها للدردشة الفارغة المراهقة حيث يكشف ناس هذه المواقع عن افول طموحاتهم وامراضهم النفسية عبر شيزوفرينيا خاصة بهم بحكم ترصدهم وتلصصهم على نجاحات الاخرين معبرين في الوقت ذاته ودون وعي منهم عن خيبتهم وهلوستهم في التنظير والتطبيل لتنظيرهم وعلى هواهم حيث وفر لهم الانترنت حرية النشر لهلوساتهم وهذه واحدة من مساوىء الانترنت التي يعرفها ويتجنبها ولا يقع في فخاخها المتتبعين لموضوعية الانترنت وعلميته وثقافته الرقمية التي تاسس من اجلها).
أقول من هذه المواقع المهمة الثقاة إلى جانب موقع اتحاد كتاب الانترنت العرب، موقع مسرحيون الذي طرحت فيه عدد من الاراء المختلفة والمتفقة حول نظريتي في المسرح الرقمي وهي موجودة عبر الرابط: http://www.masraheon.com/phpBB2/viewtopic.php?t=817

الأمر الذي دفعني حينها الى كتابة مقالي الثاني تحت عنوان "المسرح الرقمي بين الاختلاف والائتلاف" ناقشت فيه وأكدت أن المشروع / نظريتي هذه بحاجة فعلا – لا إلى وقفة أخرى واحدة – بل الى وقفات طويلة وتأملات أطول يتكفلها الزمن وتسعها الجهود الحقيقية النبيلة والمحتكمة الى الموضوعية والعلمية حسب .. الرابط: http://www.thkafa.com/modules.php?name=News&file=print&sid=341
والرابط : http://www.inciraq.com/Al-Mutamar/2006/1201_1300/1213/061011_1213_14.htm

وبعد كل هذا وغيره .. بعد مرور مدة زمنية تجاوزت الثلاثة أشهر اتصل بي واسعدتني معرفته المخرج المسرحي العراقي المغترب "حازم كمال الدين" حيث لم اكن اعرفه برغم انه عراقي بسبب انه لم يكن من أقراني دراسيا في أكاديمية الفنون الجميلة – بغداد ,لأنه من الدورات التي سبقتني وحيث انه غادر العراق نهاية السبعينات ومعلومات اخرى عرفتها لاحقا عنه وعن انجازه المسرحي المهم على صعيد النص والإخراج والتنظير.
وكذلك تعرف هو حينها على انجازي المسرحي النقدي والإخراجي والبحثي وعبر محاورات شبه يومية كنا نجريها سوية عبر الماسنجر كتابة وصوتا وصورة، وصرنا نتبادل الرأي والخبرة ومن ثم .. وبعد ان كان قد اطلع هو ايضا على اهتمامي بالمسرح وتحديدا "المسرح الرقمي" والدعوة له عبر نظريتي تلك .. دعاني للتعاون معه ومع فنانين اوروبيين لخوض تجربة مسرح عبر الانترنت تحت اسم مقهى بغداد .. الرابط: http://www.iraqalkalema.com/article.php?id=782

قضينا فترة نهيء للتجربة وماذا ممكن ان نجرب فيها مسرحيا .. لدرجة انه اعتمد على رأيي بمدى اهلية بعض المشتركين في التجربة معنا وتحديدا من العراقيين بحكم معرفتي بهم .
عموما .. (لم نحقق كل أحلامنا فيها مع الأسف واهم تقديم مشاهد ارتجالية) على وفق المحاورة المتبادلة بين العراق وبلجيكا، والتي كان مسرح الحرب الموضوع الفكري الأساس للتجربة وهدفها.
وفعلا تحققت التجربة بتاريخ 20 آذار 2006، اي بعد مرور اربعة اشهر تقريبا على نشر مقالتي ( نظرية المسرح الرقمي ) التي كنت قد نشرتها بتاريخ 27 / 11 / 2005 كما اسلفت وتحديدا بعد مرور مائة وثلاثة عشر يوما على مقالتي.
وكنت وفي اثناء انتظاري لبدء التجربة "المسرح عبر الانترنت" هذه كتبت مانصه : "انه امر غريب حقاً .. شعوري الان وكاني اقف خلف الستارة بانتظار العرض .. الرجفة المشروعة ذاتها التي تحيطنا ونحن على الخشبة.
أخبرتهم في البيت ان لا يكلمني احد وان يخلون الغرفة .. هكذا أحسست سأكون في حالة استعداد أفضل برغم اني لا اتقمص أي دور لكن شيئا ما تقمصني.. لقد تحولت الان شاشة الكومبيوتر الى الجمهور الذي اواجهه .. اراه ويراني .. يا لها من لحظات جديدة وغريبة فعلاً".
وبعد كل هذا وغيره .. أنجزت بحثا أكاديميا موسعا تحت عنوان "المستقبيلة والمسرح – المسرح الرقمي أنموذجا" لاقحت فيه مابين مشروعي لنظرية المسرح الرقمي واشتراكي بتجربة مقهى بغداد متخذا منها عينة تحليلية للبحث بعد ان استعرضت المفهوم الفكري للمستقبلية مصطلحا واثرها على المسرح المستقبلي القادم
.هذا البحث نفسه اشتركت فيه في "المؤتمر العربي الأول للثقافة الرقمية" الذي انعقد في طرابلس للفترة من 4– 6 آذار 2007 بالتعاون بين اتحاد كتاب الانترنت العرب و اكاديمية الفكر الجماهيري الليبية.
ومؤخرا كانت سعادتي كبيرة حين يكون موضوع "المسرح الرقمي" هو العنوان الرئيس للمائدة المستديرة في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي لهذا العام 2007 .
ويشترك في محاورها عدد من مفكري المسرح العالمي والعربي ونقاده، ويترجم ولأول مرة كتابا بعنوان المسرح الرقمي ليصدر ضمن اصدارات المهرجان السنوية المهمة التي تضفي وعيا مسرحيا من شانه تفعيل مسرحنا العربي الذي يحتاج مثل هذا التفعيل الآن.
وختاما اقول .. لم ادع الريادة، فهذه متروكة لتقييم الآخرين ممن بلغوا سن الرشد الرقمي لا المراهقين الرقميين طبعا، ولكني اجزم أني أول من كتب ونظر للمسرح الرقمي عربيا، ويبدو ان مشروعي البكر وبرغم ما قدمت فيه وعنه فهو بحاجة إلى الكثير من الصبر والمثابرة ونية الآخرين ومسعاهم النبيل لان المشروع في النهاية مشروع الجميع ونظريتهم لمسرح جديد عله ينتظرنا.
واقول نص ما انتهى به بحثي السالف الذكر: "ولأجل ان يبقى مثل هذا الشكل المسرحي /الرقمي .. لما تزل الأفكار في بيضتها التي خصبتها الرقمية - علما وفنا – هيمنت على العالم الإنساني برمته في أولى بدايات الهيمنة الالكترونية التي ولدت ونسيت كيف تموت".
والآن يا أيها التميمي إحسان .. من قفز على الحقائق؟ أنا أم أنت؟ ومن عليه أن يراجع نفسه فيما قال؟ أنا أم أنت؟ ومن عليه ان يصحح مسار ما يكتب؟ أنا أم أنت؟ .. الإجابة أنا على يقين منها .. أنها موجودة لدى القارئ، وأؤكد القارئ فحسب وبلا ألقاب أو صفات. لأنك يا صديقي استسهلت لقب الأستاذية في مقالك وحقرته، حين أسبغته على من يستحقه ومن لا يستحقه .

د. محمد حسين حبيب/ مسرحي وناقد عراقي