عن الثورة التي تشظّت أزمات!

بقلم: سناء مبارك

توطئة :

ليس المقصود في هذا المقام تعميد لفظة "الأزمة "المثيرة لحساسية ثوار "الصف الأول "في اليمن، تلك الكلمة التي سرّبتها المبادرات الخليجية الواحدة تلو الأخرى تقليلاً من شأن الثورة الشبابية.

أما وأنّ الحساسية التي تسبّبت بها قد خدّرت موضعها الآن تعقيدات باتت أهم من منطق انتقائية الألفاظ، سيكون من المريح لي أن اختارها كالصفة الأكثر مقاربة لمجموعة الإشكالات التي انبرجت عنها ثورة اليمن ؛ دون أن يتهمني أحد بالمزايدة، كما آمل.

***

عندما ظهر علي عبدالله صالح الرئيس اليمني في أعقاب اندلاع الثورة المصرية على شاشة التلفاز يتندر على اليمنيين من عواقب ثورة علم أنها ستطال حكمه في مستقبل تراءى له قريباً، لم يعط أحد لتكهناته/تهديداته/سخريته أيّ بال، لنقل لم يكن أحدٌ في الواقع متفرغاً في ذلك الوقت لشيء سوى لتوليد الثورة من رحم المجتمع اليمني المنقبض بشراسة، وعليه لم يفكر اليمنيون آنذاك في تطعيم أو تحصين المولودة الجديدة ضد أمراض الأزمات التي تنمر بها الجد صالح ولم يعتقدوا لوهلة أنهم أنفسهم سيكونون مصدر هذه العدوى.

وهب صالح نفسه منذ الأيام الأولى للثورة لهذه السياسة الصبورة، سياسة "تقليم الأظافر" إن صحت لي تسميتها، دأب في كل جمعة على صب قطرات من زيته فوق نار الحماس الثوري المرتبك، ليتلذذ بعدها بمراقبة حرائق هائلة مصدرها مبالغات الإعلام المعارض والناطق باسم الثورة وانفعالات بعض كياناتها وشخوصها.

فبدلاً من أن ينكفئ هؤلاء على التركيز على أساسيات العمل الهيكلي لكيانات الثورة وتلحيم فروعها بعضها ببعض وتفعيل مسيرتها التغييرية، انجرفوا نحو مزالق غائرة من الردح الإعلامي والسياسي المتبادل، الذي ذهب كل مذهب بعيداً جداً من مصلحة الثورة وقريبا للغاية من حقيقة تشظيتها.

بين التفاني في تفنيد فتوى الاختلاط التي صدح بها الرئيس والرد عليها، والاستماتة في كشف ألاعيب فوتوشوب قناة اليمن في تضخيم حشود السبعين، وجنون تبادل التهم حول مَن قطع لسان الشاعر أو مَن ضرب العجوز في الساحة، والانشغال المفرط بمن بايع الثورة ومن كفر بالرئيس، بين كل هذا الكم من الإعياء لدى التغييريين الذي تسببه أصداء خطب صالح في السبعين وتصريحات الجندي على الجزيرة، وبين شجب محاولة اغتيال اليدومي، ودراسة تخرصات الزنداني، أصبح كل شيء مهماً فجأة إلاّ الثورة !

لا أعرف لماذا تذكرني هذه الحالة بذلك الطالب الذي نكون عليه عندما لا نستعد للامتحان بالشكل الجيد، نتفرغ ليلة الامتحان لعمل كل شيء إلاّ مواجهة مسؤولياتنا تجاه الكتب؛ التنظيف يأخذ أهميته القصوى، النوم يصبح السلطان الأقوى، التلفاز يغدو ألذ ما يكون، حديث الأصدقاء، الفيس بوك كل شي جميلٌ ومهم إلاّ المذاكرة.

قياساً؛ بعد كل هذه الأشهر من فقدان التركيز وعدم الجهوزية ؛ وبعد أن أهدى القدر لثوار اليمن خروجاً طالما تمنوه لصالح من دائرة المشهد السياسي اليمني رحنا نستهلك ورود العالم قطفاً طوال الشهر والنصف على نحو: سيعود، لن يعود..مات، لم يمت، أصيب، لم يُصب..هذا قبل أن تنبثق مبادرة المجلس الانتقالي المفرغة تماماً من التوضيحات والمنهجية والتي يتم التباكي عليها الآن دون أن يلتفت أحد لطبيعتها الهشة التي أتاحت كل المجال لأن يتم وأدها، كالعادة مع أي مشروع يبشّر بأي انفراج شبابي الصنع..

الهوس بصالح "الشخص" قريباُ وبعيداً، قادراً وعاجزاً، لم يفعل لليمنيين شيئاً سوى أنه أضاف أزمة جديدة إلى كومة الأزمات التي تشظّت عنها الثورة وأضاف فضاءً واسعاً لتطبيق "نظرية المؤامرة"، وأرضاً خصبة للتدخل السافر للأطراف الخارجية في شؤون البلد.

نظرية المؤامرة وجدت لها كامل الحفاوة في ظل ظروف كالتي تعيشها اليمن اليوم، فالكل متهم بالتآمرهنا؛ المشترك متآمرون، الشباب متآمرون، المتحزبون متآمرون، الإسلاميون متآمرون، الليبراليون متآمرون، في طابور العيش نحن متآمرون، وفي محطات البنزين متآمرون، وفي شركات الكهرباء متآمرون، السعودية متآمرة، أميركا متآمرة حتى المؤامرة متآمرة.

من حق السعودية وهي تشاهد الطاولة فارغة أمامها أن تبدأ بتحريك قطع الشطرنج على الجانبين، من حق السعودية أو غيرها أن تفكر أو تتعامل مع اليمن كيفما تقتضي مصلحتها فهي لا تكترث كثيراً بالشخوص طالما أن الأبعاد الاستراتيجية التي ضمنها لها نظام صالح ستظل هي نفسها إذا رحل، خاصة وأنّ الطرفين يرتبطان مع امراء آل سعود بعلاقات وشيجة تصل للمصاهرة بينهم.

لكن يبدو أن السعودية وفي يدها التفويض الأميركي تلوّح الآن بورقة سحب المساعدات المالية عن الجار الفقير وبالتالي عن جيوب فردتي البنطال السياسي اليمني إذا لم تسر الامور على هواها، الهوى الذي ينص على أن يظل هذا الجار العكاز الذي تستند عليه دون أن تتعثر هي بمطبات الربيع العربي ودون أن ينكسر هو.

لكن تبقى إمكانية السماح لها من عدمه في أيدي اليمنيين وحدهم، أحزاباَ وأفراداَ ومؤسساتٍ.

تبقى في أيديهم وحدهم امكانية إيقاف هذا العبث الممارس ضد انسانيتهم من قبل عصابة "النظام" ضد شعب هو الأعرق في شبة جزيرة العرب.

تبقى في أيديهم وحدهم إعادة الكهرباء والماء والبنزين إلى حظائرهم.

تبقى في أيديهم وحدهم إسالة الدماء في عروق ثورتهم.

تبقى في أيديهم وحدهم إفاقة الحالمين بالسلطة على حساب آمالهم.

تبقى في أيديهم وحدهم إمكانية اسقاط النظام وبناء الدولة المدنية التي طال انتظارها..

حدثني مارتن لوثر كنغ ذات يوم وكان متكئاً، فقال "لا يستطيع أحد امتطاء ظهرك ؛ إلاّ إذا كنت منحنياً"، أردف وقد اعتدل في جلسته وبانت عليه علامات الوجوم "لا يستطيع عجوز مريض أن يكسر 25 مليون إرادة شابة؛ إلاّ إذا كانت مرتبكة"؛ انتهى "بعض" قوله عليهم بركات الرب.

سناء مبارك

Sana_mobarak@hotmail.com