عن التسامح في قضية جاد المالح

بقلم: فيصل جلول

هل يؤيد جاد المالح اسرائيل؟ لا شك في ذلك. فهو يهودي متدين ويراها واحة لهذا التدين وتجسيدا له. هل شجع انصاره على زيارتها والعيش فيها؟ نعم. ولعله لم يكن ليرضى بأن ينفي وزير السياحة اللبناني هذا الامر في ظروف أخرى. هل دعا الى التضامن مع جلعاد شاليط؟ نعم ولم يكن منفردا في دعوته فقد سبقه وواكبه كثيرون في فرنسا وابرزهم الرئيس نيكولا ساركوزي الذي يعتبر شاليط فرنسيا واسرائيليا في الان نفسه. هل ادى جاد المالح خدمته العسكرية في الجيش الصهيوني؟ لا معلومات جدية تتيح تأكيد هذا الامر او نفيه؟ هل دعا الى التضامن مع الجنود الاسرائيليين؟ ربما. وهذا الجانب مازال مشوبا بالغموض.
بالمقابل لا نعرف عن هذا الفنان الساخر انه أيد حرب اسرائيل على لبنان عام 2006 وليس معروفا بتضامنه مع تل ابيب في حربها على غزة والراجح انه لم يفعل. والترجيح مرده الى انسحابه من احدى الحلقات التلفزيونية التي اشتد خلالها النقاش حول فلسطين بين مؤيدين ومنتقدين لاسرائيل وقد علق قبل انسحابه بالقول انه جاء الى الحلقة للحديث عن عمله الفني وليس للنقاش في هذا الموضوع ولعل هذا الموقف يتيح تعيين موقعه بدقة من الدولة العبرية. هو يؤيدها ويدعو لزيارتها ويتعاطف مع يهودها ويعتبر مصيره مرتبطا عاطفيا وربما سياسيا مع الشعب اليهودي في هذه الدولة وخارجها لكنه ليس منخرطا على ما يظهر في مواقف حماسية دفاعا عنها كما هي الحال فنانين ومثقفين معروفين كالمغني انريكو ماسياس والمطرب باتريك برويل والفيلسوف برنار هنري ليفي و وزميله اندريه غلوكسمان وآخرين.
وليست اقوال وتصريحات المالح هي التي تعين موقعه من اسرائيل فحسب فالصمت الذي التزمه حيال الاعتداءات الاسرائيلية الوحشية على الفلسطينيين واللبنانيين يذهب في الاتجاه نفسه وفي ظني انه لو اراد وضع حد للجدال الساخن حول مشاركته في مهرجانات بيت الدين لبادر الى عرض مواقفه بنفسه ولتحمل عناء النفي ولما اوكل الامر الى مدير اعماله الذي اصدر بيانا مقتضبا انطوى على نفي الجانب العسكري (حصرا) في علاقة صاحبه مع الدولة العبرية الامر الذي يؤكد أن " المالح " يحتفظ بعلاقة عضوية (روحية على الاقل) مع هذه الدولة وبالتالي لايجوز لبعض المعلقين اللبنانيين اهمال هذه العلاقة والتخفيف من اثرها في السجال الذي اندلع حول وجوب او عدم وجوب استقباله في بيت الدين.
من جهة ثانية هل يحق لفريق لبناني لم يكف منذ أكثر من اربعين عاما عن تحمل نتائج الة الحرب الاسرائيلية دمارا وموتا وخرابا وتهجيرا الاعتراض على مشاركة فنان اجنبي متضامن مع عدوه في مهرجان لبناني بارز؟ الجواب البديهي هو نعم. ذلك ان اسرائيل لا تستمد قوتها من اسلحتها فحسب وانما من حجم التأييد المعنوي الكبير الذي يغطي جرائمها ويحميها من العقاب الاخلاقي وهذا التأييد يصلها من روافد عديدة من بينها "الدياسبورا" اليهودية في العالم وبخاصة النخب التي تصنع الثقافة و الرأي العام بوسائل مختلفة من بينها الفن الشعبي بل يمكن القول دون مجازفة كبيرة أن القوة الحقيقة للدولة العبرية مستمدة من النخب الغربية التي نجحت في ترسيخ مفهوم الجذر المسيحي ـ اليهودي بوصفه أساسا للحضارة الغربية وعلى هذا الجذر نهضت العلاقة الاستراتيجية بين الغرب واسرائيل ومنه تستمد موقعها الامامي الموصوف كقاعدة" للديموقراطية وللحضارة الغربية في الشرق الاوسط" لذا يجوز القول ان تاييد شخصية فنية رفيعة كالسيد جاد المالح وتضامنه مع هذه الدولة يدخل في صميم قوتها ويوفر الحماية لسياستها الوحشية في منطقتنا عموما وفي لبنان وفلسطين بصورة خاصة.
ليس الاعتراض على مشاركة جاد المالح في مهرجانات بيت الدين ضربا من ضروب العنصرية كما اشار بعض المعلقين اللبنانيين والعرب بل هو حق طبيعي للمقاومة التي تخوض صراعا فاصلا مع اسرائيل من اجل حماية شعبها وحماية لبنان من "الطمع" و"الاهانة" و"التعديات" و"الاحتلال" الصهيوني لاراض لبنانية حتى الساعة.واذا كان البعض مهجوسا بالعنصرية فيمكنه العثور عليها بأبشع صورها في تصريحات المسؤولين ورجال الدين الصهاينة الذي اقتلعوا شعبا من ارضه ويريدون طرد واقتلاع من بقي منه على هذه الارض ويصرون على تسمية دولتهم التي يدعمها المالح بالدولة اليهودية حصرا.
واذا كان بعض المدافعين عن مشاركة هذا الفنان في مهرجانات بيت الدين يدعو لـ"لحظ الفوراق" وبالتالي التمييز بين الفن والاعمال العسكرية فحري بهم أن ينظروا في مشهد الحرب الدائمة التي تشنها اسرائيل على العرب والفلسطينيين بلا تمييز بين المواقع المدنية والمواقع القتالية ولعلهم يكتشفون ان عدوهم المعين في الدستور قد اطاح بكل الفوارق والاعتبارات الاخلاقية في الحرب والسلام على حد سواء.
أما الذين تعودوا الرماية على المقاومة اللبنانية في كل المناسبات فقد خانهم الحظ في اختيار هذه القضية للنيل من اناس مطالبون بالتسامح والاستمتاع الفني وسط خرائب منازلهم التي انهالت عليها بالامس اطنان الصواريخ والمتفجرات الصهيونية. هذه ليست دعوة للتسامح انها ببساطة ضرب من الاستهبال الرديء الصنعة. فصيل جلول