عن الاجتياح التركي المؤجل لكردستان العراق

فيما كان الاكراد يتحدثون عن المرحلة الجديدة بينهم وبين الحكومة التركية، خصوصا بعد الزيارة التي قام بها عبدالله غول رئيس الجمهورية التركية الى المناطق الكردية (خمس ولايات الكردية) ووعد الاكراد "بان عصر اضطهاد الكرد ولى دون الرجعة" وطلب غول من الاكراد ان يكونوا الى جانب الحكومة في تطبيع الأوضاع في جنوب شرق (كردستان) تركيا، وفيما تفاءل الكرد في البرلمان بان تركيا أمام انعطاف جديد في تعاملها مع أكرادها، وإنهم على أبواب المرحلة الجديدة من التعاطي الايجابي، فاجأت حكومة رجب طيب اردوغان الجميع بأنها ستقوم بحملة عسكرية كبيرة ضد عناصر حزب العمال الكردستاني المتواجدين في جبل قنديل الواقع بين كردستان العراق وإيران وتركيا اثر العملية العسكرية التي قام بها عناصر حزب العمال ضد 15 من الأتراك في كمين نصب على الطريق.
والحق تظهر الحقائق يوما بعد يوم بان حكومة "العدالة والتنمية" لا تريد ان تقضي على حزب العمال الكردستاني فحسب إنما هناك عدد من الأسباب تقف خلف اندفاع الأتراك لقيام باجتياح كردستان العراق. فلو كانت المسألة محصورة على حزب العمال الكردستاني لكانت تركيا وافقت على "خريطة الطريق" التي قدمها الوفد العراقي في زيارته الاخيرة الى تركيا، حيث ابدى الوفد جدية التعاون العراقي مع تركيا للحؤول دون حدوث الاجتياح من جهة، ودون تهديد الأمن القومي التركي منطلقا من كردستان العراق من جهة أخرى. فالأسباب تقف وراء اندفاع الأتراك لدخول الى العراق هي كثيرة ولعل أهمها، أولاً: إفشال العملية السياسية في كركوك وتعكير الأجواء أمام لجنة التطبيع فيها ومنع تنفيذ بند 140 من الدستور العراقي الخاص بكركوك، وثانياً: التأثير على وضع في كردستان وإظهار المنطقة على إنها منطقة الحرب وذلك لسحب الرساميل من كردستان التي ما انفك الاكراد يفتحون عيون العالم عليها وثم منع المجيء الاستثمارات الى المنطقة الكردية، وثالثا: إعادة الاعتبار الى التركمان خصوصا "الجبهة التركمانية" التي فشلت ان تحقق شيئا من المراد التركي في العراق.
والحق ان الأتراك اختاروا هذه المرحلة الدقيقة لتكون ضربتهم القاضية بعد ان صدر قرار تقسيم العراق من قبل الكونغرس الأميركي، وبعد ان رحب الاكراد بهذا القرار ورفضه باقي العراقيين. واستغلت حكومة العدالة والتنمية هذه الأجواء المحتقنة والمعادية للأكراد لتحقيق وجودها في ظل عدم وجود أصوات عربية معارضة قوية.
ولا نستغرب بانه ما يدور على حدود كردستان العراق ليس بعيدا عما يجري بين الولايات المتحدة وإيران، إذ يرى البعض بان اميركا ستقوم بضربة استباقية الى الجمهورية الإسلامية الإيرانية وان تركيا أمام استحقاق المرحلة. فكونها لا تستطيع (او لا تريد) ان ترفض طلب اميركا مساعدتها لضرب إيران فهي ستساعد الأمريكان مهما كان وضعها لأنها لا تريد ان تكرر التجربة العراقية (2003). وتعرف تركيا بأنها خسرت كثيرا جراء القرار الذي صدر من البرلمان التركي والقاضي بمنع مرور القوات الأميركية الى العراق. فهي تريد، إضافة الى إعادة نفوذها في العراق، ان تكون صاحبة النفوذ في إيران وإعادة الاعتبار الى الحالة الآذرية التركمانية. والحال ان تركيا وكما اشرنا سابقا الى انها ستكون الى جانب الولايات المتحدة في حربها المحتملة على إيران، فإنها تريد ان تستعيد أمجادها في العراق وتقول حكومة العدالة والتنمية للشارع التركي بأنها استطاعت ان تحقق الأمور الكثيرة وستسجل لصالح الحكم الإسلامي بعد ان حقق التقدم في علاقتها الأوربية. معنى آخر، تريد تركيا ان تعود الى العراق وتقول حكومة اردوغان لشارعها بأنها حققت حلمها التاريخي واستأصلت "الإرهاب" وأنهت حزب العمال الكردستاني وحققت وضعا مميزا لتركمان إيران في الأجندة المستقبلية (الأجندة ما بعد الضربة الأميركية لإيران) لتركمان إيران –من المعروف ان حكومات التركية المتعاقبة لم تتخلف في دعمه لتركمان إيران.
في الحقيقة، وأمام هذا الإصرار التركي، لم يعد أمام العمال الكردستاني غير عدد من الخيارات. فأما ان يعيد علاقته مع سوريا وإيران وهذا ممكن كون البلدين بحاجة الى إسكات الصوت الكردي. او ان يلجأ الى أرمينيا وهذا أيضا ممكن لكنه مكلف فصعوبة اجتياز المسافة ثم الابتعاد عن الساحة الحقيقة للحرب المعلنة ضد القوات التركية.
ثمة من يرى وبموجب مبدأ "عدو عدوي صديقي" فان الخيار الأول الآن هو الراجح، لكن هل ستقبل إيران وسوريا؟ وهل تفرط سوريا بعلاقتها مع تركيا التي شهدت تحسنا وتطورا عميقا في السنتين الاخيرة؟ المؤشرات تقول نعم، لان تركيا في المرحلة المقبلة ستكون تركيا مختلفة عن سابقها فهي ستكون تركية أمريكية بامتياز او تركية منضوية الى حلف "المعتدلين" في الشرق الأوسط!
تركيا حائرة بين الغرب والشرق. والتهديد التركي الحالي وصراع انقرة مع حزب العمالي الكردي، وضع تركيا أمام اختبار حقيقي، ولعلها على المحك الغربي او الشرقي. ويبدو ان الرياح لا تسير حسب أهوائها فهي وان كانت استطاعت ان تمسك العصا من المنتصف من قبل فهي عاجزة عن فعل ذلك في هذه المرحلة. تركيا على المحك. فأما ان تكون مع الغرب (الولايات المتحدة) او مع الشرق (العرب والإسلام وإيران)، وفي الحرب الأميركية على إيران سيتضح كل شيء. فهي ستكون مع الغرب بناء على ما يقال في داخل تركيا وان الجيش يريد ان يكون الى جانب الغرب. ولعل إصرار الجيش تأجيل الاجتياح الى ما بعد لقاء بوش اردوغان يعني بان الجيش لا يريد ان يفعل أمرا دون رغبة الولايات المتحدة، ولعل إيران أدركت هذه الرغبة التركية فلذلك رفضت طلب تركيا بموافقتها على اجتياح العراق.
قضية الوجود حزب العمال الكردستاني عادت لتطرح نفسها على صدارة الأحداث في الشرق الأوسط، لكن في هذه المرة بشكل يختلف عن سابقتها. فهذه المرة انحصرت الخيارات وضاقت به الدنيا، لا خوفا من الهجمات التركية التي يؤكد المراقبون بأنه مهما كان مستواها ونوعيتها فإنها سوف لن تنجح في مسعاها لإنهاء العمال الكردستاني. فأسلوب حرب العصابات الذي يلجأ اليه الحزب طالما وقفت امامه الجيوش النظامية عاجزة ولن تتمكن من القضاء عليه.
الخوف هو ان يصبح الاكراد مرة ثانية وقودا لتحقيق المصالح الإقليمية والدولية! فاروق حجي مصطفى
كاتب وصحافي في الشؤون الكردية