عن الأغلبية الصامتة

هناك دائما مَن يتحدث باسم الاغلبية الصامتة وهو يسعى إلى تمثيلها، من غير أن يكون قد رشحه أحد للقيام بذلك. فالأغلبية الصامتة كما يشير اسمها هي عنوان للصمت المذل والمهين، المنطفئ والمرشح للانفجار في أية لحظة.

يختصر السياسيون ذلك الصمت في لحظة معارضة.

فمَن يحكم لا يهمه صمت تلك الأغلبية، بل يرى فيها برهانا على الرضا والقبول. مَن يحكم، هو من يقود صمت الأغلبية إلى المكان الذي يكون فيه علامة لنجاحه في تدجين أعظم ما تمتلكه البشرية: موهبة الصمت.

المعارضون وحدهم يرغبون في أن يخفق ذلك الصمت في الوصول إلى لحظة الكلام. لا يعجبهم أي كلام لا يصب في مصلحة هدفهم في أن يكونوا ممثلين لشعب لم تسنح له فرصة اختيار ممثليه في حربه غير المعلنة مع سلطة، دربت نفسسها على أن تكون موجودة من خلال القمع.

ولكن المعارضين هم أيضا يمارسون القمع حين يسترسلون في مديح ذلك الصمت الذي غالبا ما يكون دليل عجز ويأس من الحكم والمعارضة معا. وما من أحد من الطرفين يكلف نفسه عناء البحث عن الأسباب التي تدفع بتلك الأغلبية إلى الصمت. لا يفكر في أن خوف تلك الأغلبية من مستقبل ينتظرها قد يكون أسوأ من ماض، تدربت على التكيف مع مساوئه.

غالبا ما نسمع أن العراقيين صاروا اليوم يترحمون على أيام صدام، وكانوا من قبل يترحمون على أيام زعيمهم الاوحد عبدالكريم قاسم، وفي حقبة قاسم كانوا يترحمون على الملكية التي اطاح بها انقلاب العسكر في 14 تموز/يوليو عام 1958. فهل الأغلبية تخدع نفسها، حين تلتفت إلى الوراء بشعور عظيم من القرف من حاضر لم يكن مؤهلا لأن يعد بمستقبل لا يمكن الرهان عليه؟

الآن يقال للسوريين "يوما ما ستترحمون على أيام الأسد. ستتذكرون بأسى أن وجود دولة بوليسية هو أفضل من خيار الفوضى" وفي الذهن يحضر نموذج الصومال ومن بعده نموذج العراق كونهما بلدين لا يتوقع أحد أن يستعيدا كفاءة بناء دولة من جديد. وحتى في ظل بقاء الدولة، ألا يترحم التونسيون اليوم على نظام بن علي، حين يرون الغنوشي وجماعته يلعبان بدهاء دور الراعي الذي يقود غنمه إلى الحظيرة بحيل مَن لا يرى في تلك الغنم القدرة على التفكير؟

ولقد رأت الأغلبية الصامتة في ليبيا أن صمتها قد قادها من حكم الفرد المشغول بالوهيته إلى حكم الجماعات المسلحة المعباة بفكرة التمثيل الالهي.

كان علينا أن نضحك حين نسمع أحدهم وهو يصرخ "أنا ممثل الأغلبية الصامتة" كان على تلك الأغلبية الصامتة أن تظهر امتناعها عن الذهاب إلى المكان الذي سيتم فيه احتجازها لتكون فيه مادة لحرب أهلية، إن لم ينجح المعارضون في الاستيلاء على السلطة باسمها.

أليس هذا ما يحدث اليوم في سوريا؟

لقد ذهبت الأغلبية الصامتة إلى خوائها الاسطوري، فصارت لديها اوطان افتراضية، بدلا من تلك البلاد التي حولها الحكم ومعارضوه إلى كذبة يُراد لها أن تقول حقيقة واحدة: القتل بكل ملحقاته.

تنوء الأغلبية في أوطننا بصمتها المعادي للحقيقة والذي صار عنوانا لنجاح اللصوص والقتلة وقطاع الطرق والسماسرة والمرابون وأصحاب السوابق.

وإذا كان هذا هو حال الأغلبية، ألا يحق للأقليات التي هي اشد صمتا أن تبحث في لهاث مسبق واحترازي عن ملاذ آمن؟

لقد فتك الصمت بنا.

لم ننجح ولا مرة واحدة في أن نجعل لصمتنا معنى. معنى المواطنة الصالحة التي ترفض الاستعباد وفي الوقت نفسه ترفض أن تكون اداة للسمسرة على حساب الحقائق التاريخية.

لدينا أغلبية صامتة. هذا صحيح. وصحيح أيضا أن تلك الأغلبية هي التي كانت السبب في ضياع أوطاننا ومستقبلنا بل مستقبل أطفالنا.