عن أزمة التعليم الأميركي قبل الجامعي

واشنطن- من هناء هشام
نحو الأفضل

رغم الانجازات والشهادات الدولية بنجاح التعليم الأميركي، والذي أضحي نموذجاً يحتذي به في كافة أنحاء العالم، مازالت هناك العديد من الرؤى المطروحة أميركيا لتحسين وتطوير التعليم في الولايات المتحدة.

لماذا تفقد المدارس الخاصة طلاب المدارس الثانوية لصالح المدارس العامة؟ يتضح من تناولنا السابق أن المدارس الخاصة الثانوية تفقد طلابها لصالح المدارس العامة، ولعل هذا راجع إلى الصعوبات التي تواجهها المدارس الكاثوليكية، فهي تهيمن على قطاع المدارس الخاصة. ففي عام 1965 خدمت المدارس الكاثوليكية 5.6 مليون طالب، ثم انخفض العدد في عام 2003 إلى 3.2 مليون.

وبالرغم من تضاعف عدد الكاثوليكيين منذ عام 1965، لا يمر صيف دون أن تُعلن العشرات من المدارس الكاثوليكية أنها ستغلق أبوابها، ووفقًا لبيتر ماير، وتقديرات الرابطة الكاثوليكية الوطنية للتربية فإن ما يقرب من 600 من المدارس الكاثوليكية مغلقة منذ عام 2000 إلى عام 2006.

وقد حدد التقرير عدة أسباب لانخفاض التسجيل بالمدارس الكاثوليكية، فمن جهة انخفض التعليم لمواجهة ارتفاع التكاليف. ومن جهة أخرى فإنه في الوقت الذي شكلت فيه الراهبات الجزء الأكبر من قوة التدريس في التعليم الكاثوليكي باعتبارهن مصدراً رخيصاً للعمل، فقد كاد هذا المصدر أن يتلاشى، فحل محلهن مدرسين يتقاضون مرتبات، وهو ما يعني أن مرتباتهم يجب أن تظل قادرة على منافسة مرتبات المدرسين في المدارس العامة.

ويفسر التعليم أيضًا سبب أن المدارس الثانوية هي المرحلة التي تفقد فيها المدارس الخاصة الطلاب، ففي عام 2004 بلغ متوسط تكاليف التعليم الخاص في المدارس الثانوية
8.412 دولار، بالمقارنة بـ 5.049 دولار في المرحلة الابتدائية.
أما تكاليف التعليم في المدارس الكاثوليكية فتصل في المتوسط إلى 3.533 دولار في المرحلة الابتدائية و6.046 دولار للثانوية، وبالتالي فإن الأسر التي لا تستطيع تحمل مثل هذه الزيادات في التعليم العالي مضطرون إلى إعادة تقييم المزايا النسبية بين المدارس الخاصة والعامة.

كما تُشير التفسيرات الأخرى إلى الاتجاهات الثقافية، والتسامح الديني. فقد تم تأسيس المدارس الكاثوليكية الاميركية في القرن التاسع عشر لتوفير التعليم المدرسي للأسر التي تشعر أن المجتمع والمدارس العامة كانت معاديه لمصالحها وأن المدارس الحكومية لن تستطيع توفير نوع التعليم الراغبين فيه لأطفالهم. وقد عانى التسجيل في المدارس الكاثوليكية من الانحطاط الحاد في الستينات، إلا أنه ارتفع خلال العقود القليلة الماضية، واليوم يشعرون بالنبذ من قِبل المؤسسات المعنية وهو ما دفعهم إلى بناء مدارسهم الخاصة.

وهناك عوامل أخرى غير الدين تلعب دورًا في هذا الصدد، فانطلاقًا من أن المدرسة الثانوية هي الفترة التي ينتقل فيها الآباء من تفضيل التعليم الخاص عن العام، تستند الافتراضات أنه ربما قد يكون تغيير شيء متعلق بتربية الأطفال، حيث يسود الاعتقاد أن ما تغير هو المواقف من التعليم للمراهقين.

واليوم يقدم الآباء لأطفالهم خيارات أكثر للتعليم المدرسي، فعند دخول الأطفال مرحلة المراهقة فإنهم قد يفضلون الذهاب إلى حيث يذهب الأطفال في حيهم الخاص، علاوة على ذلك فإن الآباء يرغبون في مدارس تقدم ما هو أكثر من التعليم الأكاديمي.

هل يعني الوقت الأطول تعليما أكثر؟

لقد خلصت عدة عقود من التجارب الرسمية إلى ما يعتقده معظم الناس: الوقت ضروري للتَعَلّم. وقد اعتنق مصلحي المدارس هذه الحقيقة من خلال دفعهم إلى إطالة الفترة الزمنية التي يقضيها الأطفال في المدارس. وبالنظر إلى التقويم الأكاديمي في الولايات المتحدة نجد أنه في عام 1870 كانت السنة الدراسية 132 يوم، تم دعمها من خلال قوانين الحضور الإلزامي. وبالتالي تغير التدريس من نشاط جزئي للأطفال إلى نشاط مهيمن على حياتهم.

ولم تهدأ دعاوى زيادة الوقت في المدارس، ففي عام 1994 ذكرت اللجنة الوطنية لوقت المدارس في رسالتها للكونغرس "أنه من المستحيل أن يتعلم طلابنا بقدر نظرائهم الأجانب بينما يقضون نصف الوقت فقط في دراسة الموضوعات الأكاديمية الرئيسية".

وفي عام 2005 أوصى مجلس التقدم الاميركي بضرورة تمديد كل من اليوم الدراسي والسنة الدراسية. كما تعهدت مجموعة الدفاع عن المدارس الاميركية القوية على جعل تمديد وقت الدراسة قضية عام 2008.

وقد أشار المدافعون عن فكرة قضاء وقت أطول في المدرسة إلى أمثلة من الدول الأخرى، إلا أنه عندما فحص المحللون نتائج الاختبارات الدولية لمعرفة العلاقة بين الوقت الذي يتم قضاءه في المدرسة والإنجاز الأكاديمي، توصلوا إلى أنه لا توجد علاقة، كما أثبتت الدراسات أيضاً عدم وجود علاقة بين كمية الواجب المنزلي وبين الإنجاز الأكاديمي - وهو ما كانت تؤكد عليه بعض الدراسات والأبحاث مثل بحث جوليان بيتس، ومن هنا يحاول تقرير مركز براون للأبحاث التأكد من عدم وجود علاقة بين الإنجاز الوطني وبين الوقت الذي يتم قضاءه في المدرسة وفي إنجاز الواجب المدرسي.

المقارنات الدولية

أجرى كل من ديفيد بيكر وجيرالد ليتيندر دراسات حول تأثير الوقت على الإنجاز باستخدام بيانات من TIMSS لعام 1995، حيث يقيم TIMSS كل من مادتي الرياضيات والعلوم حول العالم ويجمع معلومات حول الممارسات التي يمكن أن تؤثر على التعليم. وتوصل العلماء إلى أنه لا توجد علاقة بين درجات الطلبة في مادة الرياضيات وبين الوقت التعليمي المكرس لها.

كما وجدوا أن العلاقة سلبية بين كمية الواجب المنزلي والإنجاز في المادة.
ثم توصل الباحثون فيما بعد إلى وجود علاقة من نوع آخر حيث وجدوا أن زيادة الوقت التعليمي والواجب المنزلي يمكن أن يؤدي إلى سوء فهم، فقد كشف التحليل أن زيادة الوقت التعليمي يبدو مرتبط بالإنجاز المنخفض. ومنذ الدراسات التي أجرها بيكر وليتيندر في عام 1995 تم نشر بيانات TIMSS لعام 2003، وهو ما يُوفر فرصة للتجديد دراساتهما بفحص التغييرات التي حدث منذ عام 1995 إلى 2003.

وللتأكد من النتائج السابقة قام التقرير بحساب الدقائق التي يقضيها الطلاب في دراسة مادة الرياضيات وفي أداء الواجب المنزلي، وكانت الحسابات تستند إلى البيانات التي ذُكرت من جانب المعلمين ومديري المدارس، ثم قام التقرير بحساب معاملات الارتباط لقياس علاقة الإنجاز الوطني في الرياضيات بالنسبة للتوقيت المستهلك على الدراسة والواجب المنزلي.

وبناءً على بيانات عامي 1995 و2003 كانت النتيجة: من خلال فحص بيانات TIMSS في عامي 1995 و 2003 لا يمكن إيجاد دليل على وجود علاقة بين الوقت الذي تم قضاءه في تعلم الرياضيات، أو استلام الأوامر، أَو عمل الواجب المنزلي، وبين كمية الرياضيات التي تلقاها الطلاب.
ومن هنا تحول السؤال المطروح من "هل الدول التي منحت المزيد من الوقت لتعلم الرياضيات والواجب المنزلي سجلت درجات مرتفعة في امتحان TIMSS؟" إلى "هل الدول التي زادت الوقت المخصص لتعلم الرياضيات والواجب المنزلي زادت درجاتها في امتحان TIMSS؟".

وقد عارضت الولايات المتحدة الاتجاه الدولي، فبينما وجدت الدراسة أن كلاً من لتوانيا وكوريا وهونج كونج سجلت نتائج كبيرة في TIMSS بينما تزيد الوقت المخصص لمادة الرياضيات، ارتفعت نتيجة الصف الثامن في الرياضيات في الولايات المتحدة بالرغم من انخفاض الوقت المخصص للمادة.

مناقشة النتائج التى توصل إليها التقرير

نظرًا لأهمية العلاقة بين الوقت التعليمي ودرجات TIMSS قام التقرير بوضع نموذج لقياس مقدار هذه العلاقة، بحيث تكون كل 100 دقيقة إضافية في الوقت السنوي المخصص للمادة تقابلها نقطة واحدة في نتائج TIMSS للرياضيات. وفي هذا الإطار حققت سنغافورة أعلى نتيجة في نتائج TIMSS وتفوقت على الولايات المتحدة بـ 100 نقطة.

ونظرًا لضعف العلاقة بين الوقت المخصص للتعليم والإنجاز الأكاديمي فقد حاول المحللون تفسير اللغز بطريقة أخرى، فقد لجأ معظمهم إلى “leaky bucket” ونظرية الوقت التربوي، حيث يرون أن الوقت المخصص للدراسة أكبر من الوقت الذي تم تطبيقه من قِبل المدرسين في الفصول.

أما التفسير الآخر فهو أن الوقت المخصص للمادة لم يتم استغلاله على النحو الأمثل، وهو ما أدى إلى ظهور التوصيات التي تطالب بتدريب المعلمين لرفع درجة كفاءتهم، إلا أن هذا التفسير لن يؤدي إلى المزيد من التعلم، كما أن المشكلة فيه أنه لا يوجد دليل علمي على الممارسات التعليمية الفعّالة خاصة تلك التي تعتمد على الوقت.

وقد اتجه التقرير إلى محاولة تفنيد العوامل الأخرى، حيث وجد أن صنّاع السياسة التعليمية، في إطار محاولات الإصلاح، عادة ما يقومون بتغيير الوقت المخصص للمادة إلى جانب تغيير عدة عوامل أخرى، وهو ما يؤدي إلى التشكيك في النتائج خاصة إذا كان أحد العوامل التي تم تغييرها ترتبط بشكل آني بزيادة الوقت والإنجاز.

وفي الختام، يرى التقرير أنه لا يوجد طريق للقول بأن التغييرات في الوقت التعليمي أدت إلى التغييرات في نتائج الاختبار الوطنية في TIMSS في عامي 1995 إلى 2003، فقد وجدت الدراسات التي اعتمدت على بيانات TIMSS الأولية أن العلاقة سلبية بين الإنجاز في الرياضيات وبين الواجب المنزلي والوقت المخصص لها، وبمرور الوقت ظهرت نتائج جديدة حيث أثبتت التحليلات أن الوقت المخصص للمادة والواجب المنزلي لها دور ايجابي في الإنجاز.
وقد استند هذا التقرير في النتائج التي توصل إليها على بيانات دولية أكثر توافقًا من تلك التي اعتمدت عليها الأبحاث الأخرى حول تأثير الوقت على التعلم. (تقرير واشنطن)