عندما يغيب العقل ويبقى مفهوم الجهاد

اصبح مفهوم الجهاد في العصر الحالي مفهوما فضفاضا يفتي فيه كل من هب ودب من انصاف الشيوخ الذين لا يعتبرون اكثر من اجهزة تسجيل فقط ألآراء فقهية موغلة في القدم دون امتلاكهم القدرة على استيعاب فقه الواقع. ان مقارنة عصر ظهور الاسلام بالوضع الدولي الحالي وبناء احكام عليه دون تمحيص يعتبر ضربا من التسطيح الفكري والديني الذي يعاني منه هؤلاء. فالجزيرة العربية كانت عبارة عن قبائل متناحرة تحيط بها اكبر امبراطوريتين حينذاك وهي الامبراطورية الفارسية والرومانية وقد اضطر الرسول الى قتال هاتين الدولتين وإعلان الجهاد عليهما بعد ان منع من نشر الاسلام فيهما بشكل سلمي، وهذا يشير الى ان الجهاد الذي اقر به الاسلام لم يكن حبا في القتال وإنما كانت حالة اضطرارية دفعته اليه مجابهة الدولتين هذه للدعوة الاسلامية في الوقت الذي دخلت شعوبا كثيرة الاسلام دون قتال والآية القرآنية واضحة في ذلك عندما تقول "كتب عليكم القتال وهو كره لكم".

واليوم فان المسلمين يعيشون محنة خلط الرؤى في مفهوم الجهاد حتى اصبح من اسهل ما يفتي فيه بعض ادعياء الفقه والشريعة. وهناك ثلاثة مفاهيم للجهاد تدور في ادمغتهم كلها غير مبررة في ظروفنا الحالية وهي:

المفهوم الاول – جواز الجهاد ضد حكام الدول ذات الشعوب الاسلامية.

المفهوم الثاني – وجوب الجهاد ضد الحكومات الغربية التي تحتل اراضي دول ذات شعوب اسلامية.

المفهوم الثالث – وجوب الجهاد ضد الدول الغربية دون ان تكون محتلة لأراضي شعوب اسلامية.

• المفهوم الاول للجهاد (ضد حكام الدول الاسلامية) وقد كان مفهوما مغيبا عند "المجاهدين" لغاية اندلاع الثورات العربية معتمدين على اراء بعض الفقهاء بعدم جواز الخروج على ولي الامر إلا اذا ظهر منه كفر بواح (وهذا هو الرأي الذي جعل المسلمين على مر تاريخ الدولة الاسلامية يركعون لخلفاء الدولة الاسلامية مع انهم ضربوا عرض الحائط ما أوصى به الرسول من تفعيل الشورى في الخلافة وحولوا حكم الدولة الى حكم ملكي متوارث). والمضحك في الامر ان المجاهدين الذين يحاربون حاليا في سوريا ضد بشار الاسد كانوا متحالفين معه قبل سنين قليلة ويعيثون فسادا في العراق بالتفجيرات والتفخيخات بإشراف من مخابرات النظام السوري نفسه واغلب هجماتهم كانت تأتي من داخل الاراضي السورية، وبعد اندلاع الثورة السورية بدءوا بقتال هذا النظام كما حصل في ليبيا قبل ذلك. وهذا التغير يثير شكوكا كثيرة حول توجهات قادة هذه المجاميع الذين يتحركون وفق اجندات دولية مخابراتية تدفعهم للتواجد في أي مكان بطلب منهم وحسب جدول زمني يحدد لهم وليس لدواعي ايمانية جهادية.

• اما المفهوم الثاني للجهاد (ضد حكومات اجنبية محتلة لأراضي دول ذات شعوب اسلامية) فمن اسس الشريعة والفقه الاسلاميين ان جواز الشيء وتحريمه يؤخذ حسب نتائج الامر، فإذا كانت نتائج قضية ما سلبية على الفرد والمجتمع فلا تجوز شرعا وخلافه فهو جائز من الناحية الشرعية، وهناك ايضا مبدأ "اينما تكون المصلحة فثمة شرع الله". لذلك دعونا نرى هل ان الجهاد ضد الغرب حاليا وبهذه الظروف التي تعيشها الدول الاسلامية هو امر مشروع ام لا؟

1- كل الافكار الدينية والشرائع الدنيوية تبيح للشعوب قتال محتليها وهذا امر لا نقاش فيه، لكن هل ان التنظيمات الاسلامية المسلحة تقاتل حتى تزيح احتلالا ام حتى تستبدل احتلالا باحتلال اخر؟ التجربة الجهادية في افغانستان استطاعت ان تزيح الاتحاد السوفيتي بمساعدة اميركية لكنها في النتيجة استبدلت الاحتلال السوفيتي بالاحتلال الاميركي الغربي المستمر لحد الآن بينما في العراق استغلت هذه التنظيمات من قبل ايران وأخرجت القوات الاميركية من هذا البلد ليحل محله النفوذ الايراني. وما يحدث في سوريا الان لا يختلف كثيرا عما حدث في العراق وأفغانستان، فقد ادى دخول المجاميع الجهادية في الثورة السورية الى امتناع المجتمع الدولي في الوقوف بشكل حقيقي مع الثورة السورية لتخوفاتهم من سيطرة التنظيمات الاسلامية وبالتالي فقد اضرت بالثور السورية بشكل كبير. نستنتج مما سبق ان هذه التنظيمات لم تستطع تحرير أي بلد اسلامي من تحت أي احتلال لغاية اليوم وكل ما يعملوه المزيد من القتل والعنف وسفك الدم وخلط الاوراق بما لا تصب في مصلحة شعوب المنطقة وفي الغالب يكونون اداة لحروب وخطط استخباراتية تصب في صالح الدول التي يقولون بأنهم يحاربونها سواء بقصد منهم او لجهلهم بحقائق ما يحاك من ورائهم.

2- عدم استيعاب هذه التنظيمات للتجارب والدروس يشير الى امرين لا ثالث لهما: اما انهم لا يملكون القدرة على التفكير الواقعي ويعانون من جهل مدقع؛ او انهم يعملون لصالح اجندات اجنبية. وإذا أحسنا الظن بهم وقلنا انهم جاهلون فالواجب الديني يحتم عليهم النظر لتجارب الشعوب الاخرى، فالشعب الياباني الذي دخل في حرب خاسرة مع اميركا واستعمل فيه مبدأ الطائرات الانتحارية (الكاميكازي) التي تطابق فكرة الانتحاريين في التنظيمات الجهادية، غيروا من المفاهيم التي كانوا متمسكين بها ووعوا الدرس بعد ان احتلوا من قبل الاميركان فغيروا اسلوب تفكيرهم وركزوا على الناحية العلمية والتكنولوجية في بيئة هادئة حتى تحولت اليابان الى اكبر اقتصاد في العالم، وهذا يدل على ان الاهتمام بالتطور العلمي اكثر فعالية واقل خسائر من الاستمرار في تراهات لا جدوى منها وما انزل الله بها من سلطان.

• اما بالنسبة للنوع الثالث من الجهاد (ضد الدول الغربية الغير محتلة لأراضي الشعوب الاسلامية) فلا يوجد له أي سند شرعي بالمطلق ولا يمكن ان نتعامل مع هذه الدول باعتبارها دول معادية يوجب قتالها وذلك للأسباب التالية:

1- . الدول غير الاسلامية حاليا لا تقوم على اسس دينية او عقائدية بقدر ما تقوم على اسس اقتصادية ومصالح سياسية وهذا لا يعطي مبررا للنظر اليها كدول معادية. فان كانت الدول الكبرى تفرض مصالحها وأجنداتها على الدول الاخرى فمجابهتهم لا تكون بخلق حالة قتالية معها بل العمل بمبدأ المصالح المتبادلة وتقوية دولنا اقتصاديا وعلميا لنستطيع ان نكون اندادا لهم لا اتباع. ولعدم وجود منطق الفكر السليم عند التنظيمات الجهادية وابتلائهم بالبعد الفكري الواحد فلغة الحوار الوحيدة التي يمتلكونها هي لغة القتل والجهاد الذي لا يعرفون غيرها في الوقت الذي اثبتت هذه اللغة عدم جدواها.

2- المبرر الوحيد لقتال تلك الدول "اسلاميا" يكون في حال اذا منعوا انتشار الاسلام في مجتمعاتهم، وفي الوقت الذي تمنع فيه الكثير من حكومات الدول الاسلامية دعاتها من العمل فيها بشكل حر فان الدول الغربية وأميركا تسمح للإسلام وغير الاسلام من الانتشار في مجتمعاتها دون أي قيود ويتبنون مبدأ حرية التعبير والرأي مما يفند أي قول في جواز قتالهم (وهو السبب الوحيد الذي جعل الرسول يقاتل الطرف الاخر).

بسبب هذه الافكار التي تحاول هذه التنظيمات من نشرها بين المنتمين اليها وإباحة القتل بطرق بشعة لا تتوالم مع الفطرة البشرية للإنسان سواء أكان كافرا ام مؤمنا فقد تشوهت صورة الاسلام عند غير المسلمين لدرجة ان الاسلام اصبح يقترن بالدم والإرهاب. ليس هذا فحسب بل ان الاسلام بدا يتراجع في المناطق الاسلامية نفسها بسبب اساليب هؤلاء، فالدراسات الاخيرة تشير الى ان شعوب المنطقة الاسلامية الان هي من اكثر الشعوب توجها للإلحاد في العالم. وان كان الاعلام الغربي مسئولا عن ترسيخ فكرة مشوهة عن الاسلام عند الناس فهذا لا يبرئ ساحة فقهاء الجماعات الاسلامية من التهمة. وإذا كنا كمسلمين نؤمن بان الدين هذا ليس ملكا لأحد بل لجميع البشر فان قادة هذه التنظيمات يتحملون ذنبا عظيما بمنعهم لغير المسلمين من التعرف على الاسلام الصحيح.