عندما يعترف الملك بحقوق المهاجرين بالمغرب

في 12 أكتوبر من سنة 1999 بمدينة الدار البيضاء أعلن الملك محمد السادس، في خطاب إلى مسؤولي الإدارة الترابية وأطر الإدارة المركزية وممثلي الهيئات المكونة وكذا ممثلي المواطنين، عن مفهوم جديد للسلطة وإطار مرجعي يرتكز على ضمان حماية الحريات الفردية والجماعية وصيانة حقوق المواطنين وتوفير الظروف الملائمة لترسيخ دولة القانون والحق تتحدد على أساسه مجالات السلطة وطبيعتها تحت نظام الملكية الدستورية الديمقراطية والاجتماعية والتعددية الحزبية والليبرالية الاقتصادية.

ما يهمنا في هذا السياق من المفهوم الجديد للسلطة كقرار مفصلي ومهم اتخذه الملك مباشرة بعد اعتلائه العرش هو ذلك الخطاب التاريخي في 9 مارس 2011 الذي أعلن فيه عن إجراء تعديل دستوري شامل يعزز العملية الديمقراطية ويفَعِّلُ مجال المساواة في الحقوق والحريات وينبذ العنصرية بجميع اشكالها، ويتبعه تاريخ 9 سبتمبر 2013 حيث تم تفعيل مقتضيات هذا الدستور في مجال الحقوق باطلاع العاهل المغربي على تقرير "للمجلس الوطني لحقوق الإنسان" يعنى بوضعية المهاجرين واللاجئين بالمغرب وإشادته بما جاء فيه من خلاصات.

الهجرة كانت دوما مطلبا إنسانيا واقتصاديا وثقافيا والمغرب منذ تاريخه كان أرضا تتفاعل فوقه جميع تيارات الهجرة ذهابا وإيابا من المشرق والجنوب نحو أوروبا ومنها إلى إفريقيا، وهذا ما جعل المملكة تبلور علاقات متجذرة مع جل الجنسيات العابرة لأرضه ومنها بلدان إفريقيا.

التقرير الذي قدم للعاهل المغربي يشكل سابقة على الصعيد الإقليمي بحيث شَخَّصَ بدقة وضعية المهاجرين الوافدين إلى المغرب وبالخصوص من إفريقيا أملا في عبورهم إلى أوروبا وتحسين اوضاعهم المعيشية. جاء التقرير الموضوعاتي في هذا الظرف ليعكس الوضعية التي يعيشها هؤلاء الأفارقة وبكثير من الاحترافية والمصداقية إذ ركز على مكامن الخلل في التعامل مع تلك الشريحة من الناس التي من الضروري الانتباه إليها في مقاربة حقوقية تحترم مبادئ حقوق الإنسان العامة، وكان التفاعل الملكي الايجابي مع هذا التقرير لبنة جديدة في المسار الحقوقي الذي تعرفه البلاد منذ وقت طويل إضافة إلى لمسة تضامنية ورؤية عميقة في علاقات المملكة مع الدول الإفريقية، وهناك أربع توصيات جاءت في التقرير التي وصفها الملك بالوجيهة هناك:

أولا: ما دام وضع إطار قانوني ينظم عملية اللجوء وإدماج اللاجئين في المجتمع بكل الأشكال وعلى جميع المستويات المعيشية في المملكة والاهتمام بوضعيتهم، فقد أشار التقرير إلى انه لابد للحكومة المغربية من منح بطاقة الإقامة للحاصلين على صفة لاجئ التي تمنحها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. إضافة إلى ضمان احترام مبدأ عدم الترحيل تماشيا مع المادة 33 من اتفاقية جنيف لسنة 1951، وذلك بإمكانية تقديم طلب اللجوء حسب منطوق المبادئ الواردة في تصدير دستور 2011 وشروط ممارسة حق اللجوء المعترف به في الفصل 30.

ثانيا: الاهتمام بالأجانب الموجودين في وضعية إدارية غير قانونية، إذ حمل التقرير الحكومة النظر في حالات الأجانب الموجودين فوق ارض الوطن في وضعية إدارية غير قانونية واضعي مع الأخذ في الاعتبار كآليات التسوية مدة الإقامة وحق الانتماء للعائلة والعيش معها والاندماج داخل النسيج المجتمعي. وعلما بان المغرب سوف يبقى ارض استقبال للمهاجرين الذين سوف تراقبهم السلطات المعنية كاختصاص سيادي وتحت ضمانات دستورية تنبذ التمييز العنصري وسوء المعاملة وضمان المحاكمات العادلة في حق المخلين بقوانين المملكة وفي إطار الحقوق المخولة لهم المنصوص عليها في القانون الدولي خاصة الاتفاقية الدولية لحماية العمال المهاجرين وأفراد أسرهم ضد أي أشكال العنف الممارس على المهاجرين في وضعية غير نظامية خلال عمليات التوقيف ايضا بزجر المشغلين المستغلين لهم.

ثالثا: لمكافحة الاتجار في الأشخاص، دعا التقرير الحكومة المغربية الى التعامل بنصوص في القانون الجنائي مع كل من ثبت في حقه انه تعامل بكل الطرق غير القانونية في استقطاب المهاجرين من دول أخرى من اجل الاستغلال القسري سواء في الدعارة والاستغلال الجنسي او الاسترقاق والاتجار في البشر. وأهاب التقرير الحكومة الاسترشاد بمقتضيات القانون النموذجي لمكافحة الاتجار بالأشخاص الذي أعده مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لسنة 2009. في إطار خطة وطنية يتعاون فيها جميع المصالح الإدارية والحقوقية تستهدف حماية الضحايا والشهود وتفعيلا للإصلاحات على المستوى التشريعي الذي تعرفه البلاد.

رابعا: أشار التقرير كذلك إلى ضرورة نظر بالحكومة في القوانين التي تمنح حق الأجانب في وضعية قانوني بحسب قانون الانتخابات ومقتضيات الفصل 30 من الدستور الذي يضمن منح الأجانب المقيمين بالمغرب إمكانية المشاركة في الانتخابات المحلية، بالإضافة إلى النظر في منحهم حق ولوج المناصب الإدارية ومناصب التسيير بالنقابات المهنية التي ينضوون تحتها.

هذا مع العلم أن المغرب حاليا كبلد يستقبل مهاجرين من إفريقيا متأثر بالأزمة الاقتصادية العالمية فقد عملت البلاد بكل مكوناتها على إكرام الوفادة كما هو معروف على المغاربة بلا عنصرية بعكس ما تروجه بعض الأقلام التي تعوم في الماء العكر تماشيا مع مبالغات في تقارير دولية مهتمة بشأن الهجرة والمهاجرين. ولا يخفى أن الدولة بمؤسساتها ذاهبة في طريق المحاسبة الصارمة فيمن تسول له نفسه التعامل مع أي مهاجر بلغة عنصرية او استغلال وضعيتهم والمتاجرة في مشكلاتهم.

من هنا نجد أن التقرير الذي حضي بالإشادة الملكية اخذ بعين الاعتبار المسار الإصلاحي الذي تعرفه المملكة وجنوحها إلى استكمال صرح دولة الحق والقانون في موازاة مع الانفتاح على التعاون الدولي في إطار الشراكة من اجل تسهيل حركة الأشخاص، بما يسمح بتبادل المعلومات وتعبئة المساعدة الإنسانية والخبرة القانونية الضروريتين ونشر الممارسات الجيدة والمساعدة على العودة الطوعية، هذا التعاون تتداخل فيه السلطات العمومية والمجتمع لمدني مع جمعيات المهاجرين. ونظرا لما يتطلبه هذا الأمر من دعم لوجيستي ومادي فقد أعربت بعض الجهات الدولية المانحة على استعدادها للمشاركة ماليا في الجهود اللازمة لإدماج اللاجئين بعد حصولهم على بطاقة الإقامة لما لهذا الأمر من أهمية في تدعيم كل أشكال الأمن والاستقرار على ضفتي البحر الأبيض المتوسط.

لقد أكد الملك محمد السادس في بيان الديوان الملكي عن اقتناعه بأن "التعاطي مع إشكالية المهاجرين الوافدين على المغرب، التي هي محط انشغالات مشروعة وأحيانا موضوع نقاش وجدال واسعين، بطريقة إنسانية وشاملة، وفي التزام بمقتضيات القانون الدولي، ووفق مقاربة متجددة للتعاون متعدد الأطراف". إذن فملك المغرب لازال مواظبا على اتخاذ الخطوات التي يمكن اعتبارها أوراشا يطبعها التأني والحنكة والإنصات إلى نبض الشعب والانتقال في مسار واحد من المفهوم الجديد للسلطة الذي أعلن عنه إلى مفهوم متجدد كل يوم ويتطور مع المستجدات الداخلية والإقليمية والعالمية، بهذا الفهم نعتبر خطوة التفاعل الخلاق للمؤسسة الملكية مع هذا التقرير غير المسبوق وما احتواه من توصيات هامة تستبق الأحداث مع فهم عميق وغير متسرع لمعنى التغيير المبني على الإصلاحات المتناغمة مع التطور الذي يعرفه المجتمع المغربي في صيرورة لا تخطئها العين وشجاعة وجرأة في نقاشات الظواهر السياسية والاجتماعية والحقوقية والتنموية والثقافية التي تتحكم في هذا التطور في خضم محيط إقليمي ودولي يعرف الكثير من الأحداث المأساوية وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.