عندما يستبدل الإعلام اللسان بالعقل!

ألغى الإعلام والفضائيات عقول الناس في مصر. صاروا يهتمون بالشائعات وينبذون الحقائق، يدمنون النميمة ويرفضون المنطق. باختصار استبدلوا اللسان بالعقل. وقد تمكن منا اللسان وانتصر على العقل لأنه لا يجيد إلا الكلام والصراخ. والناس أصبحت تميل إلى التجريح والتجريس للآخرين. لا أدري لماذا استوطن الغباء فينا لدرجة أننا نأخذ مواقف متشددة لأننا نكره فلاناً حتى لو كان بريئاً، ونتساهل مع المتهم المدان ونتعاطف معه لأنه ضد الحكومة والنظام. هذه الحالة خلقها الإعلام في الفترة الأخيرة. بعض اصدقائي انضموا إلى معسكر اللسان الذي انتصر على فريق العقل وكلهم يريدون مني أن أنضم لهم أهاجم من يكرهون وادافع عمن يحبون، كأنني دابة يقودونها حيثما يشاءون. يقولون لي شمال فاتجه بهم شمالاً أو يدورون بي ناحية اليمين فلا أملك إلا السمع والطاعة.

وقد اختلفت مع اصدقائي كثيراً في الفترة الماضية، فأنا لا استطيع إلغاء عقلي، وهم لا يريدون التنازل عن اللسان والعاطفة. لم نستطع أن نلتقي وسط الطريق. الفلسطينيون والإسرائيليون يتفاهمون أحياناً، لكننا أهل الإعلام والصحافة في مصر أصبحنا في حرب طاحنة. معسكر العقل يخسر كل يوم أرضاً جديدة وأصحاب اللسان يقولون أنهم يؤمنون بأن الإعلام صناعة الكلام ونسوا أنها صناعة تعتمد على الحقيقة والمنطق والعقل. لن ينتصر العقل إلا إذا ازداد الوعي وقلت الأمية بين المجتمع وإلى ذلك الحين أقصي عليكم بعض ما دار بيني وبين الأصدقاء.

فهؤلاء الأصدقاء على سبيل المثال يريدوني الآن أن أسخر من عبد الرحيم علي أو أهاجم طارق نور بعد هذا الذي جرى على شاشة القاهرة والناس من تجريس رجل الاعمال ساويرس. وسيحب الاصدقاء جداً أن أنتقد بقسوة وعنف مواقف يسري فودة أو محمود سعد أو ليليان داود. ولن يمانعوا إن اصطدت أخطاء مهما يكن نوعها أو حجمها لإبراهيم عيسى أو عمرو أديب أو خيري رمضان أو لميس الحديدي. ويطالبوني طوال الوقت بشتيمة قناة الجزيرة لأنها في رأيهم نموذج فاضح للإعلام الكاذب الفاجر الذي لا ينشد الصدق أو الحقيقة وحدها. وسيصفقون لي إن جئت لهم بأية فضيحة شخصية لأي رجل أو امرأة وسيعتبروني وقتها نموذجاً رائعاً للإعلامي الشاطر الذي يجيد أداء واجبه في إسعاد الناس المهووسين بالفضائح وإشباع كل رغباتهم اللاأخلاقية واللاإنسانية أيضاً. هم باختصار مجرد كائنات غبية لا تجيد في حياتها أي شيء إلا الجلوس أمام شاشة التليفزيون أو مع الناس الذين فقط سيوافقونهم على كل آرائهم دون أي مراجعة أو انتقاد أو بحث عن الحقيقة بعيداً عن أي أهواء ورؤى شخصية.

باختصار هؤلاء يريدوني الآن أن أهاجم عبدالرحيم علي لأنه بدأ يذيع تسريبات ومكالمات مسروقة قد تطال من لا يرفضوهم أو يكرهوهم. يريدوني أن ألغي عقلي مثلما ألغوا هم عقولهم قبل وقت طويل ناسيين أن المبادئ لا تتجزأ وأن الحقائق والأخلاق لسن نساء يخرجن كل ليلة بثياب مختلفة الشكل والألوان، وأن القضاء المصري، وفي العالم كله، يرفض أي دليل غير قانوني وغير معلوم المصدر أ ووسيلة الحصول عليه. بل إن حتى هذا القضاء الذي يحمي الصحفي ويمنع أي ضغوط عليه لذكر مصادر أخباره. يحاسب نفس الصحفي إن تجاوز في حق أي أحد وأساء إليه أياً كانت المصادر التي لا يريد الإعلان عنها. ومعنى أن العدالة عمياء هو أنها لا ترى المتهم قبل الحكم ببراءته وإدانته. فالأحكام واحدة لا تتغير بتغيير الشخوص والأسماء والذي قبلته بالأمس من أي أحد لأنه وافق هواك. ليس من حقك الآن أن ترفضه أو تلعنه أو تستاء منه متحدثاً عن الحقوق والمبادئ والأخلاق. كما أن هذا الإنسان وكل من هم مثله من الأغبياء الذين لا يفكرون والذين كانوا يبتسمون ويضحكون ويسخرون ممن تطالهم أي مكالمات أو تسريبات سواء قدمها عبدالرحيم علي أو أي أحد آخر، فاتهم إدراك أنهم يرسخون قاعدة التجسس والتلصص وسرقة الأسرار والشئون الشخصية تحت أي لافتة سواء كانت أمناً قومياً أو حماية للثورة أو حتى تأميناً لأي مكان.

لكنكم أيها الاذكياء سبق أن صدقتم ما قيل لكم بأن تسريب مكالمة شخصية بين صديقين هي دفاع عن الأمن القومي لمصر. ولم تسألوا أنفسكم أبداً هل مصر صغيرة وتافهة إلى حد أن إذاعة مكالمة شخصية مسروقة هي دفاع عن أمنها وعن قومها وأهلها؟ كما أنكم أيها الاذكياء لا تستطيعون بعقولكم المحدود ة أن تتخيلوا أنه حين تصفقون اليوم لصديق لكم نجح في اختراق مكالمة أو بريد إليكتروني لصديق ثالث لكما وتروا ذلك أمراً مسلياً ومضحكاً. فهذا الصديق إن اختلف معكم غداً فسيقوم بفضحكم أنتم. فحين تلقى الفضائح في أي مجتمع كل هذا التصفيق والإعجاب، فليس من حق أحد بعد ذلك أن يشكو أو يرفع راية المبادئ والأخلاق إن جاء يوم وأصبح فيه هو نفسه الضحية وصاحب الفضيحة الجديدة.

وبهذه المناسبة أتوقف أمام هؤلاء الذين غضبوا جداً وتخيلوا أن إيقاف تلك التسريبات والمكالمات المسروقة كان فقط خوفاً من سطوة المال والنفوذ. لم يغضبوا من أجل أي مبدأ أو حق سواء كان لغني أو فقير وكأنه حلال ومشروع هتك عرض أي شخص لو كان غنياً أو نجماً مشهوراً باعتبار أنه متاح دائما، وحلال قطعاً استباحة أعراض البسطاء والذين بلا مال أو نفوذ..

هؤلاء يريدوني أيضاً أن أهاجم الجزيرة لأنها تكذب ولا تقول الحقيقة. وأنا سأوافقهم على ذلك بشرط أن يحترموا أنفسهم ويتخلوا عن غبائهم ولو مؤقتاً ويسمحوا لي من حيث المبدأ بانتقاد أي إعلام يكذب، سواء كان إعلاماً يناصر الإخوان أو يحاربهم ويفضحهم. فالجزيرة تكذب بالفعل وتتآمر على الحقيقة وتخدع الناس عمداً. لكن لدينا أيضاً من يقوم بنفس الممارسات ونصفق لهم فقط لأنهم يقومون بهذه الجرائم ضد الإخوان. وكم كان الأمر مؤسفاً أن يقوم التوانسة بتعليم شعائر الحج لمن طلبوا الحج هذا العام فتم بناء كعبة مؤقتة وبقية شواهد الحج مع تفاصيل ممارسة الشعائر ليتعرف عليها الحجاج استعداداً للسفر إلى مكة. لكن إعلامنا المهووس بالحرب المقدسة وغير المقدسة ضد الإخوان أحال هذا الأمر إلى شيء آخر تماماً... خاطئ وسافل وقبيح أيضاً. فقد قال هؤلاء الإعلاميون غير المقدسين وغير المحترمين أيضاً إن إخوان تونس قرروا بناء كعبة جديدة يحجون إليها لأنهم لا يريدون السفر إلى السعودية التي وقفت مع سلطة الإنقلاب في مصر وبالتالي كان لابد أن يجد الإخوان كعبة أخرى وأن تصبح قابس التونسية بديلاً لمكة السعودية. كلام كاذب ووقح واتهامات لا معنى لها. والأغرب أن هؤلاء الإعلاميين وجدوا جماهير كثيرة تسعد بأكاذيبهم وتتناقل هذه الحكاية عن الحج التونسي لمزيد من السخرية من الإخوان والهجوم عليهم. وأسألكم الآن أيها الاذكياء الذين شاركتم في كل هذه المهزلة: ما هو الفارق بينكم وبين الذي يكذب على شاشة الجــزيرة؟ ولماذا تريدوني أن أصفق لكم مع أنكم أيضاً تكذبون؟!