عندما يدعو محمّد السادس الى التعبئة...

الملك محمّد السادس رجل صريح. صريح مع المغاربة أوّلا. لا يبخل عليهم بشيء. لا يبخل عليهم خصوصا بما يجب أن يعرفوه عن أوضاعهم الداخلية أو عن التحديات التي تواجه المغرب على الصعيدين الاقليمي والدولي.

من يحتاج الى دليل على ذلك يستطيع العودة الى نصّ الخطاب الذي ألقاه العاهل المغربي في افتتاح الدورة الجديدة للبرلمان المغربي.

افتتح محمّد السادس "السنة التشريعية للبرلمان" بالاشارة الى أنّ "هذا الحدث يصادف الذكرى الخمسين لتأسيس البرلمان المغربي". نعم، عمر البرلمان المغربي نصف قرن. وهذا يدلّ على أن التجربة البرلمانية في المغرب ليست حديثة، بل انها جزء من الحياة السياسية في المملكة، حيث احزاب سياسية قديمة تعبّر أفضل تعبير عن التنوع السياسي في البلد وغنى هذا التنوع. انه تعدد لا يغيب عن الملك الذي يقول في خطابه انّ "البرلمان المغربي ذاكرة حيّة، شاهدة على المواقف الثابتة والنضالات الكبرى التي عرفتها بلادنا في سبيل السير قدما بمسارها السياسي التعددي".

ليس صدفة أن الحياة السياسية في المغرب تتطور باستمرار من خلال البرلمان الذي أصبح اليوم "المسؤول الوحيد عن اقرار القوانين" على حد تعبير محمّد السادس.

من يعتقد أن المغرب راض عن التطور الذي تشهده الحياة السياسية والاقتصادية فيه يرتكب خطأ. نبّه الملك الى هذا الخطأ بتركيزه على المشاكل التي تعاني منها الدار البيضاء، وهي أكبر مدينة مغربية والعاصمة الاقتصادية للمملكة. لم يتردد في الاشارة الى أن الدارالبيضاء تعاني. قال صراحة أنّ الدار البيضاء "هي مدينة التفاوتات الاجتماعية الصارخة، حيث تتعايش الفئات الغنيّة مع الطبقات الفقيرة. وهي مدينة الابراج العالية واحياء الصفيح. وهي مركز المال والاعمال والبؤس والبطالة وغيرها، فضلا عن النفايات والاوساخ التي تلوث بياضها وتشوّه سمعتها".

لا يجد محمّد السادس غضاضة في قول الاشياء كما يجب أن تقال بعيدا عن المجاملات والكلام المنمق الذي لا معنى له. كلّ كلمة في خطابه ذات معنى وهي تعكس رغبة في الدخول في التفاصيل، كل التفاصيل المتعلقة بمدينة الدار البيضاء والاسباب التي تحول دون تحقيق الطموحات المغربية المتمثلة في جعل المدينة "قاطرة للتنمية الاقتصادية". فمكانة الدار البيضاء تؤهلها لهذا الدور في ظلّ"ارادة قوية لجعلها قطبا ماليا دوليا".

لا يخفي الملك أنّ "تحقيق هذا المشروع لا يتم بمجرّد اتخاذ قرار أو بانشاء بنايات ضخمة وفق ارقى التصاميم المعمارية". بكلام أوضح، يضع محمّد السادس أعضاء البرلمان والمغاربة المعنيين أمام مسؤولياتهم مؤكّدا أن "تحويل الدار البيضاء الى قطب مالي دولي يتطلب أوّلا وقبل كلّ شيء توفير البنى التحتية والخدماتية بمواصفات عالمية وترسيخ قواعد الحكامة الجيّدة وايجاد اطار قانوني ملائم وتكوين موارد بشريّة ذات مؤهّلات عالية واعتماد التقنيات وطرق التدبير الحديثة".

مثلما أن الملك محمّد السادس لم يجامل على الصعيد الداخلي، خصوصا لدى تطرّقه الى وضع الدار البيضاء ووضع الداخل المغربي عموما، فانه وضع البرلمانيين وجها لوجه مع الحقيقة. أشار في هذا المجال الى أهمّية "خدمة المصالح العليا للوطن والدفاع عن قضاياه العادلة وفي مقدّمها الوحدة الترابية لبلادنا". لم يخف أن "قضية الصحراء واجهت خلال هذه السنة تحدّيات كبيرة، تمكّنا من رفعها، بفضل قوّة مواقفنا، وعدالة قضيتنا، غير أنه لا ينبغي الاكتفاء بكسب هذه المعركة والافراط في التفاؤل. فقد لاحظنا بعض الاختلالات في التعامل مع قضيّتنا المصيرية الاولى، رغم التحرّكات الجادة التي يقوم بها بعض البرلمانيين والتي تظلّ غير كافية".

لا اغراق في التفاؤل بالنسبة الى قضية الصحراء المغربية، خصوصا أن هذه "القضيّة ليست فقط مسؤولية ملك البلاد وانما هي ايضا قضية الجميع: مؤسسات الدولة والبرلمان والمجالس المنتخبة وكلّ الفعاليات السياسية والنقابية والاقتصادية وهيئات المجتمع المدني ووسائل الاعلام وجميع المواطنين".

لم يتردد ايضا في التنبيه الى أن "الوضع صعب والامور لم تحسم بعد ومناورات خصوم وحدتنا الترابية لن تتوقّف، مما قد يضع قضيّتنا أمام تطورات حاسمة. لذا ادعو الجميع مرّة اخرى الى التعبئة القويّة واليقظة المستمرّة والتحرّك الفعال على الصعيدين الداخلي والخارجي للتصدي لاعداء الوطن أينما كانوا وللاساليب غير المشروعة التي ينتهجونها".

ركّز محمّد السادس على "المسيرة الخضراء" في خريف العام 1975 التي كانت تعبيرا عن الاجماع الوطني المغربي على استعادة الصحراء بعد جلاء المستعمر الاسباني عنها. ذكّر بـ"جوّ التعبئة وروح الوطنية العالية التي ميّزت استرجاع أقاليمنا الجنوبية بفضل المسيرة الخضراء المظفّرة وعبقرية مبدعها والدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني، أكرم الله مثواه، وهي الروح التي يجب أن تلهم كلّ تحرّكاتنا".

ما لم يقله العاهل المغربي أن هناك من يمكن ان يهرب من مشاكله الداخلية الى افتعال مشاكل في المغرب. من الواضح أنّ هناك، بين جيران المغرب، من يريد المسّ بالوحدة الترابية للملكة. لا تهاون في ذلك. تلك رسالة محمّد السادس الذي لا يخفي شيئا على شعبه لا على الصعيد الداخلي ولا على الصعيد الخارجي. لا في ما يتعلّق بالدار البيضاء ولا في ما يتعلّق بقضية الصحراء والدفاع عن التراب الوطني.

هذه الصراحة تبدو جزءا لا يتجزّأ من الاصلاحات التي بدأت منذ اليوم الاوّل لصعود محمّد السادس الى العرش. انها تعكس أوّل ما تعكس شراكة بين الملك والشعب. بين ملك يعتبر أنه حقّق نجاحا كبيرا عندما استطاع وضع الاحزاب المغربية على طريق اعادة تنظيم نفسها كي تتمكن من لعب الدور المفروض أن تلعبه، ان على صعيد تنمية البلد داخليا أو على صعيد الدفاع عن قضاياه الوطنية، في مقدّمها قضية الصحراء.

ليس سرّا أن قضية الصحراء، قضيّة مفتعلة لا يتردد النظام الجزائر في استخدام كلّ ما لديه من امكانات لاثارتها كلما دعت الحاجة. يثيرها بغية استنزاف المغرب من جهة والهرب من مشاكله الداخلية من جهة أخرى. أوليس ذلك سببا كافيا كي يستنهض محمّد السادس المغرب والمغاربة في وقت تمرّ الجزائر في مرحلة مخاض لم يعد معروفا فيها هل الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة هو المريض وحده أم أن البلد كلّه مريض معه؟