عندما يخطئ الرئيس... فيُصيب

بقلم: علي الصراف

لم يترك الرئيس المصري حسني مبارك احدا من الشيعة إلا وأثار غضبه بقوله الاسبوع الماضي "ان أغلب الشيعة موالون لايران على حساب أوطانهم". وعندما عاد المتحدثون باسمه ليصححوا ما قصد، فانهم "صححوا" ما كان صوابا، و"خطّأوا" ما كان صحيحا. فهم قالوا ان الرئيس لم يقصد من شيعة العالم سوى الشيعة العراقيين، وانه لم يوعز ولاءهم لايران لنقص في الوطنية وانما لوجود عتبات شيعية مقدسة في ايران. فأثبت هؤلاء المتحدثون، انهم قادمون من المريخ، وانهم، بدلا من مساعدة رئيسهم.. زادوا طينته بلة. خاصة بعد ان علموا - للمرة الأولى منذ نزولهم من المركبة الفضائية التي أقلتهم الى كوكب الأرض- ان العتبات الشيعية الرئيسية موجودة في العراق لا في ايران.
والحقيقة، فان الرئيس مبارك أخطأ في نسب ولاء الشيعة -ولو العراقيين منهم فقط- الى ايران، ولكنه أصاب في إيحائه بانهم ليسوا وطنيين.
ما من طائفي، على وجه الأرض، يستطيع ان يزعم انه وطني.
الطائفية، هي بالتعريف، نقيضٌ مطلقٌ للوطنية.
لماذا؟
لأن الانتماء الى وطن يكسر حواجز الطائفية ويرفع ابناء طوائفه الى مصاف شمولي جامع يناقض بطبيعته مصاف "التمايز" والاختلاف الطائفي. الوطني يعيش في وطنه بوصفه جغرافيا مفتوحة وهوية مشتركة. الطائفي يعيش في غيتو طائفته بوصفه إطارا خاصا به وحده. ومعايير الانتماء الى وطن ليست كمعايير الانتماء الى طائفة. الأولي، تتطلب قبولا للآخر، انصهارا به، وحمله على ما يحمل المرء نفسه. الثانية، تتطلب انفصالا عن الآخر، تمايزاً عنه، وحمله على محمل الضد المختلف.
الوطني لا يستطيع ان ينظر الى نفسه من خلال طائفته، بل ينظر الى طائفته من خلال وطنيته. في حين يفعل الطائفي العكس تماما. فالشيعي في العراق او لبنان او البحرين لا ينظر الى وطنه من خلال عراقيته او لبنانيته او بحرينيته، وانما من خلال شيعيته، فيري نفسه شيعياً ويري أن له، في وطنه، بناء على هذا، حقوقاً خاصةً وامتيازاتٍ تتصل بانتمائه الطائفي، في حين ان وطنيته لا تساوي شيئاً لانها، إذ تساويه بغيره، لا تعطيه ما تعطيه طائفيته.
وبمقدار ما يتعلق الأمر بالطائفيين الشيعة العراقيين، فانهم قد يكونون أي شيء، الا انهم لا يستطيعون ان يكونوا وطنيين، وذلك طالما نظروا الى انفسهم كشيعة قبل ان ينظروا الى انفسهم كعراقيين؛ وطالما نظروا الى شيعيتهم كامتياز يمنحهم سلطة لا يستطيعون كسبها كعراقيين.
بعض شيعة العراق، وخاصة احزابهم التي ترعرعت على أيدي "الموساد" والـ"سي.آي.أيه" و"الباسداران"، هم كأي طائفيين آخرين، أكثر استعدادا، على هذا الأساس لبيع وطنهم، كما هو حاصل اليوم، مقابل امتيازات طائفية.
وهم، مؤهلون من الناحية العملية ليكونوا عملاء ومأجورين، او ان يقفوا الى جانب عملاء ومأجورين، ولا يشعرون بالعار عندما يتحالفون مع دبابات العم سام، ولا مع دبابات أي خنزير، طالما انهم يكسبون من وراء طائفيتهم شيئاً.
هل لا يوجد بين الشيعة وطنيون؟ السؤال نفسه كفر. فهناك ملايين الشيعة في العراق ولبنان والبحرين والسعودية، ينظرون الى شيعيتهم كتنويع في قوس قزح وطني جامع وتوحيدي وشامل. وهناك الملايين، في العراق ممن يحاربون الاحتلال، بوصفهم وطنيين أولاً، ولا يريدون من شيعيتهم ان تمنحهم أي امتياز يفوق امتياز كونهم عراقيين.
***
الشيعي، في طائفيته، ليس مواليا لايران، ولا يمكن ان يكون.
نعم، هناك أحزاب شيعية موالية لايران أو اسرائيل أو الولايات المتحدة، بحسب مقتضيات العمالة والانحطاط الاخلاقي - قبل السياسي. ولكن طائفية الشيعي، هي نفسها، لا تسمح له، بموالاة ايران. حتى الشيعي الايراني لا يمكن ان يكون مواليا لايران. أولا، لانه لا يستطيع، بشيعيته، ان يكون وطنياً. وثانيا لانه يوالي كيانية سياسية طوباوية هي "ولاية آل البيت". الشيعي الايراني، قد يشعر انه فارسي، فيكون قومياً أكثر منه طائفياً، الا انه بطائفيته وحدها، لا يستطيع ان يكون موالياً لايران إلا بمقدار ما توالي هذه الإيران تلك الولاية الطوباوية لآل البيت.
عندما ينظر الشيعي الى نفسه كشيعي، فهو شيعي.
وعندما ينظر السني الى نفسه كسني فهو سني.
ولكن عندما ينظر العراقي الى نفسه كعراقي، فهو عراقي. تلك هي نهاية القصة.
الطائفيون الذين يقودون حربهم اليوم في العراق حول السلطة بوصفهم شيعة، وبوصف شيعيتهم امتيازاً، ليسوا وطنيين، ولا يمكن، بالتعريف، ان يكونوا وطنيين. وهم قد يكونون أي شيء الا انهم لا يستحقون حتى حمل هوية عراقية، دع عنك تمثيل العراق او النطق بإسمه. العراق بالنسبة لهم ليس سوى مطية، يركبونها من اجل الامتياز السلطوي الذي تمنحه لهم الطائفة. انه ليس وطناً يتشاركون فيه على حدٍ سواء مع آخرين، ولا يستطيعون الانتماء اليه بصفته الجامعة. لهم جُحرٌ فيه، وكل ما يهم بالنسبة لممثلي هذا الجُحر هو حصتهم من تلك الخرافة التي تدعى "وطن".
أتراهم، اليوم، يتصارعون على "الحصص" والمناصب لانهم وطنيون أم لانهم طائفيون؟
وهل تَفْرق، بالنسبة للوطني، مَنْ يأخذ ماذا؟ ولكنها تفرق كثيرا بالنسبة للطائفي.
والحال، فهم اكتشفوا طائفيتهم لانه ليس لديهم شيء آخر يبررون به وجودهم ودورهم كعصابات سطو مسلح. ما هي العبقرية السياسية او الفكرية التي يصدر عنها حفنة النصابين الذين يتولون السلطة الطائفية في عراق الاحتلال اليوم؟ أي رؤية يحملون؟ ماذا كتبوا؟ ماذا قرأوا، سوى تقارير المخابرات ونشرات الحائط التي حولتهم الى أحزاب احتيال معترف بها من جانب اجهزة مخابرات لا تجهل، بدورها، أي قيمة -او بالاحرى: أي انحطاط- يمثلون.
الخواء السياسي والثقافي والفكري الذي تمثله أطراف الائتلاف الشيعي، ومثلهم أطراف التحالف السني، ومثلهم أطراف التحالف الكردي، هو ما يجعل الطائفية مذهباً سياسياً. انها غطاؤهم الوحيد. وسبيلهم الوحيد للسطو على السلطة. وهؤلاء، كلهم، ليسوا وطنيين، ولا يستطيعون، مهما زعموا، ان يكونوا وطنيين.
الرئيس مبارك قد لا يكون على صواب عندما يعتبر ان ولاء الشيعة هو لايران، ولكنه على صواب تماما عندما يشكك بوطنيتهم.
فالذين يضعون انتماءهم الطائفي فوق انتمائهم الوطني، ويحولونه، بالتالي، الى أداة لتدمير أوطانهم، كما هو حاصل الآن، قليل فيهم ما قاله مبارك. ولا شيء يبرر غضبهم المنافق عليه.
فعندما ينظر الشيعي الى نفسه كشيعي، فتلك هي نهاية القصة. هذا الانتماء هو "وطنه" الذي يستحق، لا أي وطن آخر.
الانتماء الى العراق او لبنان او البحرين او السعودية، بالنسبة لأي شيعي، يرى نفسه كشيعي، ليس سوى "تزوير هوية" مماثل تماما لعملية النصب التي تجعل طائفيي الاحتلال ممثلين لعراق سحقوه ومزقوه ونهبوه كما لم يُسحق ويُمزق ويُنهب بلدٌ من قبل على أيدي "ابنائه".
أأبناءٌ هم؟
***
هناك إذن، نوعان من الشيعة. الأول، هم شيعة الاحتلال، ويقف على رأسهم كل الذين يتواطئون مع أهدافه وسياساته. وهم يبيعون بلدهم بثمن بخس ليكون ضحية ميليشيات طائفية تستبيح دماء الأبرياء وتمارس فيهم أبشع انواع أعمال الإبادة والتهجير والتعذيب.
لا يستطيع أي من هؤلاء، وبخاصة مجرميهم الكبار، الذين سمحوا، ويسمحون باستمرار بأعمال القتل الطائفية، من دون أن يحركوا إصبعا، ان يزعموا انهم "وطنيون" ولا بأي معنى من المعاني. وهؤلاء قد يقولون زيفا وبهتانا انهم يوالون "آل البيت"، الا أنهم، جُبلوا، في الواقع، على التواطؤ مع الغريب والأجنبي بل وموالاة أي أحد يمنحهم فرصةً ودوراً وامتيازا.
وهؤلاء ليسوا نبتاً طارئاً في تاريخ التشيّع. انهم شيعة يزيد بن معاوية الذين باعوا الحسين بن على بن ابي طالب في موقعة كربلاء، بحفنة دراهم، وبعد ان قتلوه... ظلوا يلطمون عليه -على سبيل "التقية" طبعا.
وهناك، على المنقلب الثاني، وطنيون شيعة -لا شيعة وطنيين- أحرار وأبرياء مما يفعل عملاء ومأجورو المنقلب الأول.
وليس سرا على أحد، ان آية الله علي السيستاني صار، من حيث يدري ولا يدري، رئيسا لشيعة الاحتلال ومأجوريه، لا الشيعة الآخرين. أولاً، لانه لا يفقه، من الأساس، معنى "الوطنية" او الولاء لوطن -فالمسألة بعيدة تماما عن ذهنه-. وثانيا، لانه بتقشفه وعزلته ظل عاجزاً عن رؤية ما يجري من حوله... إلا من خلال النافذة الضيقة التي فتحها له عملاء الاحتلال وصنائعه، فصار واليهم وراعيهم، ولو على حساب ملايين العراقيين الآخرين الذين لم يستطع -لسبب عجيب- ان يرى ما يحل بهم.
والملفت ان السيستاني كان يعرف كيف يصدر فتوى لدفع الشيعة للمشاركة في الانتخابات لاضفاء شرعية على وجود الاحتلال، إلا انه لم يعرف كيف يصدر فتوى تدين أعمال القتل والتهجير والتعذيب التي تمارسها المليشيات الشيعية ضد السنة. وهو صَمَتَ صمتْ القبور عندما كانت المدن العراقية -ذات الأغلبية السنية- تستباح حتى بالأسلحة الكيميائية.
لماذا؟
أهكذا تكون الموالاة "لآل البيت"؟
وبطبيعة الحال، فليس من مصلحة الطائفيين ان يبدو ان هناك أحداً غيرهم. لان وجود وطنيين بين أبناء طائفتهم، ينسف، من الأساس، مبرر وجودهم، ويزعزع، من الأساس أيضا، القاعدة التي يبررون بها سطوهم على السلطة بإسم الطائفة. وهذا هو، في الواقع، السبب الذي جعل صورة الشيعة تبدو للرئيس مبارك وكأنهم، كلهم، موالون لايران، وكلهم خونة لوطنهم.
ولكنه، من دون معونة متحدثين هبطوا من المريخ، أصاب حيثما "أخطأ"، وأخطأ حيثما "أصاب". علي الصراف