عندما لا يتقن السياسيون اللعبة في العراق

جميع فرقاء العملية السياسية في العراق سواء الحاكمين أو المهمشين يتملكهم شعور بأنهم قادرون على خوض غمار شوط المنافسة الانتخابية لمجالس المحافظات وجميعهم يشتغل في بازار التحشيد الشعبي وكسب الولاءت مجدداً وينفقون المال السياسي ومصادره لم تعد خافية على المواطن العراقي المظلوم سواء اكانت محلية أو خارجية.

لا شك إن إمكانيات الاقتدار في هذا التحشيد هي عند من يمتلك الحكم. والمعادلة المعتلة في التوافق والشراكة لم تعد قائمة اليوم. وهذا هو التغيير الوحيد الذي حصل في المشهد على مستوى العملية السياسية. وللأسف الشديد إن الفرز الذي حصل بين قطبين طائفيين عند عرب العراق (شيعي سني) الى الجانب العرقي المتمثل بالأكراد والتركمان، خصوصاً بعد الجهد الذي بذله المالكي في تفتيت القائمة العراقية، وحقق نتائجه، وآخر حلقاته (المطلك – الكربولي) في محاولة منه لبناء مشروع "الأغلبية السياسية" لكي يبعدها عن الوصف الطائفي، لأنه يشعر بأن خصمه الأول هو "القائمة العراقية" مع إن مثل هذه الاصطفافات تبدو مبكرة خصوصاً لكونها انتخابات مجالس محلية، مع ان مؤشراتها ليست ببعيدة عن الانتخابات العامة. لا بد أن تكون على الرف أية فكرة تتحدث عن معايير العمل الديمقراطي القائل بتنافس الانجاز للمواطن، أو التخلص من الغول الطائفي الذي مزق البلد بسكاكين السياسيين أنفسهم.

إذن بيئة اللعبة الانتخابية وصراعاتها وسجالات زعاماتها ستظل تدور في عناونين ليست لها صلة بالمواطن، وإنما بمسلسل تبادل الشكوك والاتهامات ولي الأذرع والاستفادة مما تخلفه المفخخات وكواتم الصوت من دماء عراقية بريئة. ومع كل ما يبدو على السطح من رتابة الحالة السياسية وضجر المواطن الشيعي والسني وخيبته من جميع السياسيين على مسرح العملية السياسية، إلا أن التطورات المحلية والاقليمية التي استجدت خلال السنوات الثلاث الماضية، أشارت الى احتمالات حدوث خرق في الجدار السياسي العراقي لصالح المواطن العراقي، واستنفرت كافة الاستعدادات لاخماد وكسر أي محاولة لإحداث فوهة في جدار العملية السياسية لصالح العراقيين.

فعلى الصعيد المحلي كانت الدورة الثانية للطاقم الحكومي الذي ترأسه السيد المالكي أكثر تعقيداً ومشكلات، والسياسات والاجراءات التي لها أبطال وزعماء محليين طالت كرامات الناس وأساءت الى قيمهم وتقاليدهم في الوحدة الوطنية حيث تعمقت الثقافة الطائفية في فروع وشعيرات الخدمات الحكومية في الجانبين الحياتي والأمني. فحملات الدهم والاعتقالات وانتهاكات حقوق الانسان وأضرار المخبر السري سجلت مستويات عالية في الأذى، الى جانب ما أحدثه الفساد المالي والاداري من تخريب وهدم لأية محاولة للتنمية الشاملة في البلد، مع تزايد جنوني وملاييني في مدخولات منتسبي الأحزاب المهيمنة على السلطة والموزعين في أروقة الحكومة ووزاراتها، وكبرت أخاديد الشرخ التي فتحها سياسيو العملية السياسية ومليشياتهم داخل المجتمع، في ظل مناخ فقدان الثقة بين فرقاء تلك العملية تصاعد في الشهور الأخيرة الى مستويات الحرب الاعلامية بين الفريق الذي يقوده المالكي وبين غالبية القوى السياسية العربية والكردية ومن بينها قوى فاعلة داخل التحالف الوطني الذي أنتج الحكومة الحالية.

تمحور جوهر الصراع على مفاعيل التحكم بإدارة العراق مدنياً وعسكرياً، لدرجة ظهور عناونين تشكك بقيادة المالكي للسلطة ونزوعه "نحو الاستفراد والدكتاتورية" وهذا الحشد استخدم "البرلمان" كمكان يجمع كل فرقاء العملية السياسية وأوزانهم داخله، وأصبح السيد مسعود البرزاني مركز ثقل في الحشد السياسي المواجه للمالكي. وحاولت الولايات المتحدة صاحبة الفضل على أهل الحكم الحالي في العراق استخدام ثقلها في التأثير على أطراف العملية السياسية جميعهم، لكن يبدو إنها لم تحقق أي تقدم في مواجهة النفوذ الإيراني، وتأثيراته على المشهد السياسي في العراق. وظلت البلاد خلال الشهور العشر الأخيرة مشغولة بهذا المسرح "التهريجي" وتحول كل من 275 عضواً برلمانياً الى محطة تلفزيونية لحالها، يبثون الخطب والأخبار والمناكفات السياسية في صورة محبطة ومشوهة للحرية والديمقراطية، في وقت عجز فيه البرلمان العراقي كمؤسسة رقابية وتشريعية عن تحقيق الحد الأدنى من مطالب الشعب واسترجاع وحماية حقوقه. في المقابل استحضر المالكي إمكانياته في خوض المعركة السياسية ضد خصومه، وتصاعد خطابه السياسي والاعلامي يعاونه فريق من حزبه خرج في كثير من الأحيان عن ساحة الديبلوماسية السياسية الى ميادين التسقيط السياسي وكسر العظم، تحت شعور بأن مخاطر الحملة المضادة تتجاوز التنافس الى حملة منظمة تستهدف إزاحة المالكي وحزبه عن قيادة الحكم في العراق، وهذا ما جعل المالكي يعلن في افتتاح حملة دولة القانون الانتخابية أخيراً "بأنه لولا دولة القانون لكان العراق اليوم بوضع آخر".

التطور المحلي المهم الذي يشكل في نظر كثير من المراقبين الخطوة الأولى في احتمالات إحداث الفجوة في جدار العملية السياسية هي "تظاهرات خمس محافظات كبيرة ومهمة تشكل الحاضنة البشرية للعرب السنة في العراق". تلك التظاهرات نقلت أزمة العملية السياسية الى الشارع في ظل مناخ عربي لما أطلق عليه الربيع العربي. وبدلاً من التعاطي مع تلك التظاهرات السلمية باستحضارات سياسية تقلب المعادلة لصالح رئيس الحكومة عن طريق استيعاب المطالب الشرعية وتحقيقها، وتحويل تلك الفرصة الى منبر للانجاز الوطني الشعبي الذي يمكن أن يكسب فيه المالكي معركته ضد خصومه، ولن تكون هناك خسارة له، كان رد الفعل هجومياً وتشكيكياً ومخوناً للمظاهرات. للأسف الشديد لا يقرأ السياسيون العراقيون أو يطلعون على التجارب الانسانية الحالية. فهذا القائد نلسون مانديلا الذي ما زال حياً، خرج من السجن العنصري الذي دمر شعبه وخلف مئات الألوف من الضحايا، وقاد الحكم بعد رفعه وتنفيذه شعار المصالحة والسلم الأهلي في جنوب أفريقيا والعفو العام عن جميع القضايا ما عدا القضايا التي يطالب بها أفراد الضحايا، بل وشكل حكومة أدخل فيها أعداء شعبه العنصريين البيض الذين ذبحوا السود. ولهذا تحول الى بطل عالمي يستقبله بحفاوة أعداء الأمس في أميركا وبريطانيا وأوروبا. أما في العراق فيتم سن قانون الاجتثاث وتحويل إسمه للتخفيف اللفظي الى المساءلة والعدالة الذي أصبح سيفاً حز رقاب مثات الألوف من الأبرياء وطال حتى قسماً كبيراً من معارضي صدام الذين فصلوا من قبل النظام السابق، ممن كانوا يوم ما بعثيين، وحجبت عنهم حقوقهم الوظيفية في حين لفّقت آلاف الملفات لآخرين وحولوا الى مفصولين سياسيين لأسباب تتعلق بالانتقاء الطائفي.

أما الظرف الاقليمي المحيط بالعراق، خصوصاً الحالة السورية، حيث تسير الأمور في داخلها الى تطور دراماتيكي سيقلب معادلة الحكم في أدنى الاحتمالات السياسية الى إقصاء بشار الأسد ونظامه من سلطة سوريا، وانفراط التحالف الذي اشتغلت عليه طهران منذ سنوات لاجبار أميركا والغرب على قبولها والاعتراف بها كقوة نفوذ نووية كبرى في المنطقة، والمقصود بذلك العراق وسوريا ولبنان ومنطقة الخليج، أي المنطقة التي تمتلك 60% من الانتاج العالمي للنفط. وهو نفس السيناريو الذي نفذه صدام في احتلاله للكويت عام 1990، وكانت نتيجته إزاحته ونظامه عن السلطة عام 2003. هذه الحالة المعقدة بين إيران وأميركا والغرب تتطلب من قادة العراق عدم زج بلدنا في صراع خاسر والنأي بالنفس عن معركة "النفوذ" هذه، وعدم الدخول كطرف منحاز الى جانب نظام بشار في المعركة القائمة حالياً بينه وبين المعارضة المسلحة السورية.

ما يحدث في العراق اليوم على المستوى السياسي ليس له علاقة بأدنى المعايير القائلة بأن عمر "الديمقراطية المتميزة" بالعراق عشرة سنوات، إنه صراع بين مكونات طائفية وعرقية على الحكم، وجميع اللاعبين يتحركون في ملعب لا علاقة له بمصلحة الشعب العراقي الذي ينتظر الفرج.