عندما عُين الصائغ .. مديراً عاماً!

حكاية طريفة

في 15 ديسمبر/كانون اول من عام 2005 ، احتشد عدد من العراقيين، وانا منهم في دمشق، لوداع الشاعر، متعدد الابداعات يوسف الصائغ بعد صراع مرير مع المرض، أكل من الصائغ وسامته وألقه، وحوله الى حجم ضئيل جداً، أضاع ملامحه، وكلما التقيته، كان يقول لي: لقد انتهيت، فكنت اجيبه بكلمات فيها من التشجيع والثقة بالنفس، ما يسعده للحظات.

كان يردد على مسامع زائريه على الدوام، حكاية طريفة، كنت بطلها. فما هي هذه الحكاية؟

في العام 1986، ظهر ببغداد عمود صحفي يومي في محليات جريدة (الثورة) اهتم بمناقشة قضايا اجتماعية عامة، بأسلوب جديد، أثار اهتماما كبيراً لدى قراء الصحيفة بسبب جرأة الموضوعات التي يتناولها، وأسلوب كتابته، حيث العبارة الوجيزة ذات النفس الشعري الرشيق، ووضوح الفكرة وتسمية الأشياء بمسمياتها.. العمود المذكور، كان غوصاً في الشعور وفي أعماق الأشياء وكانت سطوره تكتظ بتفاصيل الحياة اليومية!

ومما زاد من اهتمام القراء، عدم معرفتهم بالاسم الصريح لكاتب العمود، حيث كان يذيل بتوقيع (جهينة). وقد بقي اسم الكاتب مجهولاً لعدة أشهر. ومع استمرار ظهور العمود اليومي، ازدادت رقعة التساؤلات لمعرفة اسم الكاتب. فالقارئ، مجبول على معرفة اسم من يقرأ له. ولم يكن يعرف الاسم الحقيقي الا عدد محدود من المحررين فقد اعتاد (جهينة) عند الانتهاء من كتابة عموده، تسليمه الى رئيس التحرير الشاعر حميد سعيد، الذي كان يكتب عموداً يومياً أيضاً على أخيرة (الثورة) بتوقيع (ح) وهو الحرف الأول من اسمه.

استمر كاتب عمود (جهينة) متخفياً تحت هذا التوقيع، لدرجة ان قراء الجريدة كانوا يبعثون برسائل تتضمن ما يريدون مناقشته من موضوعات، ويلحون في الوقت نفسه على معرفة اسم الكاتب. وكان في ظنهم أن الكاتب هو رئيس التحرير نفسه!

وفي إحدى زياراتي لمبني الجريدة وكنت منتسباً منها لرئاسة تحرير مجلة (وعي العمال) التقيت بالكاتب المكنى (جهينة) وهو بالمناسبة صديق قديم لي وكان جالساً وراء مكتبه المتواضع في احدى غرف رواق رئاسة التحرير في الطابق الثاني من المبنى. وبعد حديث ونقاش، سألته لماذا اختار اسم (جهينة) لتوقيع عموده الناجح في حين أن من المعروف لدينا نحن الصحفيين أن الصديق جليل العطية كان يكتب بهذا الاسم موضوعات عامة، مثيرة، في صحيفة (صوت العرب) البغدادية غير أن اجابته، لم تقنعني، بقوله: إن الاسم (شائع) وهو مثل معروف وليس هناك ضرر من استخدامه باعتباره دلالة ورمزاً (وعند جهينة الخبر اليقين)، وقبل أن أغادره، متوجهاً الى الشاعر حميد سعيد، للسلام عليه، قال (جهينة): عند الانتهاء من لقاء (أبو بادية) ويقصد رئيس التحرير ستجد مقالاً بتوقيع (جهينة: هدية مني لمجلة (وعي العمال) فشكرته سلفاً وكان عند وعده!

وخرجت من الجريدة حاملاً مقالاً من صفحتين مذيلاً باسم (جهينة) مع تأكيد بقصاصة مرفق بهما بأنه سيستمر بالكتابة للمجلة!

ونشرتُ الموضوع في أخيرة (وعي العمال) مع تنويه في الغلاف الأول بأن (جهينة) أصبح أحد كتاب المجلة. وكتبت سطوراً في اطار بمقدمة الكلمة هذا نصها (يبدأ الشاعر المبدع يوسف الصائغ بكتابة زاوية في كل عدد من وعي العمال) بتوقيعه المعروف (جهينة). علماً أن الصائغ مستمر في كتابة عموده اليومي الشهير في الزميلة جريدة الثورة الغراء).

لقد عرف الناس من تلك اللحظة أن (جهينة) هو الشاعر الصائغ. وللأمانة أقول: إن الصائغ اتصل بيّ بعد صدور العدد وقد امتد به الغضب قائلاً: سوف لن اكتب عندك!

ولم يمض على صدور العدد الذي حمل كلمة الصائغ (جهينة) يوم واحد، حتى رن الهاتف في مكتبي. كان المتكلم شخصا من المكتب الصحفي في رئاسة الجمهورية، راجياً تزويده بالاسم الكامل للشاعر يوسف الصائغ. لم أكن على دراية باسمه الثلاثي، فاعتذرت مشيراً عليه الاتصال بجريدة (الثورة) للحصول على ما يريد. فشكرني الرجل وفي اليوم التالي علمت أن موظف الرئاسة لم يحصل على مبتغاه، لأن الصائغ لم يكن موظفاً في جريدة الثورة. وليس لديه اضبارة في الجريدة. وأغلب الظن أن رئيس التحرير، وهو صديق محب للصائغ هو الآخر لا يعرف!

ولم يستغرق الوقت طويلاً، حتى كان الاسم الكامل للشاعر الصائغ على طاولة رئاسة الجمهورية ليصدر أمر تعيينه مديراً عاماً في وزارة الاعلام!

إذاً، كان عمود (جهينة) متابعاً لدى المسؤولين في هرم الدولة، غير انهم لم يكونوا يعرفون أن الصائغ هو (جهينة)!

اتصلت مهنئاً بالصائغ، وقلت له مازحاً (رب ضارة نافعة) فأجابني بصوته المعروف، شكراً وقهقه فرحاً وأضاف قائلاً بصوت يشوبه العرفان بالجميل: ستصلك قصيدة مني عنك. وقد فعل، وهي موجودة لديّ بخط يد الصائغ نفسه، وسأنشرها بكتاب مذكراتي بجزئه الثاني الذي أوشكت علي الانتهاء منه.