عندما تغدو القافية سجنا لقلم الشاعر

بيروت
قصيدة النثر لا تعنى كثيرا بالوزن الخارجي

قراءة مجموعة الشاعر الاردني محمد شمس الدين الموالدة قد تعيد الى القارئ أفكارا وأمثالا قديمة وقد تثير تساؤلات عن اتجاه كثير من الكتابات الشعرية الحديثة ومفهوم كاتبيها للشعر.

ومن الافكار التي تعيدها قصائد محمد شمس الدين الموالدة واحدة يجسدها مثل عربي في المحكية اللبنانية يتساءل قائلوه باستغراب عمن "يكون الدفتر بإيده وبيسجل نفسه نحس" ترجمة هذا الكلام "عمليا" تتجسد أمامنا لدى قراءة نتاج الشاعر الاردني.

عنده مشاعر وصور وحالات شعرية اكيدة لكن ذلك لا يظهر "في الدفتر" بشكل جيد فالموالدة مصر كما يبدو على خنقها بحبل يبدو احيانا اقرب الى سلسلة حديدية قاسية وذات حضور مفتعل ربما كان سببه تصور بعيد عن الصواب لمفهوم العمل الشعري انطلاقا من الكلاسيكية او التقليدية العربية وصولا الى قصيدة النثر.

مجموعة الموالدة "تلك رؤياي وانا الشاهد الوحيد" جاءت في 200 صفحة متوسطة القطع ضمت اكثر من 90 قصيدة صغيرة في معظمها وقد صدرت عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر".

الموالدة مصر على الاتيان بما يتوهمه قافية شعرية وهي أقرب الى سجع غث ومعطل في الغالب لتجربة الشاعر الشعرية وهي أمر لا يمكن إنكاره في كثير من قصائده.

يجرنا هذا الامر الى المفهوم الشعري الذي راوح تاريخيا في تشكله بين القصيدة العربية ذات الوزن الواحد والقافية الواحدة وهو بعض ما جاء في وصف هذه القصيدة في عمود الشعر عند المرزوقي (..) وبين قصيدة التفعيلة اي تعدد الاوزان والقوافي وصولا الى قصيدة النثر.

اما شعر الموالدة فليس هنا ولا هناك ولا هنالك فاذا "حررنا" قصائده او فلنقل اذا حررناها من ذلك القيد الحديدي الثقيل تحول كثير منها الى قصائد نثر حديثة موحية.

واصراره على تلك القوافي قد يسطح عددا كبيرا من قصائده وقد يدفعه الى منزلقات واخطاء لغوية.

في القصيدة الاولى التي سميت "غلبة" نواجه ما يضرب القصيدة من خلال محاولات التقسيم والشرح المفتعلة ومن خلال تضافر ذلك مع القافية التي اشرنا اليها.
نقرأ "أغالب الوقت والوقت يغلبني.. واشقى من اليأس ونفسي تصرعني.. وجدت نفسي ثقيلة في الصباح وبدا اليوم يوجعني.. وسحابة الموت صارت رفيقة حمقاء لا تفارقني".

الى أن يقول "أنا شارد التصق باشجار خريفية.. ورغبة في الدفء تأكلني.. الريح قاسية هنا وخلف الليل ذئاب تلاحقني".

واذا اغفلنا من حيث المبدأ مسألة "الوزن" فسنجد ان الشاعر يضطر في النهاية الى ضرب القافية نفسها او ما توهمه قافية فيقول "أسكن الى نفسي وانسل منها.. كما تنسل لحظة جميلة داخل الزمن".

ولا يقصد القارئ ان يتولى هو دور الشاعر لكنه لا يملك الا ان يتساءل.. ألم يكن من الاجمل او "الاصح" شعريا أن يقول مثلا في البداية "أغالب الوقت واشقى من اليأس.. وجدت روحي ثقيلة في الصباح.. وسحابة الموت صارت رفيقة حمقاء؟".

في قصيدة "ضائعون" تتكرر المسألة فنجد ان القافية تؤدي الى عملية " تنفيس" للاجواء الشعرية.

يقول "يبدو الاحبة مثل اجنحة تناثرت فوق امواج الشجر" انها صورة موحية جميلة لكن ما يتبعها يحرمها من كثير من جمالها.

نتابع القراءة "الليل ليس الوفا والنائمون في خطر.. حلم انا رددته.. حلم تردده الطبيعة.. وحلم يراودنا نحن الضائعون.. نحن البشر".

مثل آخر في قصيدة "بيضاء" نرى فيه كيف يتكرر تشتيت ايحاءات الصورة بما يأتي بعدها يقول "من نافذة الطائرة رأيت مدنا من القطن معلقة في الهواء.. رايت سحبا منثورة.. وبنايات وشوارع بيضاء.. رأيت نفسي مشدودا بين غيمتين.. مصعوقا بالكهرباء".

في قصيدة "الى المعري" يتجلى بوضوح سوء فهم العمل الشعري في تطوراته المختلفة. يقول "دلني ايها الاعمى.. دلني الى الطريق.. دلني الى ما هو اسمى.. فقد مللت البريق".

في "الشاب العجوز" استحضار لمطلع قصيدة "الطلاسم" لايليا ابي ماضي يقول الموالدة "لا اعرف متى أجيء.. ومتى يأتي ذهابي".

وفي قصيدة "اليهودي التائه" تقريرية باردة تزيدها القافية المفتعلة برودة. يقول "تهت في سيناء.. وزادتك النقب تيها.. فهذا طريق الحكمة.. وذاك يجعلك سفيها".

اما قصيدة "تلك رؤياي وانا الشاهد الوحيد" التي اعطت اسمها للمجموعة وجرى الاستشهاد بها على دفة الكتاب فقد تكون فيها خيبة للقارئ انها تضحك في اجواء قصيدة ميخائيل نعيمة "اغمض عيونك تبصر" لتهبط بك بعد ذلك الى ميكانيكية باردة.

يقول هنا "اغمض عينيك وحاول ان ترى.. ربما شيء في البعيد لا تعرفه قد جرى.. ربما رحلة قد بدأت المسير.. وقافلة من خلفك تباع وتشترى.. ربما صديق صار معتديا وكذب وافترى.. ربما قادك اهلك بقلوبهم وما قادوك الا للورا".

ختاما ربما ذكرت قصائد المجموعة القارئ برأي القائلين ان على الشاعر حتى من يكتب قصيدة النثر ان يكون على قدر من الالمام بالعروض.