عندما تعلم طفلة واحدة فإنما تعلم أمة بأكملها‎

العالم قبل عدة أيام بيوم الطفلة العالمي والذي يوافق 11 أكتوبر بعد أن اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2011 هذا اليوم ليكون مخصصا لتسليط الأضواء على حقوق الفتيات في التعليم الجيد والذي يشكل نقطة تحول في حياة الفتاة والمجتمع ككل، خاصة في العالم الثالث الذي تعاني كثير من نسائه في سبيل النهوض والتحرر من التخلف والفقر والأمراض.

الأمية من الآفات التي تعرقل أي تنمية حقيقية أو تقدم ملموس، خاصة في العالم العربي الذي يعاني من ارتفاع في معدلات الأمية بين سكانه، مما دفع بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "الألكسو" إلى التحذير من ارتفاع نسبة الأمية في المنطقة العربية بسبب عدم وجود تقدم حقيقي بالنسبة إلى ملف الأمية، خاصة في بعض الدول العربية. فمجموع عدد الأميين العرب من الفئة العمرية 15-45 يبلغ حاليا قرابة 67 مليون أمي وأمية. منهم 60% من الإناث. كما تشير أيضا إلى أن معدل الإلمام بالقراءة والكتابة لدى الكبار في الفئة 15 عاما وما فوق يصل إلى 72.1% وهذا يعني أن قرابة 27.9% من سكان الوطن العربي أميون.

هذه الأرقام الخطيرة تشكل واحدا من أكبر الأخطار والتحديات التي تعترض التنمية البشرية والاقتصادية والإنسانية في عالمنا العربي، خاصة إذا علمنا أن أعداد الأطفال المتسربين من التعليم يزداد يوما بعد يوم، وهو وصمة عار في جبين أمة عرفت يوما بأنها منارة العلم والثقافة. فحسب تقرير الرصد العالمي للتعليم للجميع عام 2011 وصل عدد الأطفال العرب غير الملتحقين بالتعليم ممن هم في سن الالتحاق بالتعليم إلى 6.188 مليون طفل وطفلة.

العالم الذي يعيش في الألفية الثالثة التي يتصدر العلم والمعرفة والتقنية الأولوية فيها يعيش بين جنباته أطفال أميون لا يعرفون القراءة أو الكتابة ولا يهتمون لها. ورغم الجهود التي تبذلها بعض البلدان بالتعاون مع المنظمات العالمية كاليونيسف وغيرها لمحاربة الأمية وتسرب الطلاب والطالبات من المدارس فمازال هناك ملايين الفتيات خارج المدارس من بينهن 31 مليون طفلة خارج المدرسة الابتدائية، و34 مليون فتاة خارج المدرسة الثانوية، ولنا أن نتخيل نسبة الفتيات العرب منهن، خاصة اللواتي حرمنا من التعليم بسبب الفقر وانتشار البطالة والحروب والصراعات الداخلية، بالإضافة إلى النظرة السلبية لتعليم الفتاة في بعض المجتمعات العربية، مما أسهم في تسرب كثير من الفتيات من المدارس وخروجهن في سن مبكرة إلى سوق العمل للمساعدة في تأمين احتياجات عائلاتهن أو تزويجهن لأول عريس قادر بغض النظر عن صغر سن الفتاة وقدرتها على تحمل مسؤولية الزواج وتربية الأطفال.

عندما رفع شعار "عندما تعلم طفلة واحدة فإنما تعلم أمة بأكملها" لم يكن من باب المبالغة، بل هو حقيقة تؤكدها العديد من الدراسات والتقارير الدولية حول دور التعليم في زيادة دخل العائلات الفقيرة وزيادة الإنتاج الزراعي وكذلك خفض نسب وفيات الرضع والنساء في الدول النامية، فتعليم الفتيات هو محفز قوي لإحراز الأهداف الإنمائية في أي مجتمع، وبدونه ستبقى المرأة وكذلك المجتمعات في دوامة الأمراض والعوز.

يمكن للتعليم، خاصة التعليم الثانوي، تغيير حياة أي فتاة وتعزيز مجتمعها المحلي، وهذا الأمر مرتبط بالجهود التي تبذلها الحكومات ومؤسسات ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية في دعم جهود محو الأمية في الدول العربية والعمل على تعميم التعليم الأساسي وتوفير فرص حصول جميع الأطفال عليه. فرغم التقدم الكبير والمحرز في إلحاق الأطفال، خاصة الفتيات بالمدارس، إلا أن بقاء الفتيات وإكمالهن التعليم حتى المرحلة الثانوية لا يزال يمثل تحديا صعبا، خاصة في بعض المناطق والبلدان العربية التي تحرم فيها الفتاة من إكمال تعليمها، إما بسبب فقر عائلتها وعدم قدرتها على تغطية الرسوم الدراسية ومصروفات الانتقال والكتب الدراسية أو بسبب الحروب والصراعات الداخلية التي ابتلينا بها في السنوات الماضية أو العادات والتقاليد التي ما أنزل الله بها من سلطان والتي حرمت كثيرا من الفتيات من حق التعليم رغم إسهامات المرأة العربية منذ البداية في نشر الدين الإسلامي وبناء الحضارة العربية وكانت منهن العالمات والفقيهات والطبيبات والمجاهدات في سبيل الله ومن تتلمذ على يدها كبار العلماء والفقهاء.

تنمية المجتمعات العربية وتقدمها رهن بمحاربة الأمية المتفشية بين النساء والفتيات العربيات، فلا تقدم ولا تطور لأمتنا ومعظم نسائها يعانين من ظلمة الأمية والجهل.