عندما تستعين النهضة بخصمها البورقيبي لكسر شوكة المعارضة

من الد أعداء النهضة إلى أسلوبها الوحيد للاحتفاظ بالحكم..

تونس - من يعتقد أن حركة النهضة الحاكمة وافقت على الحوار مع المعارضة من أجل "تنفيذ خارطة الطريق" لإخراج البلاد من الأزمة التي تعصف بها منذ أكثر من شهرين، فهو واهم، لا لشيء إلا لأن الحركة الحاكمة ترفض من الأساس الخروج من الحكم غير أنها خيرت "الحوار من أجل الحوار" تحت ضغط سياسي وشعبي ما انفك يتزايد.

قبل بدء المفاوضات بين الحركة الإسلامية والمعارضة على اختيار اسم جديد يخلف رئيس الحكومة الحالي علي العريض تلكأت النهضة كثيرا في الإمضاء على خارطة الطريق واضطر راعي المفاوضات حسين العباسي (الأمين العام لاتحاد الشغل) إلى بذل جهود مضنية لانتزاع إمضاء رئيس النهضة راشد الغنوشي.

لكن الغنوشي المعروف بالعناد والمراوغة أضاف عبارة "تقبل النهضة خارطة الطريق على قاعدتها" وهو ما أثار حفيظة السياسيين والحقوقيين لما تتضمنه العبارة من تأويل ليس أقله أن الحركة الحاكمة لن تتفاوض مع المعارضة على تنفيذ بنود خارطة الطريق وإنما ستتفاوض على الإطار العام للخارطة.

وخلال جلسات المفاوضات الاولى التي خصصت لاختيار اسم رئيس الحكومة المرتقبة مارس الغنوشي شتى أشكال الضغط والعناد على المعارضة لفرض اسم مرشح النهضة أحمد المستيري على الرغم من المرونة التي أبدتها المعارضة للتوصل إلى حل بما في ذلك تخليها عن مرشحها محمد الناصر.

وعلى الرغم من التكتم الشديد على المفاوضات، فقد أكدت مصادر سياسية أن المعارضة اقترحت التخلي عن مرشحها محمد الناصر ومرشح النهضة أحمد المستيري من أجل التفاوض حول أسماء آخرين في محاولة منها للتقدم بالمفاوضات والتوصل إلى حل توافقي ينهي الأزمة التي تتخبط فيها البلاد.

غير أن نفس المصادر أكدت أن حركة النهضة "أمعنت" في التمسك بمرشحها الأمر الذي قاد المفاوضات إلى نفق مسدود وأفشل جهود راعي المفاوضات واضطر إلى إرجاء الحوار الوطني إلى أجل غير مسمى.

ولم يكن تمسك الغنوشي بأحمد المستيري بسبب اقتناعه بمؤهلات الرجل بقدر ما هو إصرار من الحركة الحاكمة على عدم الخروج من الحكم.

ويتجاوز عمر أحمد المستيري 88 عاما ما يجعله غير قادر على تحمل أعباء رئاسة الحكومة التي تنتظرها ملفات شائكة وفي مقدمتها التصدي للإرهاب وحل المشاكل الاجتماعية والنهوض بالوضع الاقتصادي وهو ما يستدعي منه العمل ما لا يقل عن 12 ساعة يوميا.

لكن الأهم من ذلك هو أن المستيري أحد كبار رجال الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة الذين يمقتهم الغنوشي بشكل كبيرا، ولا يرى فيهم سوى "نخبة متغربة من العلمانيين الذين ساندوا بورقيبة طيلة فترة حكمه في بناء دولة علمانية جردت تونس من هويتها العربية والإسلامية".

الغريب أن الغنوشي يعرف جيدا أن أحمد المستيري هو أحد كبار مهندسي قانون الأحوال الشخصية الذي وضعته دولة الاستقلال وخاض معارك ضارية ضد شيوخ جامع الزيتونة الذين عارضوه بشدة، وترى النهضة اليوم أن ذلك القانون يتعارض مع مرجعيتها العقائدية والفقهية ويتناقض مع نمط المجتمع الذي تسعى إلى بنائه.

ويبدو أن الحركة الإسلامية الحاكمة التي تحاول انتهاج "النفعية السياسية" فضلت غض الطرف عن الفكر البورقيبي من أجل مواجهة المعارضة العلمانية في مسعى إلى كسر شوكتها التي باتت تهددها.

غير أن السياسيين يرون في تمسك الغنوشي بأحمد المستيري أمرا أخطر من ذلك إذ يشددون على أن الحركة الإسلامية الحاكمة الخائفة على مصيرها بحاجة إلى شيخ طاعن في السن ضعيف ينفذ ما يمليه عليه الغنوشي وطاقم المستشارين الذين زرعهم من حوله رئيس الحكومة الحالي علي العريض.

كما تتوجس النهضة خيفة أن ينجح مرشح المعارضة محمد الناصر القريب من حركة نداء تونس التي يتزعمها الباجي قائد السبسي في إدارة شؤون البلاد وهو أمر سيرتد بالضرورة على الحركة الإسلامية التي قادت البلاد إلى أسوأ أزمة سياسية منذ الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي عام 2011.

وأكثر ما تخشاه الحركة التي "جاهدت" طيلة عامين على أسلمة الدولة والمجتمع أن يقيل مرشح المعارضة المئات من كوادرها التي زرعتها في مختلف المؤسسات خاصة في مراكز القرار الحساسة وفي المحافظات ما يعني عمليا تجريدها من الحكم.

ويؤكد السياسيون أن حكومة الكفاءات غير المسيسة التي ينتظر أن تخلف الحكومة الحالية ستهدد بالتأكيد حكم النهضة باعتبار أن المعارضة العلمانية تطالب باستقالة كل أعضاء الحكومة الحالية التي يدين أغلبهم بالولاء للحركة الإسلامية بما في ذلك الوزراء المستقلين.

وتتطابق آراء السياسيين مع مواقف حركة النهضة نفسها، إذ لوح راشد الغنوشي الأسبوع الماضي بأن النهضة ستخرج من رئاسة الحكومة لكنها لن تخرج من الحكم، وهو ما يتناقض مع خارطة الطريق ومطالب المعارضة.

ويشدد الغنوشي على أن حركة النهضة من حقها أن تبقى في الحكم باعتبارها منتخبة من الشعب، فيما ترى المعارضة وكذلك الخبراء في القانون أن الشرعية الانتخابية انتهت بانتهاء مدتها منذ أكثر من سنة، ما يعني أن الحكومة اليوم بحاجة إلى شرعية توافقية بين جميع الفرقاء السياسيين.

ويبدو أن الغنوشي نفسه يتعرض إلى ضغوط من قبل صقور النهضة الذين يهيمنون على مجلس الشورى حيث لم يترددوا في التأكيد على رفضهم لخارطة الطريق ورأوا فيها "ابتزازا" للحركة.

ويقول عامر العريض وهو شقيق رئيس الحكومة الحالي إن أفضل سيناريو للخروج من الأزمة هو التوافق على اسم أحمد المستيري رئيسا للحكومة.

لكن المعارضة العلمانية لا ترى في التمسك برجل طاعن في السن سوى مناورة من النهضة تهدف بالأساس إلى ربح المزيد من الوقت وتعكس عدم استعداد الحركة للخروج من الحكم وفق ما تنص عليه خارطة الطريق التي تحظى بوفاق وطني كبير.

فقد شدد الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية حمة الهمامي على أن المعارضة أبدت خلال المفاوضات الكثير من المرونة، وعيا منها بضرورة التوصل إلى توافق على رئيس حكومة يُخرج البلاد من الأزمة الخانقة، لكن حركة النهضة أبدت الكثير من التصلب والتعنت وحاولت بكل الأساليب فرض اسم أحمد المستيري.

وأضاف الهمامي أن النهضة تتحمل مسؤولية إفشال الحوار الذي يراهن عليه السياسيون والتونسيون عامة، لا لشيئ إلا لأنها تريد البقاء في السلطة بكل الوسائل ولا ترغب في الخروج من الحكم وفق ما تنص عليه خارطة الطريق.

وتهدف خارطة الطريق إلى تشكيل حكومة مستقلين خلال ثلاثة أسابيع من بدء الحوار الوطني وتبني دستور جديد خلال شهر بهدف تسوية أزمة سياسية حادة تشهدها تونس منذ نهاية تموز/يوليو مع اغتيال المعارض العلماني محمد البراهمي الذي نسبته حكومة النهضة إلى سلفيين جهاديين.

وإزاء إصرار حركة النهضة على إفشال جهود الحوار الوطني وتنفيذ بنود خارطة الطريق، يتوقع المتابعون للشأن التونسي أن تلجأ المعارضة إلى الشارع لممارسة الضغط الشعبي على النهضة في سيناريو مماثل لاعتصام الرحيل الذي هز الحركة يوم 6 أغسطس/آب الماضي، حين تظاهر أكثر من 100 ألف تونسي مطالبين الحركة الإسلامية بالرحيل عن الحكم.

ويضيف المتابعون أن صبر التونسيين على النهضة نفد، وسط إمعانها على إفشال الحوار الوطني وخارطة الطريق في ظل أزمة سياسية واجتماعية واقتصادية أنهكت البلاد وزادت في خطورتها هجمات إرهابية يقودها متشددون يتلقون دعما غير مباشر من الحكومة.