عنايات الزيات .. سؤال الموت والحياة

"الحب والصمت" رواية تتناولُ هموم الذات والمجتمع بلغة منسابة ومعبرة بالوضوح عن أفكار متطلعة لحياة جديدة.


القسم الأول من الرواية ينز بالحزن والإكتئاب والشعور بالعبث أمام مداهمة الموت لشخصية هشام.


حياة الكتّاب تلقي بظلالها على أعمالهم الإبداعية


فكرة العمل الروائي تنتظمُ من خلال وضعية شخصياتها

لا مجال لإنكار بأنَّ حياة الكتّاب تلقي بظلالها على أعمالهم الإبداعية، فما يعيشهُ هؤلاءُ من التجارب يجدُ المسارب إلى نصوصهم، وقد تكون المعرفة بشخصية الكاتب وخلفيته الفكرية وتكوينه النفسي عاملاً لإدراك عالمه الإبداعي وتحديد المؤشرات التي تؤكدُ وجود تقاطعات بين مضامين النص ومسالك صاحبه الحياتية. ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يمدُ السيناريو الأخير لحياة بعض المبدعين مؤلفاتهم بالزخم والغرابة، فبالتالي لا تنفصل هذه النهاية عن حيثيات الأثر الإبداعي لدى المتلقي.
ولا يكونُ موقعُ الكاتب خارج إطار النص. ما أن يبدأ القاريءُ بمتابعة رواية "الجرس الزجاجي" وسلسة محاولات الشخصية الرئيسة للإنتحار حتي يستدعي ذهنه صورة مؤلفتها سليفيا بلاث التي تنهي حياتها مُختنقةً. هذا ما ينسحبُ أيضاً على علاقة المتلقي برواية "الحب والصمت" للكاتبة المصرية عنايات الزيات التي تنتحرُ قبل أنْ يطبعَ عملها الروائي الوحيد في 1967 لكن بطلة الزيات لا تجربُ محاولات الإنتحار، كما تقومُ بذلك إيستر وهذا ما يثير الإنتباه، علماً بأن نجلاء التي تسند إليها وظيفة سرد وحدات "الحب والصمت" بالضمير الأول تبدو أيامها أكثر شحوبا وغارقةً في السلبية. 
ينز القسم الأول من الرواية بالحزن والإكتئاب والشعور بالعبث أمام مداهمة الموت لشخصية هشام. وبغياب الأخ يحلُ صمتُ ثقيل على البيتِ ويشعر ساكنوه بالإغتراب. وما يزيدُ من سوداوية المناخ هو استعادة الساردة لمشهد موت هشام ورؤيتها الأخيرة لوجهه قبل أن يتواري أمام الأنظار إلى الأبد. 

novel
عنايات الزيات

والحال هذه فمن الطبيعي أن يطوفَ سؤال الموت في فضاء النص. يتعمقُ الشعور بالحزن مع ركون البطلة إلى العزلة، ويرافق ذلك النزوع إلى الفردانية والإنفصال عن مهيمنات أسرية. إذ تخالف إرادة الأب عندما تختارُ مزاولة العمل، ولا يثنيها إستخفافه بالقرار من المضي  في هذا الدرب، ولا يصعبُ على القاريء تبصر أبعاد وجودية في مواقف "نجلاء" ولا ترتبط لديها قيمة العمل بمردوده المادي بقدر ما يكونُ دافعاً لإكتساب مزيد من الوعي بمناحي الحياة.
مقوم فكري
تنتظمُ فكرة العمل الروائي من خلال وضعية شخصياتها، ولا يمكنُ فهم المداليل الفكرية لمحتوى رواية "الحب والصمت" بعيداً عن الأطوار التي تمر بها شخصيةُ "نجلاء" وتصبحُ حركة السرد معبرةً عن إيقاع مستواها النفسي، وتمَّ توظيف تبدلات الفصول للإبانة عن انفعالات ومشاعر شخصية الساردة، وترى في ذلك التوحد مع الطبيعة ملمحاً رومانسياً إذ تغادر مفردات الطبيعة دلالتها المعجمية، وتتخذ بعداً رمزياً وهذا ما يتجلى أكثر في علاقة "نجلاء" مع شجرة المشمش. 
إذن هناك إسقاطات على مظاهر الطبيعة. عدا نجلاء ينفتحُ قوس السرد على شخصيات أخرى ويكونُ أحمد ندًّا للراوية في الحضور. بينما لا يحظى الآخرون إلا بأدوار مساندة. إذ تخرجُ نجلاء من عزلتها وتباشر العمل في الشركة عن طريق نادية ويعقبُ هذا التطورَ تحولُ في شخصية نجلاء عندما تتواصل مع الكاتب والصحافي أحمد، فالأخير يمثلُ شخصية ثورية، فآراؤه تناقض الواقع القائم. ويتطلعُ إلى مستقبل أفضل وبرأيه لا بديل من خوض غمار الحياة بالمقابل ما يترشحُ من كلام نجلاء يؤكد شدة تشاؤمها مُعلنة بأن الحياة لا تستحقُ أن يحياها الإنسان لكن هذا الموقف يتغيرُ بفعل تواصلها المستمر مع أحمد حيث تقرأُ روايته، ومن ثُمَّ تعاين بيئتها الإجتماعية ولغتها المطعمة بعبارات أجنبية، وما يقعُ عليه نظرها في الريف يكشفُ عن ركود الزمن ونمطية الحياة، إذ ما يتغير في هذا الواقع سوى الوجوه. 
عليه تدركُ نجلاء حالة التفاوت الطبقي في المجتمع، وما يفصلها عن أحمد هو الإختلاف في ظروف النشأة والبيئة. يعترفُ أحمد بأنَّه في طفولته كان يخشى من انهيار بيتهم الطيني، بينما قد ترعرعت نجلاء في الفيلا الفارهة. غير أن كل ذلك لا يطمر المشتركات الإنسانية بين الاثنين. ولا يغيبُ لدى نجلاء التخلف المتستر بغشاء الحداثة في واقعها لذا ترفض إرتهان مصيرها بشخصية عادل العائد من أميركا، كما لا تقبل إختزال كينونة المرأة في أدوار نمطية. 
تنبضُ كلمات البطلة بنزعة نسوية "لست أنوثة تبحث عن رجل وطفل وبيت تستظل تحته، إنما أنا إنسانة لي فرديتى وكبريائي". تنضجُ شخصية نجلاء وتكتملُ رؤيتها من خلال تأملاتها لظواهر وأعراف إجتماعية كما يمثلها سلوك الشخصيات.
إنبعاث
إذا كانت الرواية تفتتحُ بما تعيشُه البطلة من الحزن عقب غياب الأخ إذ تنساق وراء السوداوية والشعور بالعدمية، فإنَّ نجلاء تجرب قساوة القلق مع مرض أحمد، لكن وجودها يدعمُ الصحافي الثوري. إذ تقنعه بضرورة تلقي العلاج في سويسرا غير أنَّ انتكاسة الصحة  تدفع بأحمد نحو الإستسلام، وما يقوم برحلة علاح جديدة إلا تلبية لرغبة حبيبته. 
واللافت في أجواء الرواية هو الطابع الميلودرامي خصوصا في المقاطع الأخيرة إذ تقرأُ نجلاء خبر موت أحمد بعد صراعه مع المرض، لكن أفكاره في الواقع تنتصرُ كأن بالكاتبة قد أرادت بذلك الموقف التعبير عن فكرة الإنبعاث. 

رواية
فكرة الموت وقساوته متغلغلة في جسد النص

وبخلاف ما عاشته نجلاء بعد موت أخيها من الوحدة والأسى فلا يجرفها تيار الحزن حين يموت أحمد، إنما قررت أن تصنع من نفسها شيئاً وتصارع قدرها. فالمشهدُ الأخير في الرواية لا يوحي بأنَّ صاحبتها تعاني من الكآبة والنظرة السوداوية بل العبارة التي ينتهي بها السرد تنضحُ بالأمل والتفاؤل. صحيح أنَّ فكرة الموت وقساوته متغلغلة في جسد النص، كما أن نجلاء تشكو من مرض الروح مثل بطلة "الجرس الزجاجي" وتلمحُ إلى خيار الإنتحار دون تجربته.
أياً يكن الأمر فإنَّ "الحب والصمت" رواية تتناولُ هموم الذات والمجتمع بلغة منسابة ومعبرة بالوضوح عن أفكار متطلعة لحياة جديدة. وما لا يجوز تجاهله هو ترتيب المبنى الروائي وتمكن الكاتبة من صياغة العبارات الوصفية التي لا تقتصرُ وظيفتها على الجانب التزييني، إنما الهدف منها هو تقديم مستويات الحياة وبيان المشاعر والإنفعالات ولا يفوت على المتلقي طيف الأفكار الوجودية في الرواية، وما يزخمُ هذا النص هو تحقيق التوازن بين تقنيات السرد والحوار والوصف هذا إضافة إلى أسلوب المونولوج الذي يستأثر به صوت نجلاء.
والسؤال الذي ما انفك يلوحُ للمتلقي هو هل فعلاً كلفت هذه الرواية عنايات الزيات حياتها وهي انتحرت ولم تبلغ الخامسة والعشرين من عمرها بعد ما رُفضت "الحب والصمت" من دار النشر؟ ربما يقدم الكتابُ الذي نشرته إيمان مرسال بعنوان "في أثر عنايات الزيات" إجابة لأسئلة قائمة بشأن السيناريو الأخير في حياة أدبية نابغة.