عنان يدعو الى اعادة العراق للامم المتحدة

بقلم: هشام القروي

من الواضح أن الولايات المتحدة تواجه معضلة كبرى في العراق. فمن ناحية، هناك ضغوط دولية لدفعها اما نحو الانسحاب جزئيا أو كليا، و الاعتماد أكثر على الامم المتحدة واقل على قواتها الخاصة. ومن ناحية أخرى، هناك المقاومة المتصاعدة في البلاد، والتي بدأت تجعل الجندي الامريكي في وضع خطر. والقول ان هذا كله لم يكن متوقعا، لا يصح. فالدخول الى العراق بالصفة التي تم بها، وقع التخطيط له مدة سنوات، والحقيقة أن لجان التفتيش على الاسلحة التي ابتدعها مجلس الامن الدولي خصيصا لهذا البلد العربي، كانت بحد ذاتها نوعا من "الاحتلال" غير المعلن. وفي ذلك الوقت، تم انتهاك سيادة العراق بموافقة الجميع تقريبا، وبحضور الحكومة السابقة. والمطلعون على تاريخ المنطقة يعلمون أن دخول الاستعمار الفرنسي والبريطاني في القرن التاسع عشر، وقع التمهيد له من خلال تدخلات مماثلة، لم تقم بها لجان رقابة على السلاح، وانما فقط لجان رقابة على المالية. كانت المشكلة آنذاك، كيف يصرف العرب والاتراك أموالهم، وبالخصوص كيف يجعلهم الاوروبيون يدفعون الديون المتخلدة في ذمتهم. ووصل الامر في بعض البلدان العربية الى حد تعيين رقيب أوروبي على وزير المالية، وبالرغم من ان الباب العالي كان افتراضيا يسيطر على البلدان العربية، فقد كان القناصل الاوروبيون – وخاصة البريطانيون والفرنسيون – هم المتنفذون الحقيقيون، الذين يسيرون الكثير من الامور من وراء الستار. وسواء أحب البعض أم كرهوا، فالعراق في عهد الحكومة البعثية، وضع تحت الوصاية. ولم تكن جريمته أنه انتهك سيادة الكويت، فهذا مفروغ منه، وانما الجريمة الحقيقية في نظر الدول الكبرى المسيطرة على مجلس الامن، هو أن التسلح العراقي تجاوز الحد المسموح به لدولة عربية.
وما وقع للعراق من تدمير منظم، يراد منه أن يكون في نفس الوقت، درسا لا تنساه الدول العربية الاخرى...خاصة في وضع لا يزال أهم ما يميزه هو الصراع مع اسرائيل. وليس المقصود هو الدول العربية الصغيرة أو الفقيرة، فالجميع يعلم أن قطر أو الكويت أو موريتانيا أو المغرب لا تهدد أحدا، وحتى اذا راكمت السلاح لمدة قرن آخر، فانها لن تصل الى مستوى "الخطورة" التي بلغها النظام العراقي السابق. و لكن بلدانا مثل المملكة السعودية أو الجماهيرية الليبية او حتى الجزائر اذا خرجت من صراعها الداخلي، تجد نفسها اليوم ومنذ فترة لا بأس بها تحت رقابة خاصة.هناك حرص على أن تكون الدول العربية –او الاسلامية كايران- التي تتمتع بقدرات مالية هامة مصدرها الثروة النفطية، في الصورة تماما، لما يمكن ان يحدث لها، اذا ما سارت في نفس الاتجاه، أي: التسلح والطموحات العسكرية. وهناك تركيز خاص على المفاهيم الجهادية – في البرامج التعليمية وفي وسائل الاعلام وفي ايديولوجية الدولة – التي تصبح أكثر خطورة اذا ما اجتمعت مع البترول. وهذا بالذات ما يجعل الادارة الامريكية متوجسة خيفة مما يمكن ان يحدث غدا في العراق اذا ما انسحبت دون ضمان أرضية لنظام حكم مقبول في نظرها. تصوروا مثلا حكومة على الطريقة الايرانية في بغداد، تجمع في يد الثروة النفطية الكبرى، وفي يد اخرى مفاهيم جهادية اسلامية غير مقبولة من الغرب! فهل أزاح بوش صدام حسين ليضع محله "خميني" آخر؟ لا شك ان الامريكيين يفكرون في كل التطورات الممكنة، ولكن الوقت يمر، واذا بقيت المشاكل الاهم معطلة أو مؤجلة، فان الوضع سيزداد سوءا.
لقد صرح السيد كوفي عنان – الامين العام للامم المتحدة- مؤخرا، بحضور مبعوثين عن مجلس الحكم الانتقالي في العراق، أنه آن الأوان أن تعلن الولايات المتحدة عن جدول زمني واضح للاعمال التي ينتظرها كل العراقيين بفارغ صبر: أي اعلان دستور مثلا، وحكومة انتقالية، وانتخابات برلمانية وبلدية وسواها. ولا شك أن السيد عنان يقصد أن هذا كله لا يمكن ان يتم من خلال اشراف امريكي فقط، فالامم المتحدة تريد أن تكون حاضرة أيضا هناك. وعندما طلب الامريكيون من فرنسا مثلا أن ترسل بعض جنودها للمساعدة، قالت باريس انها تنتظر اعادة القضية العراقية الى حضن الامم المتحدة أولا. ولا شك أن للعراقيين رأيهم في هذه المسألة، فهم أول من ينبغي للجميع الانصات اليه، اذ هل يمكن ان يحلم أحد ببناء عراق جديد دون استشارة أبنائه؟
وبالرغم من أن الرئيس بوش كان وجه انتقادات لاذعة للامم المتحدة، واصفا اياها بالضعف وعدم الفعالية، مما يؤدي برأيه الى الاسراع بالتدخل في العراق دون مزيد من النقاش، وهو ما فعله... فانه من المتوقع أن تعود الولايات المتحدة الى العمل من داخل الاطار القانوني للامم المتحدة، حتى تتحرر الحكومة العراقية القادمة – وكذلك الدستور وكل ما سيتم بناؤه من مؤسسات – من وصمة "العمالة للاحتلال" . أما متى ستفعل ذلك، فهذا ما لا يمكن أن يجيب عليه الا الرئيس بوش نفسه. هشام القروي