عملية نتانيا وأولويات السياسة الفلسطينية

بقلم: ماجد كيالي

أحيانا يبدو أن ثمة صعوبة في محاكاة الوضع الفلسطيني بشكل منطقي، أي بشكل يتساوق مع متطلبات وحاجات وأولويات السياسة الفلسطينية، ولعل هذا ينطبق بشكل أكثر على الواقع الذي تحاول فرضه فصائل المعارضة الفلسطينية، وتحديدا حركتا حماس والجهاد الإسلامي، خصوصا في تبنيهما لنمط العمليات التفجيرية أو الإستشهادية.
مثلا، من الواضح أن العمليات التفجيرية، والتي تتركّز بالتحديد في مناطق 48(على غرار العملية التي نفّذت مؤخرا في نتانيا)، تشكّل مدخلاً واسعا لاستدراج ردود فعل قوية ومدمرة من قبل إسرائيل ضد الفلسطينيين، الأمر الذي يفاقم معاناتهم ويستنزف قدراتهم. والأنكى أن هكذا عمليات تشكّل تغطية مناسبة لإسرائيل للاستفراد بالفلسطينيين وتشويه عدالة قضيتهم، بتصويرها أمام الرأي العام العالمي على أنها جزءا من منظومة الإرهاب العالمي. وفي الواقع الميداني فقد قامت إسرائيل وتحت ستار هذا النوع من العمليات تحديدا، بحرمان الفلسطينيين في الأراضي المحتلة من الذهاب إلى القدس، وضمن ذلك إلى المسجد الأقصى(منذ العام 2001)، وعمدت إلى معاودة احتلال المدن الفلسطينية في حملة "السور الواقي" (بعد عمليات شهر مارس 2002)، كما قامت بابتداع خطة "جدار الفصل" العنصري، وتحت ستار هذه العمليات انسحبت من إطار المفاوضات إلى إطار الحل الأحادي الجانب، لفرض املاءاتها في عملية التسوية على الفلسطينيين.
وإذا أخذنا الاعتبارات المتعلقة بمتطلّبات حرب الشعب أو حرب العصابات أو الانتفاضة الشعبية، فإن هكذا عمليات ليس لها علاقة البتة بمنظومة هذه الأشكال الكفاحية، لا من قريب ولا من بعيد. فالعمليات التفجيرية يقوم بها فرد بعينه، في حين أن الأشكال الأخرى تعتمد على الشعب بذاته، وعلى منظومة من العلاقات المدنية المتطورة، كما إلى شبكة من علاقات الإسناد والتعاون. وبينما تتمخّض العمليات التفجيرية عن توريط المجتمع المعني بمواجهات حامية، تفوق قدراته وترهق قواه في مدى زمني قصير، فإن الأشكال الأخرى تتوخّى الاقتصاد بطاقات الشعب وصرفها بشكل ناجع ومدروس، في صراع طويل الأمد. وبينما تركز العمليات التفجيرية على الهجوم الدائم واستنفار أقصى ما في طاقة العدو من إمكانيات (أسلحة واستخبارات واتصالات وقدرة على التقتيل والتدمير) فإن الأشكال الأخرى تتعمد استخدام استراتيجية الضعيف، لحرمان العدو من استخدام قواه أو عناصر تفوقه. وفي حين يتعاطى أصحاب نمط العمليات التفجيرية مع هذه العمليات وكأنها مطلوبة لذاتها، فإن الأشكال الأخرى لا تنفي أنها تتوخى تحقيق أهداف سياسية معينة، كما لا تنفي امكان التراجع عندما يتقدم العدو، ولا امكان تحاشي ضرباته القوية حين ترى أنه يهم بها. وبينما تضع العمليات التفجيرية مجتمع العدو في مواجهة حرب وجودية (إما نحن أو هم)، فإن الأشكال الأخرى تحاول رفع كلفة الاحتلال، بتعميق التناقضات في مجتمع العدو، واستنزافه وإنهاكه بالنقاط (لا بالضربة القاضية).
اللافت أن حركتي حماس والجهاد الإسلامي تبرران الاستمرار بهكذا عمليات بضرورة توجيه ضربات مؤلمة للاحتلال لإخراجه من الضفة، مثلما خرج مدحوراً من قطاع غزة. ومشكلة هذا المنطق تكمن في تناقضه، فبالرغم من مشروعية المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، فإن هذا الطرح يحاول حجب حقيقة أن المقاومة المسلحة لا تقتصر، ولا ينبغي أن تقتصر، على العمليات التفجيرية، فهي أوسع من ذلك بكثير. ثم أنه ثمة تمييز بين المقاومة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والعمليات التي تجري في مناطق 48، تفرضه المعطيات السياسية الدولية والإقليمية، كما تفرضه المعطيات القائمة اليوم بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وفي التجربة الميدانية الراهنة يمكن التدليل على التناقض في هذا المنطق بواقع مصرع حوالي 60 بالمئة من الإسرائيليين في عمليات المقاومة المسلحة في الضفة والقطاع المحتلين، منذ اندلاع الانتفاضة في سبتمبر 2000؛ بمعنى أن العدد الأقل (40 بالمئة) هم الذين لقوا مصرعهم في العمليات التفجيرية في المدن الإسرائيلية، على عكس ما يوحي بها الضجيج المصاحب لهذه العمليات، بحكم طابعها.
أما بالنسبة لإحالة سبب الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، إلى عمليات المقاومة وحدها، فهي مجرد دعاية سياسية لا تعكس حقيقة ما جرى فعلا. فرغم أهمية المقاومة المسلحة، في هذا الأمر، فإنه ثمة عوامل أخرى ساهمت في إقناع الإسرائيليين بالخروج من القطاع، ضمنها، أولا، صمود الفلسطينيين ورفضهم للاحتلال ومقاومتهم له بكل الأشكال الممكنة؛ ثانيا، أن القطاع لا يتمتع بالأهمية الرمزية والدينية التي للضفة، والتي تعتبر بمثابة "أرض الميعاد"، بالنسبة للإسرائيليين؛ وثالثا، أن القطاع بالقياس للضفة يفتقد للموارد الطبيعية، وضمنها المياه، ومساحته لا تشكل 1 بالمئة من مساحة فلسطين التاريخية وحوالي 6 بالمئة من مساحة الضفة فقط؛ ورابعا، لأن القطاع يشكل عبئا بشريا كبيرا على إسرائيل، فهنا ثمة حوالي مليون ونصف من السكان في منطقة مساحتها 360 كلم2، ما يجعل القطاع يشكل تهديدا ديمغرافيا كبيرا لإسرائيل، مثلما يشكل عبئا سياسيا وأخلاقيا عليها أمام العالم كدولة محتلة. ولعل الإحصاءات ذاتها تؤكد على هذه الحقيقة، فقد سقط في قطاع غزة، منذ احتلاله في يونيو/حزيران 268 إسرائيلي بنتيجة عمليات المقاومة (معاريف14/8)، وهذا العدد أقل بأضعاف من عدد القتلى الإسرائيليين الذين قتلوا في الضفة في عمليات المقاومة. وبحسب إحصائية نشرتها صحيفة هآرتس (23/8/2005)، فإن عدد القتلى الإسرائيليين في قطاع غزة، منذ احتلاله (1967) بلغ نحو 230 إسرائيلي بين مدنيين وجنود (هذه الأرقام لا تتضمن القتلى في أراضي إسرائيل من عمليات مصدرها غزة), منهم 38 بين 1967 و 1987، و29 على امتداد سنوات الانتفاضة الأولى الست (1987ـ1993)، و39 منذ توقيع اتفاق أوسلو (سبتمبر 1993) حتى اوكتوبر 2000. وفي السنوات الخمس من المواجهات (الانتفاضة الثانية) قتل 124 إسرائيليا في مناطق قطاع غزة، 39 منهم مدنيين 85 منهم عسكريين، وذلك من أصل 1000 إسرائيلي لقوا مصرعهم خلال هذه الانتفاضة.. وفقط سبعة إسرائيليين لقوا مصرعهم في هذه الفترة، بنتيجة إطلاق الفلسطينيين لأكثر من 500 صاروخ ونحو 6 آلاف قنبلة راجمة، على المدن الإسرائيلية المتاخمة لغزة.
فوق كل ما تقدم فإن هذه العمليات تأتي، على الأغلب، في توقيت سياسي غير مناسب، فهذه العملية بدورها جاءت لتشكل خروجا عن الإجماع الوطني بشأن التهدئة. وهي جاءت في ظروف يحاول فيها الفلسطينيون استثمار الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، إلى أخره، عبر ضمان الحرية الكاملة للقطاع في العبور منه وإليه، وتحقيق الارتباط بينه وبين الضفة، وفي حرية التبادل التجاري. كذلك فإن الفلسطينيين في هذه المرحلة يحاولون لملمة جراحهم وإعادة بناء أوضاعهم، من النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية، وهم يتوجهون نحو تجديد شرعية كيانهم بالتوجه نحو الانتخابات. أيضا يمكن أن تساهم هذه العملية، كما بينت التجربة، في تخفيف التناقضات بين الإسرائيليين، وتعزيز وحدتهم، وازدياد انزياحهم نحو التشدد، بما يضر بالفلسطينيين، وبما يوقف مسار الانزياح نحو اليسار والاعتدال في المجتمع الإسرائيلي.
وبكل الأحوال فإن هكذا عمليات باتت تشكل وضعا حرجا للوضع الفلسطيني ينبغي الوقوف أمامه بشكل حازم، وبأشكال الحوار السياسي والضغط الجماهيري، بحيث لا يبقى الأمر مرهونا بموقف السلطة الحرج وبمزاج المعارضة.
وإذا كان يمكن أن يحسب للسلطة أنها رفضت الاملاءات المتعلقة بضرب البنية التحتية للمجموعات المسلحة التابعة لحركتي حماس والجهاد، والمتعلقة أيضا برفض إخراج حركتي حماس والجهاد من النظام السياسي ومن العملية الانتخابية القادمة، فإن هاتين الحركتين معنيتين بالمقابل بإبداء أقصى قدر من الحكمة والتعقل والمرونة لمراجعة نمط العمليات الاستشهادية، وإيجاد معادلة سياسية تضمن لهما الانخراط في برنامج الإجماع الوطني، السياسي والميداني. ماجد كيالي