عملية حفظ السلام المعيبة في دارفور تثير رعب ملايين المدنيين

لا احد يحميهم

اتخذت خطوات لتقليص حجم واحدة من أكبر عمليات حفظ السلام في العالم وتعديلها إذ أنها فشلت في حماية المدنيين في اقليم دارفور السوداني الواسع الذي يجوبه مسلحون في سيارات لاند كروزر وعلى ظهور الجياد.

ويشعر دبلوماسيون ومسؤولون من الامم المتحدة أن تصغير حجم القوة المشتركة المشكلة من الامم المتحدة والاتحاد الافريقي قد يكون أكثر فاعلية غير أن علامات الاستفهام حول مستقبلها تبث الرعب في قلوب الملايين الذين وجدوا أنفسهم طرفا في أعمال سفك دماء منذ ما يقرب من 12 عاما.

بدأ الصراع في دارفور عام 2003 عندما حملت قبائل غير عربية في الأساس السلاح في وجه الحكومة التي يقودها العرب في الخرطوم واتهموها بالتمييز. وتراجعت عمليات القتل الجماعي التي كانت تحدث قبل عشر سنوات لكن التمرد مستمر وقد صعدت الخرطوم هجماتها بشدة على الجماعات المتمردة في العام الأخير.

ويروي سكان المخيمات المتناثرة التي أقيمت للنازحين بسبب الاشتباكات كيف قام مقاتلون عرب من ميليشيا حكومية بطردهم من بيوتهم. ويقول مسؤولون غربيون ونشطاء إن هذه الميليشيا شكل جديد من أشكال كتائب الجنجويد المرهوبة.

قالت إزدين صالح (37 عاما) في معسكر زمزم أكبر المخيمات المقامة للنازحين في دارفور عن هجوم حملت مسؤوليته لميليشيا قوات الدعم السريع "دخلوا البيوت المبنية من القش والحشائش ونهبوا كل فلوسنا وماشيتنا".

وتقول أرقام الأمم المتحدة إن عدد النازحين عن بيوتهم في العام الماضي وحده بلغ ما يقرب من نصف مليون فيما يمثل أكبر عدد سنوي منذ ذروة الصراع عام 2004.

وقالت إزدين "ضربوا الرجال بالعصي وأحرقوا بيوتنا. وقالوا لنا ألا نعود أبدا وإن المنطقة أصبحت عربية وإننا نؤيد حركات التمرد. فهربنا بأولادنا".

في أواخر العام الماضي أمرت الخرطوم بعثة الاتحاد الافريقي والامم المتحدة في دارفور (يوناميد) بمغادرة البلاد بعد أن بدأت التحقيق في اتهامات بارتكاب جنود سودانيين عمليات اغتصاب جماعي في دارفور. وتنفي الحكومة ارتكاب أي من الجنود أو قوات الدعم السريع أي أخطاء.

وقال ايرفيه لادسو قائد قوة حفظ السلام إن من المستبعد أن تنسحب البعثة ببساطة من دارفور. لكن الأمم المتحدة تقول إن المباحثات مع الخرطوم بدأت حول استراتيجية خروج القوة في نهاية الأمر رغم استمرار المساعي لزيادة كفاءتها.

سخط

وواجهت قوة يوناميد اتهامات من القوى الغربية بأنها لم تبذل جهدا كافيا لحماية المدنيين وأخفت معلومات عن حجم أعمال العنف الذي يستهدفهم به الجيش السوداني والميشيليات المتحالفة معه.

ويسلم مسؤولو الأمم المتحدة بوجود أوجه قصور ويشيرون إلى أن هذا واحد من أسباب سعيهم لإجراء تعديلات على البعثة وتحسين فاعليتها.

وقال أحد السفراء في مجلس الأمن "ما يحدث في الوقت الحالي لم يفلح. وهو باهظ الكلفة. البعثة مختلة الأداء من عدد من الأوجه".

وأضاف السفير أن الهدف هو إعادة تركيز مهمة البعثة وتقليص حجمها.

ويقول عدة مسؤولين من الأمم المتحدة إن الأمين العام بان جي مون شعر بخيبة أمل شديدة من قوة يوناميد في العام الماضي لدرجة دفعته للقول بأن من الضروري إلغاءها. وقال المسؤولون إن هذا التعقيب كان تعبيرا عن السخط أكثر منه توصية بسياسة بعينها.

وسئل ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الامم المتحدة عن تعليق بان فأشار إلى أحدث تقرير أصدره الأمين العام عن دارفور لمجلس الأمن ووصفه للوضع الانساني والأمني المتردي والتحديات التي تواجهها القوة بما في ذلك القيود على التنقل والهجمات على قوات حفظ السلام.

وأضاف "لهذا السبب تحديدا يعتقد الأمين العام أن من الضروري للامم المتحدة أن تستمر في تنفيذ مسؤولياتها الموكلة إليها في دارفور ومن أهمها حماية المدنيين".

ويطالب لادسو بتحسين أوضاع قوة يوناميد منذ سنوات رغم أن دبلوماسيين في مجلس الأمن يقولون إن ما تحقق من نجاح من قبل كان هامشيا. وإذا ثبت عدم نجاح المساعي الأخيرة لإعادة هيكلة القوة يقول دبلوماسيون في مجلس الأمن إنهم سينظرون في خيارات أخرى من بينها انسحاب الأمم المتحدة من البعثة.

عقوبات على قوات حفظ السلام

وترددت الخرطوم على الدوام في التعاون مع القوة. وكان المدنيون هم من يدفع الثمن. وحسب بيانات الأمم المتحدة يحتاج نحو 4.4 مليون شخص مساعدات انسانية في دارفور وما زال أكثر من 2.55 مليون نازحين عن ديارهم.

ومن أكبر المشاكل الطابع المشترك للقوة بين الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي.

وقال سفير آخر في مجلس الامن "ثبت أن تجربة البعثة المشتركة فشلت فشلا ذريعا".

ويقول مسؤولون في الأمم المتحدة إن اهتمام المجلس بدارفور ضعف إذ أصبحت الأولوية لصراعات أخرى مثل سوريا والعراق.

وفي الاسبوع الماضي تلقى مجلس الأمن تقريرا عن مراجعة استراتيجية للبعثة أجرتها إدارة حفظ السلام بالامم المتحدة. وحصلت رويترز على نسخة من التقرير.

وقال التقرير إن البعثة تعمل على تقليص صفوفها وتعيد الوحدات التي لا تعمل بكفاءة إلى بلادها وتستغني عن الوظائف غير الضرورية وتعيد نشر القوات المرابطة في عشرات المواقع في مختلف أنحاء دارفور وتعمل على تحسين قدرتها على حماية المدنيين.

وسيتحدد عدد جنود حفظ السلام الذين سيتم الاستغناء عنهم في الاشهر المقبلة.

وفيما يسلط الضوء على أخطاء قوة يوناميد قال مسؤولون في الامم المتحدة ودبلوماسيون إن إحدى المجموعات من الجنود التي أعيدت لبلادها استسلمت دون اطلاق رصاصة واحدة عندما تصدى لها متشددون مسلحون.

وقال التقرير دون ذكر تفاصيل "في ضوء عدة حوادث فشلت فيها وحدات عسكرية في الرد بفاعلية على هجمات مسلحة طبقت القوة إجراءات تتيح فرض عقوبات على أعضاء الوحدة المعنية وإعادتهم لبلادهم".

وأضاف أن عملية الصيف الحاسم التي تشنها الخرطوم أتاحت للجيش أن يكون له اليد العليا في صراع دارفور. وقال الأمين العام للمجلس إن العملية كان من نتائجها خسائر فادحة للمدنيين.

وتزايد بشدة عداء الخرطوم تجاه الأمم المتحدة وجماعات المساعدات الأجنبية بعد أن وجهت المحكمة الجنائية الدولية اتهامات للرئيس السوداني عمر حسن البشير بارتكاب أعمال إبادة وجرائم حرب أخرى في دارفور.

وطرد السودان العديد من جماعات المساعدات الأجنبية وأمر كبار مسؤولي الأمم المتحدة في الآونة الأخيرة بمغادرة البلاد. وتمنع الحكومة قوة حفظ السلام بصفة منتظمة من الاتصال بالمدنيين وقد اتهمت الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها من الدول الغربية البعثة بأنها متساهلة للغاية في مواجهة القوات المسلحة السودانية.

وتواجه قوة يوناميد مهمة سهلة على الأرض في إقليم دارفور الذي يمثل مساحة واسعة تكاد تعادل مساحة فرنسا.

ولقي 214 من أفراد القوة حتفهم منذ نشر القوة عام 2007 وفقا لما ورد على موقعها على الانترنت. كما حرمت الخرطوم البعثة منذ سنوات من حق تشغيل طائرات هليكوبتر هجومية مما حد بشدة من قدرتها على التحرك بسرعة لمساعدة المدنيين.

وتقول المراجعة الاستراتيجية التي أجرتها الأمم المتحدة إن توقيت خروج القوة من دارفور سيتوقف على قدرتها على الوفاء بمعايير معينة تتعلق بقدرتها على حماية المدنيين. لكن الخرطوم تقول إن الوقت قد حان لرحيل البعثة.

"لا أحد غيرهم"

قال عبد الله الأزرق وكيل وزارة الخارجية السودانية لرويترز "قررنا إخراج قوة الامم المتحدة من السودان وهذا غير قابل للتفاوض".

وأضاف أن هذه القوات "عبء أمني على الحكومة السودانية. فلا يمكنها حماية نفسها. والعصابات دائما تستولي على أسلحتها لأنه ليس لديهم دافع للقتال".

ورغم مطالب الخرطوم برحيل القوة قال عمر اسماعيل من جماعة إناف بروجكت المناهضة للابادة الجماعية وتتخذ من واشنطن مقرا لها إنه يعتقد أن الحكومة السودانية لا تريد فعليا انسحابا كاملا. فهي تريد استمرار تدفق اموال من ميزانية البعثة البالغة 1.1 مليار دولار على السودان.

وأضاف "هذا تهويش منهم. فهم (السودانيون) لا يريدون خروج القوة. بل يريدون اضعافها. فهذا يناسب أغراضهم."

وقال اسماعيل إن هذا هو هدف الخرطوم في جميع أنحاء السودان أي إضعاف الامم المتحدة دون إزعاجها بانتقادات حقوق الانسان والاستمرار في انفاق المال حيث يريد المسؤولون السودانيون لا الأمم المتحدة انفاقه.

ومع ذلك فقد قال إنه إذا كانت القوة الأضعف أكثر جرأة وأنشط في تنفيذ تفويضها دون أن تخشى المواجهة العسكرية فقد تكون أكثر فاعلية.

ورغم الشكاوى تزايد سعي المدنيين في طلب الحماية من الفرق التابعة للقوة في دارفور.

وبالقرب من معسكر زمزم تجمع أكثر من 800 شخص في الصحراء بعد أن فروا من اشتباكات في الاونة الأخيرة. كان أغلبهم من النساء والاطفال يجلسون على الارض. وعلقت النسوة ملابس على عصي حماية لاطفالهن الجوعى من شمس الصحراء.

وقال البعض إنهم هربوا بعد أن هاجمت وحدة من قوات الدعم السريع قراهم وإنهم ينامون على الرمال دون أغطية أو طعام ويخشون هجمات أخرى من قوات الدعم السريع القريبة منهم.

ويؤرق خديجة اسماعيل (26 عاما) وهي أم لخمسة أطفال ذكرى الهجوم على قريتها. وتقول إنها لم تحصل هي وأطفالها على غذاء أو مأوى عندما وصلوا إلى معسكر زمزم الذي يكتظ بنحو 150 ألفا يعيشون على ما تقدمه لهم جماعات الاغاثة.

وقالت "إذا طردت الحكومة قوات الامم المتحدة سيكون علينا مغادرة السودان معهم لان لا أحد غيرهم سيحمينا".