عملية 'الجرف الصامد'.. الجوهر هو العدوان

إستوقفني الإسم الذي أطلقه الجيش الاسرائيلي على عملتيه الجديدة ضد قطاع غزة، فالصمود هو للمقاومة وليس لجيش يمتلك كافة المقوّمات الحربية بمواجهة مقاومة بالكاد تمتلك وسائل الدفاع عن نفسها وشعبها. اذ يتبين إن اسرائيل بهذا الإسم تسطو حتى على أسماء ومفردات هي أقرب لثقافة المقاومة. أي مقاومة تجعل من الصمود إنشودة للإنتصار وعلى عكس الإندحار. وكأن بجنرالات اسرائيل يريدون حجب جرائمهم خلف طيف مقاوم لم يكن لهم في يوم من أيام إحتلالهم لفلسطين.

هل شعر الجيش الاسرائيلي بإمكانية إندحاره أمام المقاومة سلفا ومن قبل أن يبدأ بشن غارات طيرانه ضد قطاع غزة، فأطلق هذا الإسم على عمليته ليكون داعما ورافعا لمعنويات الجنود في الميدان، وللشعب الإسرائيلي الذي يصاب بالهلع وينهار عند أول دوي للقذائف.

مهما يكن فإن هذه العملية هي إستمرار لعقلية العدوان التي لا تتخلى عنها الدولة الصهيونية التي قامت بالإغتصاب وهي وُجدت على هذا الأساس. اسرائيل لا تحيد عن أيدولوجتها الصهيونية المحتقنة بالعنصرية والكراهية، وهي لا تريد الخروج من الدبابة التي أسكنت نفسها بها بالرغم من معطيات السلام التي توفرت على مدى العشرين سنة الماضية. انها الدولة الوحيدة في العالم التي تحيا على الحروب.

الأهداف المعلنة من هذه العملية قد سمعها الفلسطينيون ومعهم المجتمع الدولي تتردد بتكرار على ألسنة قادة اسرائيل المتعاقبين على مدار السنوات التسعة الماضية، أي منذ فك الإرتباط أحادي الجانب من قبل اسرائيل وإنسحابها من القطاع في صيف عام 2005. حيث منذ ذلك الحين واسرائيل تضع نصب أعينها ضرب البنية التحتية لحركة حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى، في عمليات متكررة وتحت أسماء مختلفة. من "حقل الأشواك" التي ظلت حاضرة في الذهنية الاسرائيلية كمخطط يهدف الى التخلص نهائيا من غزة كجزء من الأراضي الفلسطينية، وإجبار أكبر عدد من سكانها على الرحيل بإتجاه مصر. مرورا بعملية "الرصاص المصبوب" في 27 ديسمبر 2008، الى عملية "عامود السحاب" التي بدأتها اسرائيل رسميا في 14 نوفمبر 2012 على اثر اغتال القائد القسّامي أحمد الجعبري. لقد إنتهت هذه العمليات كلها الى الفشل الذريع في تحقيق أهدافها في وقف الصواريخ من السقوط على المستوطنات والمدن الإسرائيلية الكبيرة، كما ولا استطاع الحصار المتواصل منذ سنوات عديدة أن يمنع المقاومة الفلسطينية عن تطوير أسلحتها النوعية التي تصل في هذه الأثناء الى القدس وتل أبيب والى مناطق أخرى بعيدة عن القطاع. كما ان كل الحملات العسكرية الصهيونية لم تستطع كسر شوكة الفلسطينيين والقضاء على روح المقاومة في مكوّنهم الأنساني وفي تبديد عمق تلاحمهم مع مقاومتهم الباسلة.

تتحدث التقارير الاسرائيلية عن إن قوات الإحتلال شنّت نحو 434 غارة على أهداف في قطاع غزة، وهذا الرقم هو لغاية الساعة الثامنة من اليوم التالي لبدء العملية العسكرية المستمرة. وقد حملت الأخبار التي نقلها المراسلون إن من ضمن الأهداف التي إستهدفتها غارات الطائرات بيوتا لمدنيين آمنين قتل فيها أطفال ونساء.. فهل كانت هذه البيوت المستهدفة هي البنية التحتية لحركة المقاومة الفلسطينية التي قصدتها الحكومة الإسرائيلية عند بدء العدوان؟ أم إن هذا القصف هو إنتقاء عشوائي، يقدم دليلا على تخبّط المؤسسة العسكرية التي تبدو بأنها لا تملك بنك أهداف يمكن الإعتماد عليه في تحقيق الأهداف السياسية التي أعلنها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الدفاع عن مستوطني الكيان الصهيوني. وقد أشار الكثير من المحللين ان الإخفاق العسكري الإسرائيلي مرده إخفاق مخابراتي في عدم القدرة على قراءة القدرات التسليحية لفصائل المقاومة.

إن قصف إحدى مشاريع الصرف الصحي في مدينة غزة، يدعو للسخرية من أن تكون هذه المصارف هي البنية التحتية التي قصدتها القيادة العسكرية الإسرائيلية، وإن تدميرها يحقق الأمن للمستوطنين الذين زجت بهم سياسة قيادتهم العدوانية في الملاجئ وهم يرتعدون.

إن المتتبع للعمليات العسكرية في يومها الأول سيكتشف إن الهجومات الإسرائيلية لا تسير حسب عقلية حربية، بل تمضي حسب عقلية إجرامية وإنتقامية، الهدف منها إيقاع الأذى بأكبر عدد من المواطنين الأبرياء في غزة الصامدة.

حين تصمد المقاومة في غزة فإن الإنكسار يكون حتما من نصيب "الجرف الصامد".. وهكذا تكون المقاومة قد أعادت المعنى الى نصابه، وهزمت المنطق الإسرائيلي في تزوير المعنى الحقيقي للصمود.

الصمود عبر التاريخ كان للمقاومين، أما الجرف الفاشي التي تقوده الجيوش الجرارة فكان الى مزبلة التاريخ.