عمان: التاريخ شاهد على الانجازات


مسقط ـ من حسين شحادة
بلاد متسقة مع حضاراها

أربعون عاما تمضي على زراعة شجرة رويت بجهود طيبة فأينعت وأثمرت لتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها وحكمة سلطانها ووفاء شعبها وتبدو مع كل عام أكثر نضارة وتألقا طلعها يسر الناظرين.

سياسيا، وهو السياج المنيع والحصن الواقي، نحن أمام مشهد فريد يتجسد في علاقة خاصة لا تقبل وسطاء تربط السلطان بمواطنيه، فهو الذي استن سنة طيبة تتمثل في جولات ميدانية سنوية يمضي خلالها أياماً طويلة ساعياً إلى لقائهم، حيث هم يتواجدون، متفقداً أحوالهم المعيشية عن كثب، منصتا إليهم بعناية، موجها وزراؤه المرافقين إلى معرفة حقيقة معاناتهم وهمومهم، والعمل على ايجاد الحلول المناسبة لها، حريصا على القيام بدور التثقيف السياسي والاقتصادي والاجتماعي كلما كان ذلك ضرورياً.

اقتصاديا واجتماعياً، ظلت القطاعات الخدمية شاغله لنسبة عالية من الإنفاق الحكومي عاماً بعد الآخر بمعدلات تفوق الأعوام السابقة، الأمر الذي يعكس الحرص على استمرارية الخدمات عند مستواها المعتاد من الجودة والكفاءة، فضلا عن تحسينها وتطويرها، استراتيجيات وبرامج تستهدف تأمين الإنسان العماني حاضرا ومستقبلاً، وتفعيل مكوناته دون تفرقة بين ذكورة وأنوثة أو كهولة وطفولة، فالجميع سواسية تحت مظلة من الرعاية على اختلاف أنواعها ومستوياتها.

على صعيد التنمية البشرية، شهادات عالمية تضع لسلطنة في مراتب متقدمة تدعو للفخر والاعتزاز بشأن محو الأمية التقنية التي هي فاتحة الطريق الآمن إلى تنمية مستدامة لا تربكها أسعار مهتزة لسلعة ناضبة محكومة تارة بغرائز المضاربة وأخرى بأهواء وتجاذبات البورصة العالمية.

أربعون عاما سجلت موسوعة من الإنجازات التي يشكل حصادها وقوداً لاستدامتها ليبقى دوما في الإمكان أبدع مما كان، فالحصاد ماثل في حاضر مشهود يؤسس لانطلاقة جديدة تصنع مستقبلاً أكثر إشراقا ونماء وآمنا.

وضعت القيادة العمانية طوال هذه السنوات نصب عينيها توفير الحياة الكريمة للإنسان العماني الذي يعتبر هدف التنمية الشاملة وثروتها الحقيقية التي لا تنضب، تلك التنمية التي لم تهتم بالجانب الاقتصادي فقط بل صبت جزءاً كبيراً من الاهتمام على الجانب الاجتماعي والمتمثل في إعطاء الأولوية لتقدم الإنسان من الناحية الاجتماعية وتوفير احتياجاته الأساسية.

وتعتبر مبادئ حكم وسيادة القانون واستقلال القضاء واحترام حقوق المواطنة وقيم العدل والمساواة من أهم الأسس التي وضعها ورعاها السلطان على امتداد السنوات الماضية تكون أساساً صلباً للعمل الوطني في كل المجالات.

كما يخطو التعليم العالي في السلطنة خطوات ثابتة نحو ايجاد قاعدة متينة للأجيال القادمة.

ونجح القطاع الصحي في السلطنة من خلال مؤسساته المنتشرة في كافة أرجاء السلطنة في أن يوفر كافة خدمات الرعاية الصحية الأساسية للمواطن العماني.

وحظي قطاع الإسكان باهتمام متزايد من قبل الحكومة وذلك من خلال وضع الأسس والقوانين التي توفر البيئة العمرانية المناسبة والمسكن الملائم.

واستطاع قطاع النقل منذ بزوغ فجر النهضة أن يوفر كافة العناصر الأساسية للبنية التحتية سواء في مجال الطرق والنقل البري أو مجال الطيران المدني أو المواني.

وتمكنت وزارة القوى العاملة من تنفيذ خطة الحكومة للنهوض بالتدريب المهني والتعليم التقني لتوفير فرص التدريب للشباب خريجي التعليم الأساسي والتعليم العام بغية تأهيلهم بالمهارات اللازمة والمطلوبة في سوق العمل.

كما أعطى المجال البيئي أولوية خاصة واهتماماً مميزا يعكس رؤية حكومة السلطان الحكيمة بأهمية حماية البيئة من التلوث وصون مواردها الطبيعية.

وحظي قطاع الزراعة بقدر كبير من اهتمام الدولة لأهمية هذا القطاع ودوره البارز في توفير الغذاء للمواطن العماني . كما تمثل الثروة السمكية في السلطنة أهمية كبيرة في القطاع الوطني.

أما الأمن والاستقرار فهما مطلبان أساسيان باعتبار أن استقرار الدولة وتمتعها بالمظلة الأمنية، وهما الركيزتان الأساسيتان للتنمية الشاملة في جميع الأنشطة تحقيقاً للتقدم والازدهار.

وعمان وهي تنتقل من مرحلة إلى مرحلة من التطوير والتعمير وتحقيق الانجازات الكبيرة والعظيمة للشعب العماني بجهد مشترك بين القيادة والشعب، فمنذ 1970 ومسيرة التنمية في عمان تشق طريقها لا تعرف الكلل أو الملل واضعة في أجندتها وإستراتيجيتها فكر وتوجيه السلطان قابوس الذي كان له وما يزال الدور الأكبر في صنع كل هذه المكاسب والانجازات التي تشهدها عمان اليوم من أقصاها إلى أقصاها وسط ترحيب شعبي وجماهيري عماني كبير يؤكد على التلاحم والمحبة والتي تجمع القائد والشعب رغم التحديات الداخلية والإقليمية والدولية التي صاحبت كل هذه السنوات من عمر النهضة.

وتأتي الجولات السنوية للسلطان قابوس لتضيف بعداً مهما في ترسيخ بناء التنمية المستدامة والمتطورة في أشكالها ومضامينها ودلالة على العلاقة المتميزة بين السلطان قابوس والمواطنين وهي من المناسبات التي يراد منها أن تكون نموذجا للشورى يمارس من خلالها المواطنون في مختلف مناطق ومحافظات السلطنة متى ما حل المخيم السلطاني في كل بقعة من أرض عمان دورهم الوطني بكل وضوح وشفافية في مناقشة العديد من الموضوعات التي تتعلق بحاضرهم ومستقبلهم، وتسعى خطة التنمية الخمسية السابعة 2006 ـ 2010 إلى ترسيخ التحولات التي يشهدها الاقتصاد العماني وتحديد ملامح التنمية الوطنية في مختلف القطاعات في إطار التنمية المستدامة وتطبيق الرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني 2020 وهو يأتي أيضا في ظل الانفتاح الاستثماري والسياحي المتوازن الذي تسعى السلطنة من خلاله الدخول إلى القرن الحادي والعشرين، وقد حققت الكثير من الانجازات سواء فيما يتعلق بتطوير القوانين أو تحديد الاستراتيجيات المستقبلية.

يواكب هذه النهضة الشاملة في سلطنة عمان إعلام راق على رأس هرمه الوزير حمد بن محمد الراشدي الذي يحرص على جعل هذا القطاع الحساس وجهاً من الوجوه المضيئة لمسيرة الخير على أرض عمان.

وعلى رغم أنه لم تكن أي وسائل إعلامية قبل النهضة الحديثة فقد استطاع الإعلام العماني وخلال سنوات معدودة أن يواكب التطور الكبير في البلاد وان يتحول إلى صرح من صروح التنمية الوطنية التي تحقق التواصل الدائم والمستمر بين المواطن ومحيطه العربي والإقليمي والدولي بعيدا عن المبالغة والتهويل، وفي إطار يتحرى الدقة والموضوعية بالتعريف بما يجري من جهود وطنية في الداخل وفي نقل ما يدور من أحداث وتطورات على امتداد العالم، حيث يشكل الإعلام العماني جسراً للتواصل ويداً ممدودة بالصداقة لمختلف الدول والشعوب الأخرى التي تبادل السلطنة المواقف نفسها، وما يحقق التفاعل الحضاري مع الآخرين.

ويحرص الإعلاميون العمانيون على تعميق السمات المميزة للشخصية العمانية ثقافة وحضارة وانتماء، وبما يحقق تفهم المواطن لأبعاد الرؤيا العمانية وتفاعله الايجابي معها، ومشاركته في انجاز مقاصدها وسعيه للاستفادة من الفرص التي تتيحها ، ومن المعلوم أن النظام الأساسي للدولة أكد على أن "حرية الرأي والتعبير عنه بالقول والكتابة وسائر وسائل التعبير مكفولة في حدود القانون".

لقد تطلبت عملية التنمية وبناء دولة عصرية جهداً عظيماً ومتكاملاً ومنتظماً محدد الأهداف والمراحل، حيث تم توفير كل أسباب النجاح منذ بدايتها من خلال النهج الاستراتيجي في التفكير والتنفيذ وتسخير الطاقات والواقعية والتدرج وإشراك المواطن العماني المعطاء في مختلف أوجه ومراحل التنمية، وهذا ينطبق مع رؤية السلطان حيث يصرح لمواطنيه "نجدد العزم بمدد متواصل منه تعالى، وسند دائم منكم على دفع المسيرة المباركة نحو مزيد من الازدهار والاستقرار والتطور والعمران يكف لكل ربوع هذا البلد الطيب التقدم والارتقاء إن شاء الله".

تأخذ الثقافة والفنون دوراً محوريا في مسيرة التنمية العمانية، فالثقافة هي ركيزة أساسية في بناء الإنسان، وتقوم فلسفة الثقافة العمانية الحديثة على إحياء الموروث الحضاري لعمان والحفاظ عليه مع تطويره بما يتناغم مع العصر، وذلك في كافة مناحي الحياة من موسيقى وأدب وشعر وتشكيل وعمارة الخ، ويصب البعد التنموي في الاهتمام بالثقافة والتراث في ترسيخ مفهوم الهوية وفكر المواطنة، وفتح مساحة التنوير لا سيما في مجال الفنون الحديثة التي لم تكن معروفة في الماضي، وقد نجح المجتمع والمثقفون في الأجيال الجديدة في إحداث الحراك الثقافي الذي يعمل بموازاة مع المتمثلات المادية للنهضة مما يعمل على تشكيل تراث ثقافي عصري منيع.

إن ما تحقق في السلطنة في أربعة عقود يعد زمناً قياسياً في ظل الظروف الموضوعية والتحديات التي كانت سائدة في البلاد، وكان من الطبيعي في ظل تلك الظروف الاستثنائية أن يكون هناك فكر استراتيجي مستنير يضع البلاد على طريق التغيير الشامل ويعيد لعمان توهجه من جديد في ظل معطيات وحقائق تاريخية لا تحتاج إلى بيان على دور عمان وشعبها في الإسهام الحضاري والإنساني لمئات السنين.

كان الإنسان هو حجر الزاوية في اهتمامات قابوس على اعتبار أن أي تنمية بدون إسهام الإنسان تظل ناقصة احد أركانها الحيوية، فإقامة البنيان سهل وممكن ولكن بناء الإنسان ليتحاور مع عصره على الصعيد المعلوماتي والتقني هو الأهم في إطار الرهان الوطني على التحديث والتطوير في كل مجالات العمل الوطني.

يركز السلطان في أحاديثه على الإنسان والارتقاء بفكره وعطائه حتى يكون إسهامه في خدمة الوطن مميزاً وحاضراً بقوة وليس فقط متفرجاً على ما يدور سلبيا تجاه ما يدور في بلده من تنمية سريعة وشاملة.

تعتبر النهضة الاجتماعية محور العمل التنموي في الدولة العصرية، وقد أكد السلطان قابوس على أن الإنسان هو أداة التنمية وصانعها، وهو إلى جانب ذلك هدفها وغايتها، وتتأسس التنمية الإنسانية بالتعليم والرعاية الصحية والاهتمام بالمرأة وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرها من عناصر البناء الإنساني الفعال، وقد أثمر الاهتمام بالإنسان والجانب الاجتماعي عموما نتائج ملموسة ما كانت لتتحقق لولا أولوية الاهتمام بالإنسان وأن ينجز هذا الاهتمام بناء على قاعدة الاعتماد على غرس الثقة في نفوس الأجيال الجديدة بأن صياغة المستقبل تتطلب العلم والمعرفة والوعي، وبنظرة عامة فإن النهضة الاجتماعية كانت أبرز مثال لتوظيف منجزات النهضة الاقتصادية في سبيل الإنسان العماني.

مشروع النهضة العمانية التي بزغ فجرها في عام 1970 محاولة إنسانية لإحداث توازن بين التراث والمعاصر، فإذا كان الماضي يمثل إرث الإنسان، أمسه وذاكرته وتقاليده وقيمه التي لا يمكن تجاوزها بسهولة باعتبارها المرتكز الروحاني لبناء الذات، فإن "الحاضر هو موضع هذه الذات المتأثرة بما حولها من تحولات كونية، والتي لا يمكنها بأية حال من الأحوال أن تنفصل عنها، فهي تتأثر بها وتؤثر فيها، بيد أن العقلانية تتطلب من الإنسان إيجاد التوازن الموضوعي الذي يجعل الماضي والحاضر يتعايشان في وفاق منيع ومفيد، بإمكانه رفد الحياة نحو الأفضل، بدلا من الخصم من الرصيد الروحاني على حساب المادي الذي تعززه الحياة الحديثة بدرجة واضحة في تمثلانها الجلية".

إن ثلاثية "النهضة، التسامح، السلام" التي باتت عنوان عمان محلياً وإقليميا ودوليا هي ثلاثية لا تنفصل عن جوهر الإسلام الركن الأصيل، كما يؤكد السلطان في كافة توجهاته، هي قبسات من أضواء منجزات عبر نحو أربعة عقود أكد فيها قابوس وعبر كافة التطورات والظروف التي شملت العالم بكافة وعصفت بمنطقة الخليج بخاصة، أنه من الذين يحتفظون بشموخ القامة الإنسانية وينسجون الدفء والطمأنينة والاستمرار المضيء في تاريخ الإنسان.

النظرة التفاؤلية لدى السلطان قابوس تنطلق دائما من قراءة صحيحة لرصيد المنجزات الذي تحقق عبر مسيرة النهضة المباركة منذ بدايتها في عام 1970، إنه تفاؤل بالمستقبل وبقدرات الشعب العماني وثقتهم بالقدرة على بلوغ الغايات المنشودة من وراء بناء صرح النهضة المباركة التي شقت طريقها خلال أعوامها الماضية محققة المستهدف من كل خطة خمسية يتم وضعها في الإطار الزمني الموضوع لها حتى وضعت عمان على خريطة العالم المعاصر في المكان الذي تستحقه، ومن ثم كان التفاؤل بالمستقبل قائما على أسس حقيقية وليس مجرد طموحات وأحلام وردية. ولأن بلوغ ذرى العلياء لا يتم إلا بجهد جهيد، لذلك دعا السلطان أبناءه وبناته إلى الصبر والمثابرة والإخلاص، لإعلاء الصرح، فكل لبنة من لبنات ذلك الصرح الشامخ شكلت متكأ صلباً تستند عليه لبنة جديدة لتحقيق الرؤية المستقبلية حول التنمية الشاملة.

لقد رسم السلطان نهج الرقي والانطلاق نحو بناء المستقبل المشرق وهو التمسك بالعزائم الماضية والصبر والإخلاص والمثابرة وهي صفات يتمتع بها الشعب العماني ويشهد بها ماضيهم وحاضرهم، لكنه دعا القطاع الخاص ليضطلع بمزيد من الدور داعياً المستثمرين من مواطنين وأجانب إلى المشاركة في المشروعات التنموية بما يحقق الفائدة للجميع، "إن مشروعات التنمية الشاملة ماضية في طريقها المرسوم في مختلف أرجاء البلاد، خاصة في مجالات البنية التحتية والصناعة والسياحة، وإذا كانت الدولة هي التي تقوم بمعظم هذه المشروعات فإننا ندعو المستثمرين من مواطنين وأجانب إلى المشاركة فيها بما يحقق الفائدة للجميع وسوف يجد هؤلاء كل التسهيلات اللازمة".