عمامات وجلابيب وربطات العنق في قرن من الحراك الديني السياسي بالعراق

بغداد ـ جاء كتاب "100 عام مِن الإِسلام السِّياسي بالعِراق" للأكاديمي والباحث والمؤرِّخ العراقي رشيد الخيُّون، في جزئين، الأول منهما عن الإسلام السِّياسي الشيعي، والثاني عن الإسلام السِّياسي السُنَّي.

تناول الكتاب تاريخ الحراك الديني السِّياسي الإسلاموي في العراق، راصدًا مائة عام اختلطت فيها آيات الدين بأحكام السلطان، والمحاريب بالحراب، والآذان بأصوات الانفجار والدمار، وتصارعت فيها العمامات والجلابيب وربطات العنق! في بلد رفدته الطبيعة بالمياه والخيرات، ورفده أهله بالصراعات التي تلبست لبوس الدين.

بذل الخيُّون في الكتاب جهد المؤرخ المتابع، والمُحلل المُعايِش، والمفكر البصير. نقرأه محاولين استيعاب أحداث مائة عام في خلاصة، تفتح كوّة على المشهد الإسلاموي العراقي.

في هذا الجزء نقدم الإسلام السِّياسي الشيعي. وفي البداية، أرّخ الخيُّون لظاهرة الحراك الديني السِّياسي بالعراق، التي بدأت واهنة في العشرينيات من القرن الماضي لكن في السبعينيات قويت مشكلة ظاهرة سياسية تنادي باستلام السلطة وأسلمة المجتمع عبرها، وبفعل سياسة النظام السابق الطائفية، والمد الشيعي الثوري الإيراني، كان الحراك منقسمًا على السُنَّة والشِّيعة، فلأهل السنة أحزابهم وبالمقابل للشيعة أحزابهم أيضاً.

مهّد الخيُّون للجزء الأول بسرد تاريخ اللاهوت السياسي في الإسلام عامة، فالعراقي خاصة، وبدا مناسبًا بعد التمهيد أن يتناول دور المرجعية من بدايات القرن العشرين انتهاء بالسيد السيستاني، فسجّل القضايا التي تدخلت فيها المرجعية الدينية بشكل مباشر وهي: قضية الدستور (1906) أو الحركة الدستورية أو ما عُرف بالمشروطة والمستبدة. وثورة العشرين (30 يونيو/حزيران 1920)، وحوادث 1934-1935، وموقفها من حركة الكيلاني (1941)، إذ أفتى العلماء بالجهاد ضد بريطانيا.

تقصيًا لتاريخ المرجعية كان لا بد للخيُّون أن يمر ببوابة مرجعية آية الله محسن الحكيم، التي بدأت منذ وفاة محمد حسين النائيني (1936)، وشهدت تقلبًا في العلاقة مع الدولة، فبالرغم من البداية الجيدة، امتنعت الدولة بعدها عن العزاء في المرجع السيد أبي الحسن الأصفهاني (1946)، ولم تتحسن إلا بعد سنوات عندما مرض السيد الحكيم فبعث الملك بفريق طبي لمعالجته. وتوطدت بعد أن لبي طلبه في تعطيل أو عدم إعلان قانون الأحوال الشخصية.أيد الحكيم ثورة تموز، ولكن علاقته توترت وصارت إلى مواجهات بدأت كردة فعل بسبب مسألة حجاب المرأة، ورصد الكتاب ما أسماه بالاندفاع اليساري غير المحسوب الذي استفز المرجعية لتؤسس جماعة العلماء كواجهة لنشاط المرجعية السِّياسي. واصدرت نشرة "الأضواء"، وأسست مركزًا ببغداد والكاظمية، وترّكز نشاطها لمواجهة ما أسمته بالإلحاد، وأصدرت فتاوى تحريم الانتماء للحزب الشيوعي.

وهنا نلاحظ أن الخيّون يرجع غالب التكوينات الإسلاموية الشيعية – والسُنَّية كما سيأتي - كردة فعل للنفوذ الشيوعي الذي تعاظم في أواخر الأربعينيات والخمسينيات في العراق، وغيرها، ويرصد غالبًا المساجلات التي جرت بين الأحزاب الإسلاموية، والشيوعية لعكس تأثر الشيوعية، ولم يسلم الحزب الشيوعي من نقده لممارساته التي وصفها أحيانًا بغير المحسوبة، ولكنه يعود ليؤكد ضرورة أن لا نحاكم تجربة زمنية مؤقتة بغير معطياتها أو خارج سياقها.

لم تكن المعارك حكرًا بين اليسار والجانب الديني، بل وصلت أحيانًا إلى داخل المؤسسة الدينية نفسها والتيارات القومية أيضًا. ولعل أخطر ما تورطت به المرجعية الدينية، بشخص آية الله محسن الحكيم، وكذلك الشيخ محمد مهدي الخالصي (1963) ومفتي بغداد، تمثّل في فتاوى قتل الشيوعيين، وجاء رد الحزب الشيوعي العراقي بتأييد اتهام الحكيم الابن بالجاسوسية. في زمن عبدالسلام عارف (قُتل 1966) كان الموقف من القضية الكُردية من أبرز المحكات التي واجهت المرجعية.

لم تواجه المرجعية أي موقف حرج مع رئاسة عبدالرحمن عارف، سوى اعتراضها على التدخل المصري في شؤون العراق، أما أعنف مواجهات مرجعية السيد الحكيم السِّياسية فكانت مع دولة البعث الثانية (1968)، إذ تلكأت المرجعية في الاجتماع بصدام حسين. وبعدها جاءت زيارة السيد محسن الحكيم الاحتجاجية إلى بغداد، في (يونيو/حزيران) 1969، التي فوجئ إثرها ببيان اتهام نجله ووكيله ببغداد محمد مهدي الحكيم بالجاسوسية. فتسلل الابن إلى الخارج، ثم ذهب الأب في رحلة علاج إلى لندن، وبعد عودته توفي، وظلّ اسم ونشاط الأسرة في مقدمة الأحداث، لما لها من علاقة بتأسيس العمل الحزبي الشيعي المعارض.

مرجعية السيستاني، واجهت ظروفا دقيقة، وإن كان السيستاني، كما سلفه السيد الخوئي عازف عن السياسة وملتزم برفض الخوئي لولاية الفقيه، إلا أنه بعد التاسع من أبريل/نيسان 2003 اضطر إلى التعامل مع الوضع الجديد، فتدخل مرارًا مجيبًا على أسئلة المواطنين، ودعم تشكيل الائتلاف الشيعي، وسكت عن استخدام اسمه وصورته في الحملات الرئاسية. ونقل الخيُّون ما أكده بول بريمر من اتصالاته بالسيستاني، ونقل نفي مكتب الأخير لهذه الاتصالات.

أرّخ الخيُّون للتنظيمات الإسلاموية الشيعية، فكانت البداية بجمعية النهضة الإسلامية بالنجف 1917، الناشطة ضد الإنجليز، وقد حاولت التأسيس لجامعة إسلامية، لكنها بقيت طائفية. ونادت بولاية المرجع الأعلى، عميدها الشيخ جواد الجزائري، سلم بعد أحداث 1918. على أثرها، تشكلت جمعيات شيعية أُخر: الجمعية الإسلامية بالكاظمية، والجمعية الإسلامية، وغيرها. وتعد منظمة الشباب المسلم ذات نشاط ديني وسياسي منظم أسسها الشيخ عز الدين الجزائري العام 1940 بالنجف. اعتمد أسلوب الدراسة الحديثة، كان طموحاً في نشاطه السِّياسي الديني، يشير الخيُّون إلى أن أهمية حركة الشباب المسلم في سبقها التفكير في ضرورة العمل الحركي الإسلامي.

مرّ الخيُّون على الحزب الجعفري الذي تأسس العام (1952 وقيل 1951) بالنجف وهو نواة لتأسيس حزب الدعوة الإسلامية. مثّل بداية التحزب الديني الفكري الشيعي، فاعتمد بالأساس على المتدينين، لهمٍسياسي بحت.

خلاف مع الشيوعيين

حزب الدعوة الإِسلامية، جاء ردًا أو مواجهة لما أسموه بالمد الشيوعي في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي. وفي 1958 بمنزل المرجع محسن الحكيم وحضور محمد باقر الصدر أسس الحزب، ووقفت المرجعية الدينية، ممثلةً بآية الله السيد محسن الحكيم، من تأسيس حزب الدعوة الإسلامية على حذر.

أشار الكتابُ لدور باقر الصدر الذي تذبذب في أول نشاطه في الحزب لشكوك فقهية، وكان له دور فكري بارز، يظهر في مؤلفاته مثل فلسفتنا واقتصادنا وغيره، أشار الخيُّون إلى أن كتاب "فلسفتنا" استغل مِن قبل سلطة البعث، منتصف السبعينيات، ضد الحزب الشيوعي العِراقي، مشيرًا إلى أن طبعة قديمة منه كان فيها عبارة تشير إلى عدم الاعتراف بوجود فكر لدى حزب البعث، حذفت في النسخة الحكومية. للحزب غاية إقامة الدولة الإسلامية، ولا يخلو تشكيل حزب الدعوة، وقبله الحزب الجعفري، من انعكاسات الأحزاب والتنظيمات السُنَّية. تعاظمت معارضته لنظام صدام بعد الثورة الإيرانية، فأعدم محمد باقر الصدر في (أبريل/نيسان 1980)، خوفا من نفوذه، وكان الصدر متأثرا بالثورية الإيرانية، بالرغم من بعض التصرفات الإيرانية غير المحسوبةـ فيستغرب الخيُّون مثلاً من نداء بثته الإذاعة الإيرانية كرسالة للصدر، يطالبه فيها الخميني عدم الخروج من العراق! في أوج محنته مما ضاعف من غضب الحكومة العراقية عليه.

بعد الصدر استخدم الحزب الانتحاريين، وكانت مغامرته الثانية في إعلان مسؤوليته عن محاولة اغتيال عدي صدام حسين (1996). تعرض الحزب لانشقاقات عديدة، رصدها الكتاب، آخرها انشطار أمينه العام السابق إبراهيم الجعفري، ليكوّن تيار الإصلاح الوطني، أما جماعة نوري المالكي، فهم يعدون أنفسهم الحزب الأم. استلم الحزب رئاسة الوزراء بإبراهيم الجعفري (2004-2005)، ثم نوري المالكي (2005) ولم يبل حسنا، كان أداؤه دون الطموح بحزب له تاريخ وطروحات ورؤى.

تناول الكتاب أيضًا، العمل والوفاق الإسلاميين، فمنظمة العمل الإسلامي تأسست العام 1967، مرتبطة بالأُسرة الشيرازية بكربلاء، تؤمن بولاية الفقيه، ومرجعية آية الله محمد الشيرازي الذي لا يجيز سوى عمل الأحزاب الإسلامية في الساحة السِّياسية، سيطر عليها السيد محمد تقي المدرسي وهو أحد خمسة قادة أسسوا الحرس الثوري بإيران، وفي العام 1975 شرعت المنظمة بتشكيل جناحها العسكري، واعتمدت أسلوب الاغتيالات طريقاً في جهادها، بعد سقوط النظام (2003) عادت إلى كربلاء، دخلت ضمن الائتلاف الشيعي الموحد في انتخابات 2004، انتخابات 2005، ولم تفز.

أما الوفاق الإسلامية، فتأسست العام 1980، تحت عنوان حركة المهجّرين العراقيين، لها صلة بالمرجعية الشيرازية. شاركت الحركة في الانتخابات العامة، ورئيس قائمتها، أمينها العام جمال محمد حسن الوكيل، لكنها لم تفز.

أما حول المجلس الأعلى الإسلامي، فقد وثق له الخيّون بعناية، مشيرًا إلى أنه تشكل من حزب الدعوة الإسلامية، ومنظمة العمل الإسلامي، وحركة المجاهدين العراقيين، وأحزاب أخرى، وبعض التنظيمات العلمائية، اعتمد المجلس على العمليات الانتحارية، وفي قوامه العسكري على مجموعة عرفت بالتوابين وهم الجنود الفارين أو الأسرى، واللاجئين العِراقيين، مشكلين فيلق بدر (1983)، وبعد سقوط النظام (2003) دخل فيلق بدر بسلاحه وعدته، وتحول إلى منظمة مدنية باسم منظمة بدر، وترأسها هادي العامري. للمجلس الإسلامي الأعلى مجلس شورى ضم حوالى ثمانين شخصية، استأثر آية الله محمد باقر الحكيم (1942-2003) بالمجلس ودخل في خصومات مع حزب الدعوة الإسلامية، وجماعة الخالصي وغيرها.

بعد عودته إلى العراق اغتيل، فخلفه نجله عمار الحكيم، أشار الخيُّون إلى أن عمار واعٍ وحصيف وهو زعيم موعود.

التيار الصدري

الصدريون الذين يشكلون حضورًا كبيرًا في المستوى الإسلاموي الشيعي على مستوى أجيال ثلاثة، أُعدم الصدر الأول كما تقدم في (1980)، أما الصدر الثاني محمد محمد الصدر، فقد استفاد من أجواء الحملة الإيمانية التي أطلقها صدام، وكان منافسًا للسيستاني على المرجعية، وكان ينعته بالسلبية، وله خصومة مع آل الحكيم، وكان الصدر يعتمد على صلاة الجمعة لحشد الاتباع، إلى أن اغتيل في 1999. بعد وفاته كان أول ظهور للتيار الصدري في الأعلام، عقب مقتل السيد عبد المجيد الخوئي (10 أبريل/نيسان 2003) فكان أول حضور لاسم زعيم التيار السيد مقتدى الصدر في وسائل الإعلام العربية والعالمية، وارتبط أيضا بجيش المهدي موظفًا فكرة المهدوية على الساحة العراقية، وأعلن عن تأسيسه في 18 يوليو/تموز 2003، كميليشيا غير نظامية، تحت شعار مقاومة الاحتلال، وحماية المراقد، وتعزيز دور المرجعية الشيعية، وبعد ازياد نفوذه، اعترف الأميركيون بخطورته، وحاولوا اعتقال الصدر بجناية قتل عبدالمجيد الخوئي، يؤكد الخيُّون أن ظاهرة مقتدى جاءت كتحصيل حاصل، لسنوات من الانقطاع عن العالم، وأجواء استقطاب تلعب فيها الأيادي الخفية، تدخل الأميركان وكانوا على بعد كيلومتر واحد من اعتقال الصدر إلا أن وساطة قادها السيستاني سوّت الأمور فسلمت عناصر جيش المهدي، بمدينة الثورة، سلاحها مقابل مبلغ من المال.

دخل التيار الصدري في الانتخابات كأحد مكونات الائتلاف الشيعي، إلا أنه عاد مسلحاً من جديد، من دون اعتراض من حكومة الجعفري، رصد الخيُّون العديد من الممارسات والشواهد لظهور الجيش العلني بأحياء بغداد وسطوته، وتجاوزاته. كما أشار إلى تشرذم جيش المهدي إلى عدة جماعات، بعد قرار التجميد، الذي اتخذه مقتدى الصدر في أغسطس/آب 2007.

دخل التيار الصدري إلى البرلمان عبر كتلة الأحرار، في انتخابات 2010 الأخيرة، وحصل على تسعة وثلاثين مقعداً. وعلى منحى شبيه، كان حزب الفضيلة الإسلامي، وأصله جماعة الفضلاء، ومرجعيتها الدِّينية الشَّيخ محمد اليعقوبي أحد مريدي محمد الصَّدر، وهو من الأحزاب التي لم تخرج من العراق، ويعتبر اليعقوبي الديمقراطية هي الاستثناء الذي يلجأ إليه عند وجود المانع من إجراء القاعدة كأكل الميتة! اشترك حزب الفضيلة في العملية السِّياسية (2005)، كانت حصته 15 مقعداً من مجموع مقاعد الائتلاف، كان للحزب موقف معارض للتدخل الإيراني، وداخل البرلمان حسب له كشف ملف الفساد في وزارة التجارة.

كما تناول الخيون الجماعات، كجماعة الخالصي، التي تنسب إلى محمد مهدي الخالصي (توفي في 1922)، وهم ممن عملوا على التقارب مع المذاهب السُنَّية، عارضت الاحتلال البريطاني ثم الأنظمة العراقية كلها، ماعدا الحقبة العارفية، وعرفت لها خصومة واضحة مع الحزب الشيوعي، مما ذكرناه من فتوى للشَّيخ محمد مهدي الخالصي الاب بقتل الشيوعيين كمرتدين، وطغى على تحرك الخالصيين الفكر القومي، فربطوا مصائرهم بالنَّجف ومرجعيتها، فكرة الخالصي لم تتمكن من التوغل بين الشِّيعة، وذلك لمحدودية عدد مقلدي مرجعيته، بعد سقوط بغداد عادت جماعة الخالصي إلى مدينة الكاظمية، وأخذت دورها التحريضي ضد الاحتلال من داخل بغداد وخارجها، محذرة من فتنة طائفية، ومن تقسيم العراق إلى أقاليم.

جماعة البَغدادي، بعد توثيق تاريخها ومؤسسيها، حملت اسم مؤسسها، الذي كون في التسعينيات تنظيم حركة الإسلاميين الأحرار، وكان البغدادي شبيهًا في خصوماته بالسَّيد محمد محمد صادق الصَّدر مع المرجعية الدِّينية بالنَّجف، استفاد البغدادي من الوضع الجديد بعد سقوط بغداد 2003، فاشتهر خطيبًا على منابر مدينة الثورة، يفسق الأحزاب العلمانية، جعل نفسه مرشداً لحركة الإسلاميين الأحرار، يؤمن البغدادي بأطروحة ولاية الفقيه، ولا يعارض العنف في العراق بستار المقاومة، ولجماعته ذراع عسكرية باسم ألوية الشَّريعة الخاتمة.

الفصل الأخير، جعله الخيُّون في شأن المَهديُّون بعد التَّاسع مِن أبريل/نيسان 2003، كانت جماعة جند السَّماء وغيرها من الجماعات التي كانت تستعد لظهور المهدي المنتظر، مثل جماعة الصَّرْخي وجند السماء وأنصار الإمام المهدي، والسلوكيون أو السلوكية الذين يكثرون المعاصي تسريعًا لظهور المهدي.