عمار كشيش: الشهرة لا تشكل كنزاً عظيمًا للشاعر

لم أجد أحدا يأخذ بيدي

واحد من الشعراء الذين يسيرون في ظلال القصائد، مكتفياً باكتشاف متعة النص لوحده، يرمي بقصائده وسط بحر كبير، ويبتعد، مؤمناً أن المعدن الأصيل يتلألأ في عتمة هذا الكم، لا يرى في الكتابة سوى عملية اعادة تعريف للحياة، يمارسها كفعل مضاد لقصف الواقع اليومي، ويؤمن ان الشعر مضاد لهذا الترهل وشيوع التشوهات التي تمسخ شكل العالم، القصيدة عنده لا تعنى بأن تحل قضايا العالم الكبرى، هي ومضة عابرة لالتقاء الشاعر بالكون، أنه الشاعر الشاب عمار كشيش، التقيناه فقال: الشهرة لا تشكل دوما كنزاً ثمينا، احيانا تكون لعنةً، او تكون بالونا سرعان ما ينفجر، بالنسبة لي فهنالك ظروف معقدة تحاصرني، اخطو على أشواكها مضافا اليها الظرف العام وحرمان الاديب والفنان العراقي من حقوقه، انا بالنسبة لي ومنذُ البداية، في التسعينيات لم اجد احدا يأخذ بيدي نحو جادة القراءة الصحيحة، بل لم أجد احدا ينظر الى القراءة كغذاء مرادف لغذاء الجسد، ثم ان قراءاتي جاءت لا على التعيين.

اكتشفتُ الكتابة صدفة ورميت نفسي في بحرها، واشكر احدهم الذي حثني على القراءة، ولم تكن قراءتي صحيحة واستمر هذا الوضع خلال سنوات الحصار، ومع هذا واصلت الكتابة، اجد متعة في الكتابة في المجال الشعري، واجد متعة في الهدم وبناء اشكال اخرى، حتى ان لم يتقبلها المجتمع، والكتابة وكما يقول الشاعر العظيم ادونيس "هي للوعي وليس للجمهور"، ومثلي سعدي يوسف وسركون بولص.

وعن كتابه الشعري الأخير مع امير ناصر قال كشيش إن "تاريخ الماء والنساء" هو نص مفتوح، والنص المفتوح فضاء شعري كما جاء في تنظير الشاعر خزعل الماجدي، نعم هو شعري ولكن ليس بالمعنى التقليدي، أو معنى قصيدة النثر لان قصيدة النثر المعتادة لا يمكن ان تشترك مع شخص اخر في كتابتها هي لحظة هاربة.

ويؤكد أن نصنا تجاوز قصيدة النثر نحو عوالم اخرى متمسكا بشعريته، وقد نظرنا الى الواقع الشطري كل من زاويته وثقافته، واجواء هذه المدينة تبقى بالنسبة لي دوما تثير الاسئلة والدهشة، هذه المدينة هي مدينة مسورة بسياج قروي هكذا هي وهكذا انا نظرت وهكذا انا كتبت.

وأردف: الشاعر الجميل المبدع امير ناصر اكثر غنى مني وهو أكثر دراية بتفاصيل سرية وطبعا لديه تاريخ طويل في الكتابة ولديه بصمة جميلة، وفي نصنا حدث توافق عفوي بيننا وركزنا على النقاط التي نلتقي بها ومن خلال هذا التوافق انطلقنا في كتابة نصنا.

وعن قصيدة النثر أوضح قائلا: قصيدة النثر يا صديقي، اتضحت ملامحها، ولم يعد قلب شاعرها يختضُ بالقلق، عمرها طويل يمتدُ من رامبو وبودلير عالميا، وعربيا يمتد من ادونيس ومحمد الماغوط، ثم المحطة الاكثر وهجا سركون بولص، قصيدة النثر هي التطور الطبيعي للشعر. وإليك هذه الاشارة: يقول ادونيس بما معناه، ابو نؤاس اكثر التزاما وتجديدا من الجواهري، لكن انا اقول وانطلاقا من مقولة ادونيس، ان ابو نواس أقل تجديدا من فاضل العزاوي.

وأكد أن الشعر ليس مقالاً، أو خطبةً والشعر الصادق لا ينحني سوى لنفسه فقط، ولا بد له ان يتخلص من الإغراءات ولا يمارس الزنى بقبحٍ ما يرتدي لباس الجمال الزائف وبذلك لا تلعنه آلهة النقاء، والشاعر بموهبته، وخبرته، وتراكم اطلاعه ينجح في توظيف قضيةً ما كبيرة كانت أو صغيرة، هو يلتقط الهوامش، ويصنع منها سلّما يتسلقه نحو شرفات كونية، القصيدة ليس لها منبع سوى القلب، هي تطلع من سرّة اللحظة.

وعن مقولة موت الشعر الان، وأن العصر ما عاد يتحمل الشعر بل انه عصر سرد قال الشاعر العراقي الشاب عمار كشيش: نعم قرأتُ مقالاً: مات الشعر فما الذي حدث بحق الجحيم؟ المُترجم، المنشور في العدد الثالث من مجلة بيت الذي يتحدث عن طغيان ثقافة المرئيات. ولكن الشعر ليس ديناصورا حتى ينقرض إذا مات الشعر يعني ان الحب يموت كذلك والجمال يستشهد.

هذا كلام لا يعوّل عليه، وهو لا يسبب الصداع. قيل هذا زمن السرعة وأنت تمضي للعمل وتمضغ فطورك السريع تطالع أقصوصة، أو ومضة، لكن مع هذا ظهر النص المفتوح وظلت الرواية معافاةً. تخطو واثقةً لن يموت رامبو، وبودلير، والمتنبي، وأدونيس، والسياب، وسركون بولص، وسعدي يوسف وآخرون.

ويشتغل كشيش بعدة لغوية جيدة وتوظف اللغة بشكل متقن وأشار إلى الاطباء يوصون بحليب الام كي تكون ضحكة الطفل اكثر اشراقا، الشجرة تحتاجُ ماءً نقياً، وشمسا دافئةً كي تعطي تفاحاتٍ تزخر بالوهج الابدي. والشاعر المبتدئ او المتمرس كلاهما لا بد له من وجبة يومية شهية من القراءة كي لا يُصاب بفقر الدم.

ليس القراءة فقط التمعن في المدن، والمحطات, والانهار، والجسور كل هذه الأشياء تطلعُ منها أشعة تمنح الشاعر رؤية أكثر نضوجا.

وقال: انا من ناحيتي اطالع الادب بأنواعه قديمه وحديثه واحاول ان اطوّر من قراءتي، القراءة فعل يومي، مقدس، صلاة حين تتركها يسقط سقف الكون فوق رأسك، حين لا تكون القراءة هكذا لن يكون هنالك نتاج رصين.

وأكد أن الشعر الجيد موجود، في كل عصر، أمس ثمة شعر جيد واليوم وغدا والظلال موجودة، ربما تأخذ الصدارة لكن سرعان ما تنتهي وتخرج مثل دم فاسد من جرح التاريخ، نعم في هذا الجيل الشعري الجديد سيطلع شعراء من نفق الصخر الذي حفروه بأظافرهم، ويضيئون على ضفاف المجد لا تهمهم القبيلة بل الكلمة ـــ الماسة.