عماد عبداللطيف يؤرخ للخطابة السياسية مؤكدا أن نظام يوليو 1952 قضى عليها

العلاقة بين الحراك السياسي وازدهار الخطابة السياسية

يرى الباحث د. عماد عبداللطيف الأستاذ الزائر بجامعة كمبريدج بالمملكة المتحدة في كتابه الصادر عن دار العين "الخطابة السياسية في العصر الحديث"، أن حركة الضباط الأحرار 1952 قضت على ثراء المشهد السياسي المصر واستطاعت في سنوات قليلة أن تتخلص من كل القوى السياسية المناوئة التي وجدت نفسها إما مضطرة للذوبان داخل النظام القائم أو الانسحاب إلى العمل السري أو الانزواء المطلق، وأن هذه الاختيارات جميعا كانت تعاني بشكل غير مباشر القضاء على أنشطة التواصل السياسي بينها وبين الجماهير، فلم تعد الخطابة السياسية ممكنة في مصر تكميم الأفواه، كما أنها لم تعد مفيدة في سياق العمل السري.

ويؤكد عبداللطيف في سياق تحليله لجمهور الخطابة السياسية في مصر وتاريخ هذه الخطابة في القرنين العشرين والحادي والعشرين أن ذلك أدى إلى هيمنة صوت واحد على الخطابة الساسية، هو صوت نظام يوليو، و"لأن حركة يوليو لم تتوقف عند خوض المعارك، ولأنه "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" فقد فرض الصمت على الجميع، وظلت الخطابة السياسية لما يزيد عن العقدين من الزمان أسيرة الصوت الواحد الذي لا يعلو عليه أو يدانيه أو يعيش إلى جواره صوت آخر. وتحت مظلة هذا الصوت الواحد هيمنت ما يمكن تسميتها لغة الخطاب الناصري على لغة السياسة في مصر في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.

ومنذ أواسط الستينيات كان من الواضح أن هذه اللغة التي تمزج بين معجم يساري شبه ماركسي وآخر قومي، وتمتليء بالشعارات، قد دخلت في حالة من التحجر والجمود تبدت في شيوع العبارات الجاهزة والتعبيرات المصكوكة، وتحولت ـ بدورها ـ إلى إعادة إنتاج الذات، دون رغبة حقيقية في التواصل مع الآخر. وتبدو هذه النهاية منطقية تماما بعد أن أزاحت نفسه من الوجود سياسيا، وحولته إلى مسألة أمنية تتواصل معه المباحث والأجهزة الأمنية بالكرباج لا لغة".

ويستعرض عبداللطيف خصائص الخطابة السياسية في العصرين الملكي والجمهوري ويقارن بينهما مركزا على أثر تغيير الخطب السياسية وتغير الوسائط، ثم يوضح العلاقة بين الخطابة والحياة السياسية والاجتماعية في مصر على نحو عام والعلاقة بين الحراك السياسي وازدهار الخطابة السياسية.

ويشير عبداللطيف إلى أن السنوات العشرة الأخيرة من حكم مبارك شهدت تراكم عوامل كثيرة أدت إلى ضعف تأثير خطبه السياسية، فلم تعد خطبه ميدانا للإعلان عن قرارات مهمة أو أفعال جديدة، بل اتخذت الطقوس الشكلية، كما تراجعت مصداقية خطابه السياسي نتيجة الفرق الشاسع بين ما تقوله الخطب، وما يوجد على أرض الواقع.

ويقول "أحد أسباب عزوف المصريين عن اهتمام بخطب مبارك هو تراجع قدراته الأدائية. فقد أصبح يعتمد بشكل شبه كامل على النصوص المكتوبة ولا يخرج عن النص إلا نادرا. وكثيرا ما ترك انطباعا سيئا نتيجة فظاظة تعليقاته ومباشرتها الشديدة مثل تعبيره الشهير "خليهم يتسلوا" تعليقا على سعي معارضين مصريين لتأسيس برلمان بديل عن البرلمان المزور في 2010، وهكذا تراجعت مساحة التواصل بينه وبين الجمهور، في مقابل تزايد الاستخدام غير المحسوب للاشارات الحركية شبه العدوانية مثل التلويح العدواني بالاصبع، وصاحب ذلك جمود في لغة السياسية، فقط أصبح ما يقال اليوم شبيه بما قيل بالامس وما سيقال غدا".

وفي تحليله لعصر استجابات الجماهير للخطابة السياسية يتخذ من حالة خطاب باراك أوباما للعالم الإسلامي الذي ألقاه في الرابع من يونيه عام 2009 بجامعة القاهرة نموذجا تطبقيا لكيفية الافادة من التحليل النقدي للخطاب وبلاغة الجمهور، حيث رصد لملامح التغيير في العلاقة بين الجمهور والخطابات الجماهيرية بفضل تقنيات التواصل الافتراضي، كما قدم تحليلا تفصيليا لتعليقات مشاهدي خطبة أوباما مركزا على العلاقات المتنوعة بين سلطة الخطاب الأصلي وسلطة الجمهور. وهنا يشير إلى أن "تعليقات الجمهور على خطاب أوباما تصب في مسار إضعاف قوة الخطاب، بحرصها على إضعاف مصداقية المتكلم والتشكيك في غاياته ومراميه وتفنيد الكلام، ونقد الاستجابات المستحسنة له، وهكذا تقدم بعض التعليقات نموذجا للاستجابة البلاغية، التي تسعى لتعرية الخطابات".

ولأن التأريخ للخطابة السياسية لا يمكن أن يكتمل إلا بكتابة سيرة حياة أخرى هي سيرة حياة كتاب الخطب الذين يؤلفون النصوص التي يلقيها السياسيون في كل مكان، فإن عماد عبداللطيف يخصص فصلا كاملا لهؤلاء الكتاب شخصياتهم وعلاقاتهم بالسياسيين مثل محمد حسنين هيكل وعلاقته بجمال عبدالناصر، وأحمد بهاء الدين وموسي صبري وعلاقتهما بالسادات، ومكرم محمد أحمد ومصطفى الفقي وعبداللطيف المناوي وأسامة الباز وعلاقتهم بمبارك، ويوضح أن عملية كتابة الخطب السياسية في مصر غالبا ما توكل لشخص واحد وليس فريقا من الخبراء وكتاب الخطب، وهذا الشخص غالبا ما يكون من الصحفيين العاملين في مؤسسات صحفية قومية. ويقول إن المجتمع المصري لم يعرف مهنة كاتب الخطب الذي يتخصص في هذا النوع من الكتابة كما لا توجد مؤسسات متخصصة في توفير خدمة كتابة الخطب السياسية، وأن مهمة كتابة الخطب السياسية في السياق السياسي المصري ينظر إليها على أنها مهمة سرية لا يجوز الكشف عنها أو التصريح بها أو التطرق لملابستها.

ويلفت إلى أنه لا توجد سجلات تاريخية تتضمن معلومات دقيقة عن مؤلفي خطب الرؤساء المصريين، وأن المعلومات المتوفرة تنحصر في مصدرين أساسين أولهما هو كتاب الخطب أنفسهم من الصحفيين أو السياسيين الذين قاموا بنشر مذكراتهم أو ما يشبه ذلك، والثاني هو إشارات عابرة لبعض من شهدوا واقعة كتابة الخطب أو اتصلوا بمن قاموا بكتابتها.

ويختتم د. عماد عبداللطيف كتابه بملحق يضم خطبا لمصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول ومحمد نجيب وجمال عبدالناصر وأنور السادات، وأخيرا النص الكامل لخطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما بجامعة القاهرة 2009.