علي عبدالله صالح: تاريخٌ من الرقص على أفعى الإرهاب

أستغل علي عبدالله صالح الموقع الاستراتيجي والحيوي لليمن وبكونه ـ أي الموقع ـ محل تسابق وتنافس دائمين بين القوى الإقليمية والدوليّة في محاولة كل منهم لوضع موطئ قدمٍ أكثر رسوخاً على هذا الأرض لمقتضيات أمنية واستراتيجيّة مُلحة على الدوام.

ويتلخص هذا الاستغلال في الكيفية التي وظّف بها صالح هذه الطبيعة الاستراتيجية للموقع لإنتاج سياسة خارجية شديدة الغرابة والميوعة ، ويُمكن تلخيصها بالتالي "الجميع أصدقاء، وفي الوقت ذاته، الجميع أعداء". وهذه الصيغة المركبة والمُعقدة ليس لها صِلة أو قرابة ـ كما قد يفهم البعض ـ بالوصيّة السياسيّة الأثيرة "لا أصدقاء دائمون، ولا أعداء دائمون كذلك". فهذه الوصيّة تفترض عمليّة إنزياحيّة وتتابعيّة يتبدل فيها الصديق إلى عدو أو العكس وفقاً للمصلحة الوطنية ولكنها ليست تزامنيّة كما هي طريقة علي عبدالله صالح؛ فالصديق هو عدو في الوقت ذاته، وكما تُعامله من منطلق الصداقة، عليك أن تُعامله كعدو أيضاً. اما أسباب الصداقة والعداوة لدى صالح فهي محكومة بمدى الاستجابة أو عدمها للابتزازات التي لا تنتهي وليس لها حدود، ولا علاقة لها بأيّة مصالحٍ وطنيةٍ واستراتيجيّةٍ للبلد.

ولكي تكون هذه السياسيّة أكثر فاعليّة وواقعيّة، ويُوفِّر لها الوسائل والأدوات والآليات المطلوبة، وعناصر الشمولية والبقاء، فقد لجأ على المستوى المحلي إلى انتهاج نظريّة الرقص على رؤوس الثعابين، وفي رواية مُحدثة، الرقص على رؤوس الأفاعي، وتطويرها والاستفادة منها على الوجه الأكمل في كل مراحل حكمه التي تقلبت على نحوٍ دراماتيكي للغايّة.

ولعل المثالين البارزين على هذه السياسة "الراقصة": ورقة تنظيم القاعدة وجماعة الحوثي. وهما مثالان/ورقتان متناقضتان أشد التناقض على المستوى العقائدي. في الأولى، أستفاد ومنذ وقتٍ مبكرٍ جداً، وكما تُفيد المعلومات والتسريبات الاستخباريّة الغربيّة، من ورقة القاعدة ووظفها على الدوام لصالح حساباته الداخليّة وتصفية خصومه، بنفس القدر الذي جعل منها ورقة للابتزاز المفتوح لدولٍ خارجيّةٍ.

أما الورقة الثانيّة، جماعة الحوثي، التي غرسها بنفسه، وسَهَر على نموها ومدها بكل ما تلزم طوال مراحل نشوئها وتشكلها، ولم يأت اعتباطاً منه أن يغرسها في خاصرة المملكة العربية السعوديّة. في الحروب الستة التي خاضها الجيش ضد هذه الجماعة المسلحة، كان الجيش في مراتٍ كثيرةٍ على وشك أن يجتث هذه الجماعة من جذورها، ثم تأتي إليه أوامرٍ رئاسيّةٍ عاجلةٍ بالتوقف والتراجع فوراً، وبعد أقل من مضي عامٍ واحدٍ فقط يكتشف الجميع بعودة هذه الجماعة إلى الواجهة، عودة تكون فيها أكثر قوةً وعدداً وعتاداً. كانت هذه السياسة (الراقصة) تُثير كثيرا من الشكوك والريبة في أوساط المتابعين للشأن اليمني إلى أن كشف عن مستورها القادة المنشقون عن صالح في أزمة 2011، ثم تتالت الأيام والأحداث والتطورات لتكشف المزيد من مستور هذه السياسة، فتتمخض في النهاية عن علاقةٍ وثيقةٍ بين الحوثي وصالح، وعلى عكس ما يقوله المنطق الظاهر للأمور؛ فالرجل الذي حاربهم ودك معاقلهم ـ كما يُردد أنصار جماعة الحوثي باستمرار ـ صار أوثق حلفائهم وشركائهم!

وبالعودة إلى علاقة علي عبدالله صالح بتنظيم القاعدة، خصوصاً إلى نقطةٍ محوريّةٍ في تاريخ هذه العلاقة لم ينتبه لها الجميع بالقدر الكافي إلى الآن. في العام 2007، أي منذ خروج الجنوبيين للمطالبة بحقوقهم وتشكيلهم لحركة واسعة صارت تُعرف بـ"الحراك الجنوبي"، كان الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح يعمد إلى التصريح في كل مناسبةٍ بأن الجنوب سيتحول إلى قاعدة في حال أنفصل أو تمكنت عناصر تابعة للحراك من السيطرة عليه، لكن هذه الإشارة (الراقصة) كان من السهل على أعضاء التنظيم فهمها كإيعاز تطمينيّ يقول لهم بأن المناطق الجنوبيّة صارت أماكن أمنة لعناصرهم خلال الفترة المقبلة. وما تم لاحقاً كان انعكاساً عملياً لهذا التطمين؛ ففي غضون فترةٍ وجيزةٍ امتلأت مناطقٌ جنوبيّةٌ بعناصر القاعدة، فضلاً عن قيام صالح بتغييرات واسعة في القيادات الأمنية والعسكريّة في هذه المناطق. أما ما جرى في العام 2011، فكانت ملهاةً من نوعٍ خاصٍ، ليس فقط ذلك الانكشاف المريع بالتواطؤ مع التنظيم الإرهابي ومدّهم بالعتاد والدعم اللوجيستي، ولكن في تعامل وحدات من الجيش والأمن (وحدات خاصة) تتبع صالح شخصياً مع المسألة. قبل بضعةٍ شهورٍ كانت متواطئة مع عناصر التنظيم إلى أبعد الحدود وقدّمت لهم تسهيلاتٍ وفيرةً، وفيما بعد قيل انها تُقاتلهم بضراوةٍ ، في الميدان كان قتالها للتنظيم لا يؤدي إلا إلى مزيدٍ من تقدّمه، فقد كانت تقصف المُدن والقرى بالسلاح الثقيل وعلى عكس ما يتطلبه الموقف في حالةٍ كهذه (التدخل عبر الوحدات الخاصة). وبدأ واضحاً فيما بعد أن ما من هدفٍ لهذا القصف سوى إجبار الأهالي على النزوح والفرار من مناطقهم حتى لا يقوموا بتشكيل لجان شعبيّة تقوم بالتصدي لعناصر التنظيم الذي هبط عليهم بغتة (اطلقت هذه المجاميع القاعديّة على نفسها أسماً جديداً ـ أنصار الشريعة، وهذا الاسم له دلالة هامة، فهو أسم يتقاطع مع تسميات سابقة لمجاميع جهادية كانت حليفة لصالح في حربه على الجنوب العام 1994، فضلاً عن كونه يتقاطع مع اسم "أنصار الله"، الاسم الذي أطلقه الحوثي على حركتهم في نفس العام؛ أي 2011!).

في الفترة القليلة الماضيّة، بدأ واضحاً أن صالح عاد مرة أخرى لورقته الأثيرة، تنظيم القاعدة. لقد كشف العدوان المباشر الذي تنفذه القوات التابعة لصالح والحوثي في مدينة عدن الجنوبية والمناطق المجاورة لها وبدون أية مبرراتٍ أو نتائج سوى قتل المدنيين وإلحاق الدمار الكبير بمنازل ومباني المواطنين العُزّل عن مدى عنفهم وبشاعتهم، مما عاد بأضرارٍ بالغةٍ على صورتهم التي حاولوا جاهدين طوال الفترة الماضية تجميلها بسيلٍ من الشعارات الوطنية والقوميّة. وكهروبٍ من هذا المأزق، كان من المتوقع أن يلجأ صالح إلى تغيير طريقة اللعب، والدفع بورقةٍ أخرى من أوراقه الكُثر إلى تلك المناطق التي تنتظرهم فيها مقاومة شرسة. لهذا السبب ظهرت عناصر من تنظيم القاعدة في محافظة حضرموت وبنفس خطوات وآليات السيناريو الذي كان قد جرى تطبيقه في محافظة أبين الجنوبية خلال العام 2011 وما تلاه. فالمعسكرات التي تقودها عناصر ما زالت محسوبة على صالح فتحت أبوابها لعناصر التنظيم حتى تتمكن من التزود بالسلاح والعتاد اللازم لإسقاط المدينة. لكن الأمر الجيد في حضرموت تمثل في مبادرة حلف القبائل والميليشيات الشعبية إلى التصدي مبكراً لهذا السيناريو الخطير، فتحركوا على نحوٍ سريعٍ لتدارك الموقف، وفي طريقهم إلى حسم الامور مع عناصر تنظيم القاعدة وإحكام السيطرة على المدينة كانت وحدات من الجيش تعترض طريقهم وتقوم باستهدافهم على نحوٍ مستمرٍ، وهي ذات الوحدات التي لم يكن لها أي ردة فعل تجاه عناصر القاعدة الذين مروا من بين أيديها قبل يومٍ واحدٍ فقط.

كان من شأن إسقاط حضرموت، هذه المحافظة الغنيّة بالنفط والواقعة على البحر العربي، جنباً إلى جنب خلط الأوراق وارباك المشهد وضرب عناصر المقاومة ودك وتدمير المدينة لإجبار المواطنين على النزوح والتشرد دون تَحمّل اللوم من تبعات التدمير، توفير مسوغ ذهبي ـ محاربة "الدواعش" ـ لحليف صالح (جماعة الحوثي) يستدعي فيما بعد توجيه مليشياته صوب هذه المحافظة لاقتحامها، وهو نفس المسوغ الذي رفعته الجماعة الحوثية للتغطية على عدوانها الغاشم والهمجي على المناطق الجنوبيّة. لكن هذا النوع من المسوغات لم يَعُد فقط أقبح من ذنبٍ، فالخراب الذي تحدثه هذه المليشيات بات يفوق أي خرابٍ، ولكنها أيضاً باتت شديدة الغرابة والتناقض في واقع الأمر. فالمناطق التي دخلتها مليشيات الحوثي بحجةٍ محاربة الدواعش وتنتشر فيها عناصر محسوبة على تنظيم القاعدة لم تَحدُث بينهما أي مواجهةٍ تُذكر إلى حد اللحظة وكما يقتضي المنطق وتقوله الشعارات المرفوعة في العلن، هذا والجبهات مستعرة، بل ساد العلاقة بين الجماعة وعناصر التنظيم غضّاً للطرفي كلي، ومن كلا الجانبين، الأمر الذي يجعل من المعلومات القائلة بأن صالح هو أحد أهم صانعي وممولي والمُشرف على تحركات تلك العناصر المُشار إليها دوماً كعناصر "قاعديّة"، أقلّه على المستوى المحلي، حقيقةً لا تقبل الشك.