علي شبيب ورد: الهامش لا يعني المتدني والمتخلف والبدائي

كارثة المجتمعات العربية تتمثل في شراسة السلطات الحاكمة

في مشغله الفردي لا يزال الشاعر والناقد علي شبيب ورد يمارس وظيفتين في آن واحد، الأولى تتعلق بالأرشفة والتدوين للمنجز الأدبي العراقي في جنوب العراق، والثانية هي إعمال رؤيته النقدية تجاه هذه النصوص التي تقع بين يديه، أو غيرها، إذن هو المدون الناقد، أو الناقد المدون، وإذا كان النقد يتعلق برؤية لا نهائية لنص ما، ومن ثم إعمال آليات التأويل والتفكيك والإحالة وغيرها، فإن المدون يبتعد عن تلك المسافة، كونه يبحث عن نصوص نهائية لجمعها في أرشيفه، وهنا يبدو التناقض بين المهمتين جلياً، إلا أن ورد لا يزال يمارسهما دون يأكل أحدهما من جرف الآخر، بل يصنع منهما حلقة بلونين، تلتقيان في خطوط تماس يقترحها هو.

عبر هذا الحوار نثير معه إشكاليات تقترب من الشعر والسياسة والفكر والتراث والدين لاكتشاف رؤيته لكل تلك المكونات التي تتصل ببعضها ظاهراً او باطنًا.

وعن سؤالنا حول قصيدة النثر قال: من المؤكد أن القصيدة الجيدة ذات الصور المدهشة والنسق الاتصالي الموارب – على اختلاف أشكالها – هي الأكثر اهتماما وتقديرا من لدن الذائقة التي تتوفر على كفاءة اتصالية عالية. وهذه القصيدة، لا تنتجها إلاّ مخيلة جادة، سواءً كتبتها وفق نسق موزون أم سواه، لأن الذائقة النشيطة بمقدورها تمييز الجودة، في شعر التفعيلة والنثر على حدٍ سواء.

ولك أن تعلم أن شعر النثر يتوفر على طاقات هائلة أكثر من شعر التفعيلة، تمكنه من تخصيب الفعل الاتصالي، بمنظومات بث قادرة على كسب ود المتلقي الحاذق. على الرغم من تمتع شعر التفعيلة بميزة موسيقى النظم، التي تغري الذائقة على الاستمتاع مع أنغام القصيدة. وذلك لأن الذائقة عموما ورثت جَبُلَّة إصغاء صوتية على مر الزمن، بفعل الموجهات المركزية الشمولية للذاكرة الجمعية. وشعراء النثر لا يمتلكون سلطة ما، لفرض مشروعهم الكتابي على الساحة الشعرية، كونهم لا يخدمون السلطات الحاكمة، لأن شعرهم يقوم على مبدأ التمرد على المألوف ونبذ العبودية.

وأضاف: صحيح أن النثر متوفر، ويمكن صياغته في جمل ومقاطع، غير أنه يحتاج إلى سبك جمالي أخّاذ ومدهش لأنه بلا موسيقى. وأنا مؤمن بأن القصيدة الجيدة هي التي تفرض نفسها الآن ومستقبلا بغض النظر عن كونها تفعيلة أم نثر، وربما أميل إلى مستقبل أفضل للنثر. وقد أشار إلى هذا الأمر الناقد عبدالقاهر الجرجاني في كتابه "دلائل الإعجاز" بقوله: "إن الشعر يمكن أن يوجد بدون أوزان، أي أن الشعرية الحقة لا تتوقف عند الوزن، بل هي التخييل المعبر عن أحاسيس متقدة، ورؤيا نافذة، شديدة العمق، ويكون التعبير الجميل مطيتها. فمن خصائص الشعر: التخييل، الأحاسيس، جماليات الكلمة والتركيب، الرؤية الشفافة".

هذا من جانب، من جانب آخر، من قال لك إن القصيدة نتاج عاطفي فقط؟! لا هي ليست كذلك، كونها نتاج مخيلة يتخادم فيها ما هو عاطفي وما هو عقلي. وبعد فالقصيدة الآن تطورت بما يتناسب والتحولات الاجتماعية والعلمية والتقنية، وخاصة قصيدة النثر فقد ابتعدت كثيرا عن توصيفات (سوزان بيرنار) لها. وهي بعد أن دخلت مضمار (النص المفتوح) تطورت إلى تجارب أخرى، ومنها: (السيرة) و(اللعبة) و(المخطوطة) و(الريبورتاج) و(الباطن) وسواها من التجارب التي ذكرها الشاعر خزعل الماجدي في كتابه "العقل الشعري" وسواها من التجارب المحتملة.

ويقول علي شبيب ورد: المشكلة ليست في إمكانيات النثر على إنتاج قصيدة، بل في أوهام الذائقة وطبائعها المتوارثة في اعتبار الشعر الموزون أكثر جدارة من شعر النثر. أما فيما يتعلق بجودة الشعر من عدمه، فهذا إشكال موجود في كلا النمطين، شعر التفعيلة، حيث طغيان شعراء النظم، وكذلك في قصيدة النثر، حيث طغيان الاستسهال أو الغموض المفتعل.

وعن محنة النقد العربي قال الناقد علي شبيب ورد: هي ليست محنة النقد العربي فقط، بل محنة الفكر العربي عموما، حيث هيمنة الثوابت والمصدات، التي تمنع التأمل والتمعُّن وحسن قراءة الظواهر المحيطة بالإنسان. فلم يشهد المجتمع العربي سوى جبروت الفكر الشمولي المتوارث، والطارد لكل محاولات منافسته على توجيه عقول العامة وفق مراميه. المنظومة الفكرية للقبيلة العربية منذ القدم، لا تسمح لأفرادها بالخروج عن فروض الطاعة والولاء لمركز السلطة (شيخ القبيلة). وعلى الفرد الانصياع أبدا إلى تعاليمه المستمدة من سنن متوارثة دينية ودنيوية، وكثير من المهن والأعمال معيبة ومستنكرة من قبل أغلب القبائل العربية.

وكذلك ابتعد العربي عن الخوض في حقول العلوم التطبيقية والفلسفة، وبينما ذهب غير العربي إلى الابتكارات العقلية والتطبيقية، ظل العربي أسير الثوابت وتقليد السلف. ولا يمكن لنا أن نلمس في الموروث العربي سوى هيمنة الشعر، الذي ينبري لخدمة تقاليد القبيلة، وخاصة لتهويل النعرات وتمجيد بطولات أولي الأمر. ونتيجة لهيمنة عراقيل التفكير المتوارثة في المجتمع العربي، بتنا دوما، نستقبل مكرهين، كل تحولات الفكر العالمي ومنجزاته العلمية والفلسفية، ومنها المناهج النقدية. بينما نسعى جاهدين لقمع أية محاولة للاجتهاد بشتى تنويعاته، وخاصة خروقات ومشاكسات الصوفيين والمعتزلة والصعاليك وسواهم.

من هنا نجد أن كل الفنون الأدبية ومناهجها النقدية وفدت إلينا من منابع غربية، وليس من السهولة أبدا، تحديد هوية نقدية عربية واضحة. ولكن يمكن لنا التعامل مع ما يجري من تحولات في المنجز العالمي، وفق منطلقات متجردة من أيديولوجيا الخوف من الآخر، وطرد نظرية المؤامرة من تفكير أصحاب القرار ومؤسساتهم الثقافية.

وهنا يتساءل شبيب: أين الخلل في الإفادة من المناهج الوافدة؟! وما الذي صنعناه أو اكتشفناه نحن العرب حتى نطالب بهوية نقدية عربية؟! النقد ومناهجه يا صديقي يتطور في الغرب ونحن نراوح في مكاننا مع الثوابت الراسخة والوصايا المرعبة والمحذرة والمتوعدة لكل محاولة فحص وتنقيب. نحن ومنذ أزمنة ندعو إلى هوية عربية دون فائدة، كيف يمكن لنا أن نؤسس لنظرية نقدية من دون حرية؟ وسنظل هكذا على الدوام، ما لم نعترف بالأسباب الجوهرية لهذه المحنة.

يرى علي شبيب ورد أن النقد الأدبي كفعل إبداعي معرفي، كان ولا يزال ويبقى إجراءً رؤيويا يقوم على قراءة النص، غير أن الاختلاف يكمن في نتائجه المتمثلة بنصوص ما بعد القراءة. وهذه النتائج تحددها أهداف وأساليب المناهج النقدية التي تعددت وتشعبت منطلقاتها واستنتاجاتها على امتداد خارطة الذاكرة الأدبية. ومن أمثلتها: الاجتماعي والنفسي والذاتي والموضوعي والفني أو الجمالي والتاريخي واللساني والبنيوي والتفكيكي والسيميائي وأخيرا الثقافي، وسواها من المناهج التي كشفت عن اختلاف زاوية التناول ومنطقة الاشتغال ومستويات التطلع، وما هي (أي المناهج) سوى انعكاس للتحولات الفلسفية والفكرية في هذا العالم المتسارع في تعاقب مجرياته وتنوع تداعياتها على الدوام.

ويؤكد أن النقد سيبقى محصورا في وظيفته الإجرائية الخادمة للنص، وهي قراءته أو فحصه، ولكن ستتطور وتتباين وتتجدد نصوص ما بعد القراءة، أي نصوص التأويل. وتوخيا لحسن قراءة مفهوم النقد، لا يمكن لي الانحياز لمنهج نقدي محدد، بل أنظر لكل المناهج كعيون ينابيع تنضح ماءً زلالا يمنح حياتنا دفقا وحيوية وخصوبة أبدية. من هنا جاء كتابي "كولاج تأويل" يحمل مشروعا نقديا لا يستسلم لمنهج محدد، بل يخفى بقصد وفطنة مراجعه المنهجية المتعددة. ولكن هذا لا يعني مواجهة النص من دون ثقافة نقدية نظرية وميدانية، بل يتطلب التعرف على كل المناهج والإفادة منها خدمة لمنطلقاته الرؤيوية.

ويوضح علي شبيب ورد أنه – لا يحق لي ولا لأي أحد – مهما كان خبيرا - أن يفرض منهجا ما، ويدعي بصحته وتفرده ووحدانيته في الوصول إلى الحقيقة، فلا وجود لحقيقة نهائية في هذا الكون. فالإجراء النقدي – وفق أي منهج كان – هو إجراء واحد فقط، من عدة إجراءات ممكنة ومحتملة في أي زمان ومكان، للناقد الواحد أو لعدة نقاد محتملين. وهذا ما أكده امبرتو إيكو في كتابه "التأويل بين السيميائية والتفكيكية" حيث يقول: "هناك نظريات حديثة تقول بأن القراءة الوحيدة الجدية للنصوص هي قراءة خاطئة، والوجود الوحيد للنصوص يكمن في سلسلة الأجوبة التي يثيرها". من هنا يحق للفاحص أن يتناول النص وفق أي منطلق يراه، شريطة أن لا يغالي أو يفرط في الغور بعيدا في مسلكه المنتقى، ويوقع النص النقدي في ترهل لا يخدم النص المفحوص. ربما يظن البعض، وخاصة الذين يطبقون المنهج بصرامة، إنني أدعو إلى إجراء نقدي غير مدرك لأهمية الإفادة من معين المناهج النقدية. غير إنني أجد أنه لا حدود تقف أمام حرية الناقد في اختيار أدواته النقدية، شريطة أن تنبثق من أهم الظواهر المتوفرة في النص. والتي من خلالها يمكن للناقد أن يتحرك للتنقيب في كنوز النص أفقيا وعموديا، دون أن يتناسى تنويعات وتباينات السياقات المنهجية.

وعن إشكالية التراث والمعاصرة في الفكر العربي قال علي شبيب ورد: التراث موجود في جميع دول العالم، وينطوي هذا التراث عادة على نصوص متنوعة في درجة علاقتها مع الذاكرة الجمعية، التي توارثتها عبر الأزمنة. وبعض هذه النصوص تحتل أهمية مركزية لدى هذه الذاكرة، وخاصة التي أخذت درجة القداسة وبمستويات متفاوتة. وأهمها النصوص الدينية التي تستبطن جملة تعاليم ووصايا لعبت وتؤدي دورا جوهريا في توجيه المنظومة الفكرية للذاكرة، التي تستخدمها السلطة للهيمنة على الشعوب.

إن لعبة الجمع بين المؤسستين الدينية والدنيوية كانت ومازالت سببا رئيسيا في إخضاع الشعوب وتحويلها إلى حشود خاشعة لدكتاتورية المركز ذات البنية الهرمية. دهور وأزمنة من السلطات الشمولية التي تركع شعوبها عبر الإفادة من تأويل النصوص الدينية لمصالحها، على أساس أنها ممثلة للإله في الأرض.

وقد ساهمت هذه الحكومات الجائرة وعلى مر الزمن في توطين موجهات راسخة تمنع الإنسان من محاولة التفكير للوصول إلى قراءة مجدية للنصوص الدينية. فظلت السلطات الجائرة تتوارث الحكم، ضمن مناخ (سياسي/ ديني) يؤسس وينشر (ثقافة القطيع) المجدية والمشرعِنة لسلطات (أولي الأمر) بشتى ألوانهم ومراتبهم الاجتماعية. فليس غريبا أن تتواصل فتاوى قتل الآخر باسم الرب والوصايا الدينية، وخاصة في أغلب مجتمعات الشرق التي مازالت تتحكم فيها الخرافات والبدع الروحانية. لقد آن الأوان لإعادة قراءته وليس مقاطعته، ولكن بعين فاحصة متبصرة تلج حقول الألغام والأسلاك الشائكة والخطوط الحمر، لإنتاج نصوص التأويل المجدية لصنع وجود أفضل.

ويرى علي شبيب ورد أن كارثة المجتمعات العربية تتمثل في شراسة السلطات الحاكمة (الدينية والدنيوية) كونها لا تترك السلطة إلاّ بمعونة خارجية، وهذا الأمر عادة ما يفضي بالمجتمعات (المحرَّرة) إلى هاوية. حيث تشظي الدكتاتورية الكبيرة التي كانت متجبرة في بلد ما، إلى دكتاتوريات شتى، كانت في السابق داعمة للجبروت وتحت قبضته. ولا تختلف عن الجبروت أبدا في مناهضتها للحرية ودحضها أو محوها للآخر، ولكن وفق سياق تكفيري يقدس فعل محو الآخر. وهذا مؤشر على تحرر المجتمعات العربية من عبادة القائد الواحد ذي القبضة الحديدية، وتنتهي إلى الأبد ثقافة القطيع، على مستوى الشعب الواحد أو الأمة أو سواهما. غير أن هذا المناخ التعددي التناحري المتلاطم في حراكه الاجتماعي، لا ينتج سوى الخراب والدمار على كل الأصعدة، وهو على مر الزمن سيكشف للناس المخدوعين بهكذا تجمعات، أنهم مخطئون في انتماءاتهم الفئوية هذه، وما عليهم سوى البحث عن نسق اجتماعي يستوعب كل الفئات في سلة وطنية واحدة.

يذكر أن علي شبيب ورد حاصل على بكالوريوس فنون مسرحية. عمل مدرسا في معهد الفنون الجميلة/ ذي قار. عمل رئيسا لأتحاد أدباء ذي قار. نشر قصائد ودراسات نقدية عديدة في الصحف والمجلات العربية والعراقية. شارك في مهرجانات وملتقيات ومؤتمرات كثيرة وحصل على دروع إبداع وشهادات تقديرية عديدة. فاز بالجائزة الأولى في مسابقة وزارة التربية (النشيد المدرسي وأنشودة الطفل) عام2009. عضو (أمانة الشؤون الثقافية) لاتحاد الادباء والكتاب في العراق. عضو هيئة تحرير (مجلة الأديب العراقي) لاتحاد الأدباء والكتاب في العراق. عضو الهيئة الادارية (لملتقى الخميس الابداعي) اتحاد الأدباء والكتاب في العراق.

من كتبه الصادرة: كتاب "ناطحات الخراب" شعر/ عن دار الشؤون الثقافية / بغداد 2009. كتاب "دهشة القراءة الأولى" مقتربات نقدية في تقنيات الشعر/ عن دار رند/ سوريا 2010. كتاب "دليل المعلم – النشيد والموسيقى" مشترك/ وزارة التربية / المديرية العامة للمناهج/ بغداد2011. كتاب "دموع أور" المشغل الشعري في ذي قار (الشعراء المقيمين) عن دار تموز للطباعة والنشر/ سوريا 2011. كتاب "دراسات نقدية عن الأدب الكوردي" مقالات نقدية (مشترك) منشورات اتحاد الأدباء الكورد/ دهوك2010. كتاب "أور المنافي" المنجز الشعري في ذي قار(شعراء المنافي) عن دار تموز للطباعة والنشر/ سوريا 2012. كتاب "كولاج تأويل" مشروع نقدي / عن دار تموز للطـباعة والنشر/ سوريا 2013. كتاب "عناء الماس" انطولوجيا نصوص مسرحية/ عن دار تموز للطباعة والنشر/ سوريا 2014.