علي زيدان المختطَف سابقاً الهارب لاحقاً

كما لو أن خاطفيه كانوا قد افرجوا عنه بكفالة، ها هو علي زيدان يفر من ليبيا هاربا من سجن صار في حكم المؤكد.

رئيس وزراء ليبيا الذي صار منذ يومين مطلوبا للعدالة يعرف جيدا أن العدالة لن تكون في انتظاره، في بلد لا أحد يعرف مَن يحكمه.

كان الرجل اضعف من أن يندد بجريمة خطفه. بل أنه بدا منافقا ومتزلفا حين طلب أن تطوى تلك الصفحة. الدبلوماسي السابق قبل أن ينضم إلى المعارضة الليبية في الخارج في وقت مبكر من حياته، كان يدرك أن ليبيا التي قاوم نظامها بتشدد رافضا القبول باي نوع من التسويات مع نظامها الحاكم لم تعد موجودة.

البلد الذي كان يحكمه رجل واحد بيد من حديد صار نهبا لأهواء ومصالح ونزعات حملة السلاح من أعضاء الميليشيات التي لا حصر لها.

ما رفض التفاوض من أجله في السابق صار في الوقت الراهن نوعا من المستحيل.

وما ازمة ناقلة النفط الكورية إلا دليل عملي صارخ على أن ذلك المستحيل كان قد أخذ طريقه إلى الواقع، باعتباره سياقا طبيعيا.

فالحكومة التي كان زيدان يترأسها قد قُدر لها أن تكون عاجزة في مواجهة الميليشيات. لذلك لم يكن متوقعا أن تكون الحكومة جادة في تهديداتها في قصف السفينة التي كان وجودها في شواطئ برقة يمثل خرقا معلنا للسيادة الوطنية وللقانون الدولي.

غير ان قصف تلك السفينة، حتى وإن كان ممكنا على المستوى الافتراضي، فقد كان يعني من وجهة نظر المتمردين الذين قرروا تصدير النفط لحسابهم الخاص اعلان حرب، لن تكون حكومة زيدان قادرة على مواجهة عواقبها.

فليبيا التي تركها العقيد القذافي من غير جيش وطني وجاءت غارات الناتو لتجهز على كتائبه هي في حقيقتها أرض مفتوحة لغزاة، هم أبناؤها الذين توزعوا حسب ولاءاتهم القبيلة والجهوية بين ميليشيات، صارت تحتكم إلى السلاح في تصفية خلافاتها والحصول على ما تراه حقا لها.

لقد سلم الناتو من الجو الليبيين بلدا لن تقوم له قائمة. ليس لأن القذافي كان قد أخذ مفاتيح جماهيريته معه، بل لأن تلك الجماهيرية كانت وهما، اخترعه القذافي بما يتناسب وحجم الخرافات التي أحاط بها شخصه المصاب بجنون العظمة. وحين اختفى القذافي صحا الليبيون على حقيقة ما انتهوا إليه: شعب لا يدين بالولاء إلى وطن واحد.

كانت نكبة الليبيين تكمن في أن القذافي كان قد صنع من شعاراته الخاوية بديلاً عن الوطن، فصارت المؤتمرات الشعبية القائمة على التهريج هي القاسم المشترك بينهم. لقد أشاع العقيد المقتول ثقافة رخيصة قائمة على الرياء، في ظلها فقد الليبيون ايمانهم بوحدة وطنهم.

وقد يقال إن زيدان وسواه ممن قضوا الجزء الأكبر من حياتهم خارج ليبيا هم ليسوا أبناء تلك الثقافة القطيعية. وهو قول قد لا يكون صحيحاً دائما، ذلك لأن الانظمة المعتقة مثل نظام الأخ العقيد كانت قادرة بسبب عمرها الطويل وما تملكه من أموال على أن تمارس تأثيرها الخفي على معارضيها بحيث تصيبهم بالأمراض نفسها التي يصاب بها مواطنو الداخل.

لذلك كان زيدان ومَن سبقه في منصبه على يقين من عجزهم عن بناء دولة المواطنة. الدولة التي يسلم إليها مواطنوها أسلحتهم في انتظار أن يقوم القانون بمهمته في فرض مبدأ العدالة الاجتماعية على الجميع ومن أجلهم.

وإذا ما كان الليبيون من حملة السلاح يائسين من إمكانية قيام دولة تكون قادرة على فرض مشروعها الوطني الموحد، فان زيدان وسواه من المسؤولين لم يكونوا أفضل حالا. وما كان زيدان ليفر من ليبيا حين أدرك أن هناك نية لإقالته، لو أنه كان يمتلك نسبة ضئيلة من الامل.

هرب زيدان لانه يعرف جيدا أن البلاد التي كان قد ترأس حكومتها لا تحترم القانون، وما من أثر للعدالة فيها.