علي بك مظهر وحمادة عزو وكشف المستور

ما انا فعلا حمادة عزو

كتب لينين الرملي مسرحيته علي بك مظهر عام 1976، عن شاب يعيش في الأوهام، دبلوم تجارة، وفقير للغاية، لكنه يتعامل مع الآخرين على إنه شخص عظيم، يتعالى على كل المتعاملين معه.

عندما شاهدنا المسرحية، اكتشفنا إننا كنا نعيش مع هذه الشخصيات دون أن نعي إنها شخصيات مريضة.

اكتشفتُ أن صديقي المقرب لي يعاني من هذه المشكلة، فهو يكبرني بسنوات قليلة. وسيم، يرتدي ملابس أنيقة، ويتكلم مع الآخرين في كبرياء. والده عامل في وكالة الخضار والفاكهة بالحضرة، ويسكنون حجرة داخل شقة. لكنه يحرص على ارتداء ملابس غالية الثمن،

كان مجنونا بالنادي الأهلي، وشديد الإعجاب بصالح سليم، لاعب الكرة، ثم رئيس النادي بعد ذلك، رآه في فيلم الشموع السوداء يرتدي جاكيت شمواه، فاقترض وادخر، وأخذ من أبيه وأمه وإخوته حتى اشترى جاكيت شمواه، وكان يسير به في الحارة الفقيرة التي لم تعتد ذلك.

ويجلس معي في ديليس في محطة الرمل، فينظر إلى رواد المقهى في كبرياء قائلا:

- هذه طبقة صنعتها الثورة.

وغضب عندما حدد جمال عبدالناصر الملكية، فقلت له:

- هل تمتلك أراضي تخضع لتحديد الملكية؟

فقال في حماس شديد:

- لا، ولكنني كنت سأكون مالكاً لآلاف الفدادين في المستقبل.

تأملت شخصيته، وأظهرتها في روايتي الأولى "الصعود فوق جدار أملس" عام 1977.

واكتشفت أن أحد أقربائي علي مظهر أيضا. فهو يتحدث عن نفسه كثيرا، ويشيع عن نفسه قصصا لم تحدث، فجمع بين عائلتين قويتين كانتا تتعاركان، وأنهى الخصومة بينهما. وإنه سب فلان الفلاني (شخص غني جدا ومهم في المنطقة) ولم يستطع أن يرد عليه. وحكى لابنتي بإنه هو الذي علمني الكتابة، وإنني في مسابقة ثقافية كبيرة، كانوا يسألونني، فانظر إليه وهو بين صفوف المشاهدين، لكي يسعفني برد السؤال.

وإذا قابل شخصاً يظل يحكي له عن بطولاته المزيفة لساعات طوال، فهرب منه الناس، وتجنبوه.

وفي عملي شاهدت شخصية علي مظهر. زميل عمل في قسم التدريب، هو وزميل آخر، لكن عندما قابله أحد معارفه وسأله عن زميل لنا في الشركة، قال:

- يمكن يكون بيشتغل عندي، أصلي موظفيني كتار جدا، ومعرفهمش من بعض.

وقبل الأعياد كان رئيس الشركة والمديرين الكبار، يأتون لمصافحتنا وتهنئتنا بالعيد، وهو كان يفعل مثلهم. وشاهدت رئيس النقابة في شركتنا، يداعبه قائلا: يا علي مظهر.

هذه نماذج قليلة جدا، من مجموعة شخصيات اكتشفتها بعد أن شاهدت مسرحية علي مظهر ثم المسلسل والفيلم المأخوذين عن المسرحية.

وقد سألني صديقي المرحوم محمد الجمل:

- من أحب أولادك إليك؟

فقلت: كلهم واحد.

فقال: لا، أنا عندي ولد وبنتين، الولد قليل التواجد في البيت، والبنتان، الكبيرة متعلقة بي، مرة سمعت زوجتي تزعق لي، فلامتها، وقالت لها: بتكلميه ليه كده؟!

وتراني أكتب أو أقرأ، فتأتي إلي قائلة: أكيد محتاج لفنجان قهوة.

وتعد القهوة وتأتي لنشربها معاً.

وشاهدت مسلسل تليفزيوني باسم "حمادة عزو" عام 2007 من تأليف يوسف معاطي فاكتشفت أننا نعيش مع هذا الحمادة منذ سنوات طويلة جدا، دون أن نحس. واكتشفت أن كل أسرة فيها حمادة عزو.

فإنني لدي ولدان وبنتان، زوجتي متعلقة مع ابنة واحدة بشكل ملحوظ، يحسه الجميع. فهي تتحدث معها تليفونيا كل يوم، ووقتها تنسى نفسها وتطيل الحديث، حتى تنسى الطعام الذي تعده، فأحيانا ألحقه وأطفئ النار، وكثيرا ما احترق الطعام. وعندما تأتي ابنتها هذه، تجلس معها وتتحدثان في همس لساعات، وتنصحها بطريقة مستفزة، تذكرني بمحمد صبحي عندما كان يتقمص شخصية عطيات، ويقول لـهناء الشوربجي: يا بنت مش كده، حايجيلك المرض البطال.

وعند النوم، تقترب منها ويظلا لوقت متأخر من الليل تتحدثان. وكثيرا ما نبهتها بإنها تكاد لا تتصل بابنتها الأخرى، المتزوجة مثلها والبعيدة عنها. ويداعبها أصغر أبنائي قائلا: دي حمادة عزو بتاعتك.

واكتشفتُ أن قريبة لي تعامل ابناً من ابنائها على إنه "حمادة عزو"، تعامله منذ سنوات طويلة بهذا الاهتمام غير العادي، ولم نلحظ هذا إلا بعد مشاهدة المسلسل. فقريبتي هذه تعطي كل ما تملك لهذا الابن، وتدافع عنه حتى لو كان مخطئا، حتى تعود على هذا، وشكت لي بإنه لا يدفع مليما في مصاريف بيته، ولا تعرف أين يذهب بأمواله، قالت: إنني اعتبره بنتا بشورها.

ومن الممكن أن تخسر أقرب ما لها، من أجله. الغريب إنه ليس أكبر ابنائها ولا أصغرهم، وتدهش لماذا خصته هو بالذات بهذا الاهتمام.

وصديق تربى في دلع، فقد كان وحيد والديه، فأعطوه كل الحب والحنان والاهتمام، وتعود على هذا، فهو يريد أن تفعل زوجته معه كما كانت تفعل أمه ويفعل أباه، بل يريد أن يدلله أولاده. فقلت له:

- لا تغضب مني، فأنت حمادة عزو.

فقال: وأزعل ليه، ما أنا فعلا حمادة عزو.