علي الدوعاجي رائدا للقصة القصيرة في تونس

الدوعاجي لم يمارس عملا مكتفيا بما ورثه عن والديه، ولكنه حمل قلبا حساسا وعقلا ذكيا ونفسا متعطشة للفن وللإبداع وللحرية.


"تحت السور" جماعة متحررة مرحة تنشد الإبداع والحرية وتثور على التقليد والحياة الرتيبة


تونس سلمت مما وقعت فيه الجزائر من استعمار بغيض مسخ اللسان والتاريخ ونهب الأرض وخيراتها

تونس البلد العربي المضياف والمنفتح على الثقافة الأجنبية والمتمسك بجذوره العربية الإسلامية ظل رافدا مهما للثقافة العربية والإسلامية فجامع الزيتونة (أزهر المغرب العربي) ظل منارة لنشر العلوم الإسلامية واللغوية والمدرستان "الصادقية" و"الخلدونية"، وهما تشبهان دار العلوم في مصر، ساهمتا في تكوين أجيال من الشباب التونسي المثقف العارف بلغته وعلومها والمتطامن إلى الثقافة في الضفة الأخرى. ولم ينتصف القرن العشرون حتى ذاع صيت كوكبة من رجال الشريعة والفكر والفن والأدب شعرا ونثرا حظيت بالإعجاب في المشرق، ولا غرو فالمشرق ظل الرائد والحاضنة الثقافية الرسمية العربية وتحديدا القاهرة ، وكان من تلك الكوكبة محمد الطاهر بن عاشور، ومحمود المسعدي الذي كتب طه حسين مقدمة روايته "السد" معجبا بها،  وأبو القاسم الشابي وغيرهم.
سلمت تونس مما وقعت فيه الجزائر من استعمار بغيض مسخ اللسان والتاريخ ونهب الأرض وخيراتها، وجعل أبناء الشعب خدما عنده، فالحماية على تونس غير الاحتلال في الجزائر ولو أن تونس عرفت محاولة الإذلال الفرنسية التي دفع التونسيون فاتورتها ثقيلة فقرا وبؤسا وبطالة خاصة بين الحربين العالميتين، وقد وصف حالة البؤس تلك الكاتب التونسي الرائد الطاهر الحداد عقب الأزمة الاقتصادية العالمية عام 1929: "ما أخطر وأتعس الحياة التي نقطعها اليوم ويظهر أنها لا تزال تنمو مع الأيام إلى أفظع ما نقاسيه اليوم فلقد عض البؤس بأنيابه الحادة المسمومة روح الأمة وجسمها المنهوك فلا ترى إلا منظرا أسود يملا العين حزنا وغما ووجوها مصفرة تعلوها كآبة خرساء وهياكل شاحبة أضناها الجوع وضعف مواد العيش الذي يقتاتونه وثيابا بالية ومرقعة بكل الألوان وأكثرهم متسولون". 

short story

وفي تونس العاصمة وفي حي شعبي ولد علي الدوعاجي عام 1909 والذي قدر له أن يكون رائد القصة التونسية القصيرة في أسرة متوسطة وقد عرف اليتم في صغره واكتشف في نفسه مبكرا ميولا فنية وأدبية وميلا إلى الحرية والانطلاق فاعتمد على نفسه في تحصيله الأدبي، وأسلم في صدر شبابه نفسه إلى حياة اللهو والكسل والمرح والقراءة كذلك على ميراث من والديه يتعيش منه. وفي الثلاثينيات والأربعينيات نشطت جماعة "تحت السور" وهي جماعة أدبية غير رسمية تأسست في مقهى "تحت السور" في باب السويقة شأن المقاهي الأدبية في المشرق وكانت تتابع إبداع الرابطة القلمية والديوان وأبولو وتطالع شيئا من أدب الغرب وتلك الزمرة هي التي قدر لها أن تقود الحركة الأدبية والثقافية في تونس في القرن العشرين. وكان من تلك الجماعة علي الدوعاجي، ومحمد العريبي، وعبدالرزاق كرباكة ومصطفي خريف، ومحمود بيرم التونسي.
إنها جماعة متحررة مرحة تنشد الإبداع والحرية وتثور على التقليد والحياة الرتيبة وكافة أنواع النقص في المجتمع التونسي في ذلك الإبان كوضع المرأة، الطبقية، الأمية، البطالة، الآفات الاجتماعية، ظلم الفرنسيين، وفي نفس الوقت تنشد الحرية  والتقدم والعدالة الاجتماعية والازدهار العلمي والأدبي أسوة بالمجتمعات الغربية المتطورة التي انبثقت عن فلسفة الأنوار.
الحياة البوهيمية هي الحياة المناسبة للمتحرر علي الدوعاجي وتعني عدم الخضوع في الحياة إلى نظام الحياة العادية فهو من جماعة الليل متأسيا بقول الخيام:
أفق خفيف الظل هذا السحر** نادى دع النوم وناغ الوتـر
فما أطال النوم عمرا ولا  ** قصر في الأعمار طول السهر 
وفي الأدب العربي الحديث تنامت ظاهرة أدب الصعلكة أو التشرد أو حياة الهامشيين أو عسكر الليل كما أسموا أنفسهم في تونس وهي استمرار لنمط من الحياة عرفه لفيف من المبدعين العرب في تاريخ الثقافة العربية وأخبارهم مبثوثة في كتب الأدب القديم.
والهامشي شخص يعيش على الحاشية، ويأبى أن يندغم في الحياة العامة والثقافية خاصة إنه يرفض التراتبية وسلم القيم والطابع الاستعراضي للثقافة أو التسلق عبرها، كما يكره أشد الكراهية كل ألوان الرياء والمداهنة وآداب اللياقة مع ميل إلى الكسل وكراهية العمل باعتباره ربما أداة للاندغام في المجتمع ويكره في المجتمع تراتبيته وتقاليده وكل أشكال الإكبار التي يمنحها لمن يشاء. 
وفي تفسير الهامشية أسباب عديدة يرجع بعضها إلى الوضع الطبقي أو التركيبة النفسية أو الحمولة الثقافية التي ترى في الثقافة شيئا غير المتعارف عليه،   فالهامشي شخص حساس هش النفس  صاحب قناعات لا يتخلى عنها  وحالة رفض جزئي أو كلي للبنية الفوقية والتحتية للمجتمع، مع ميل ظاهر إلى العزلة أو الانطوائية، يعشق الحرف في حالة أشبه بالوجد الصوفي، ولا يرجو شهرة ولا سمعة ويتخذ من أدبه وسيلة للسخرية من تلك التقاليد وتلك اللياقة وأشكال الرياء والتراتبية، ويعد أدب الهامش أدبا رافضا معطاء ثريا لأن الممارسة الإبداعية تتم بعيدا عن السلطة الاجتماعية والثقافية والسياسية، وفيه نماذج رائعة من الابتكار والعطاء  بالرغم من أن الهامشي شخص ينتهي إلى تدمير ذاته بالإدمان أو الانتحار أو اللامبالاة التي تنتهي بصاحبها إلى الوقوع فريسة لداء عضال.

أخيرا عرفت تونس فضل الدوعاجي وقدره ولو بعد حين، فبوأته عرش القصة القصيرة، وهو بلا ريب جدير بها وجدير بكل احتفاء كرائد من رواد التحديث في الأدب التونسي الحديث

وقد حلل الناقد عبدالله الغذامي الظاهرة الإبداعية للشاعر الهامشي حمزة شحاتة في كتابه "الخطيئة والتكفير" وكيف اجتمعت الأسباب النفسية والاجتماعية على جعله هامشيا، وفي الكويت عرفت الساحة أديبا هامشيا كبيرا هو فهد العسكر الذي لولا صديقه عبدالله زكريا الأنصاري الذي جمع بعضا من شعره وسيرته ما عرفه أحد. وفي مصر يعد عبدالحميد الديب رائد أدب الصعلكة في مصر الحديثة، وفي العراق من يجهل القيمة الإبداعية لشعر عبدالأمير الحصيري وحسين مردان؟ فبقدر ما كان الهامشي هداما وفوضويا وكسولا حمل أدبه تجديدا وإبداعا وثورة على كل المضامين الاجتماعية والثقافية والسياسية.
فلا حياة إلا مع الورق والقلم في صحبة كأس ووتر، وتلك هي بصفة عامة خصائص حياة البوهيميين، وفي رحاب تلك الجماعة اشتهر الدوعاجي وكان الإبداع والبوهيمية هي ميثاق شرف الجماعة، وكانت الحميمية والتحرر والقراءة لروائع الأدب العربي والغربي والكتابة الشعرية والنثرية سلوانا لهم من حياة الشظف والبطالة والمراقبة الاستعمارية ومن حالة البؤس التي يحياها المجتمع نتيجة الحربين العالميتين والاستعمار وتبعات التخلف والطبقية، وقد تسموا بعدة أسماء كعسكر الليل، جماعة البوهيم، إخوان الصفا، إخوان البوهيم، وأصدروا مجلات أدبية وفكرية كمجلة "السرور" التي أسسها الدوعاجي، و"الشباب" لمحمود بيرم التونسي و"تونس" لمصطفى خريف و"العالم الأدبي" لزين العابدين السنوسي وسرعان ما تتوقف تلك الجرائد نتيجة لتضييق السلطات الاستعمارية أو الحالة المادية المزرية التي تؤول إليها الجريدة.
لم يمارس الدوعاجي عملا مكتفيا بما ورثه عن والديه، ولكنه حمل قلبا حساسا وعقلا ذكيا ونفسا متعطشة للفن وللإبداع وللحرية، وأسلم نفسه نتيجة اليأس من الواقع إلى الانحراف بتدمير نفسه  نتيجة العزوبية من جهة والألم الذي يعتصر النفس نتيجة النكران والجحود من المجتمع من جهة، وقسوة الظروف فتعاطى المخدرات لتناسي الجرح وأسمى نفسه "الفنان البائر" وساءت حالته الصحية فتوفي وحيدا في المستشفى بتونس عام 1949 في حين مات صديقه محمد العربي منتحرا بالغاز في باريس عام 1946.
ترك الدوعاجي إنتاجا غزيرا في القصة جمع بعضه في مجموعته "سهرت منه الليالي" والأزجال والتمثيليات وكتابا صغيرا الحجم في أدب الرحلة عنوانه "جولة بين حانات البحر المتوسط".
واتجه في كتابته إلى الاتجاه الواقعي، فالأدب للحياة ولذا رسم في قصصه عالم تونس في النصف الأول من القرن العشرين وكانت شخصياته أخلاطا من المجتمع التونسي الشريف والوضيع واللص والمؤتمن والقديسة والمنحرفة والغني والفقير والشريف والانتهازي مع تعاطف مع الهامشيين وتفهم للمعضلة الإنسانية ولوطأة الظروف واستعان بالعامية التونسية في الحوار لإضفاء المصداقية على كتابته في لغة تعتمد على التكثيف منتزعة من الواقع ومشحونة بالأحاسيس. 
والدوعاجي متمكن من لغته وسرده انسيابي حر لا يعاني كللا أو فتورا مع إحكام التعبير ودون التورط في أشكال التصنع التي عرف بها بعض الكتاب العرب في ذلك الوقت، وقد أراد الكاتب نقل الواقع في بؤسه وعطالته، وفي هذه القصص صورة صادقة للمجتمع التونسي في القرن العشرين وريادة الدوعاجي في فن السرد تعود أساسا إلى انتزاعه الأدب من الأبراج العادية وقصور المرفهين، والإلقاء به في سبيل المعوزين والبؤساء ومن تنكرت لهم الحياة وعانوا قساوة الظروف، إنها معضلة الوجود الإنساني تحت وطأة الظرف القاهر والذي لا مرد له حيث يصطلح على المرء الاستعمار من جهة والإقطاع من جهة أخرى وتزيد التقاليد البالية والأعراف الظالمة في المعاناة، ورغم أن الدوعاجي لم يتمرس بفن القصة كما تمرس به تيمور ويوسف إدريس إلا أنه لم تعزه التقنيات الفنية ولو أنها مادة خام في عمله كانت تحتاج إلى مزيد من العناية والصقل لولا أن عصف الموت بالكاتب في شرخ الشباب.
وله أزجال كثيرة وأشهرها قوله:
عاش يتمنى في عنبه
مات جابولو عنقـود
ما يسعد فنان الغلبـة 
إلا من تحت اللحـود  

short story
الدوعاجي لم يتمرس بفن القصة كما تمرس به تيمور 

وكأنه تنبأ بمصيره، فالجحود والنكران اللذان عاشهما سينقلبان شهرة وريادة وتقديرا بعد مماته وذلك حال كثير من المبدعين في الشرق والغرب.
في رحلته الموسومة "جولة بين حانات البحر المتوسط" محاولة للكتابة في أدب الرحلة ولا يكتسب الكتاب تلك القيمة، وقد صرح الكاتب بأنه لا يريد ذلك ولا يدعيه ولكنها مجرد يوميات كاتب على ظهر باخرة بين مدن البحر الأبيض في رحلة للمتعة والسمر والشرب والحميمية مع زيارات قصيرة وخاطفة لبعض المدن المتوسطية؛ كمارسيليا وجنوة وأثينا وإسطنبول، وبالعودة إلى تاريخ كتابة الرحلة فيظهر الدوعاجي كاتبا طليعيا في هذا الفن الذي ازدهر مع هيكل وإحسان عبدالقدوس وأنيس منصور وغادة السمان وغيرهم، ولكننا لا نجد ما نريده في أدب الرحلة من عمق الغوص في المجتمعات وطبائع العمران وثمرات الفكر والفن، ولذا فالكتاب بعيد عن وسمه بسمة أدب الرحلة وقيمته هي في المنحى الواقعي الذي تبناه الكاتب أن يكون أدبه صورة للحياة وصورة للواقع بسلبيته وإيجابيته، ومادام الكاتب مرحا ينشد المتعة واللهو فقد طلبها في هذه الرحلة واقتصر في كتابه على رصد مظاهرها مع الاحتفاظ بروح الطرفة والسخرية أحيانا مما يجعل الرحلة مسلية مزجية لبعض الوقت دون أن نجد فيها شيئا جديا خارقا في بعض الجمل والعبارات مختلف التابوهات الاجتماعية والدينية والتقاليد الاجتماعية التي عرف بها المجتمع التونسي والعربي في ذلك الإبان، فالعتبة الأولى وهي العنوان متحد للأعراف الاجتماعية وكأن الكاتب يهم فعلا بالثورة على كل القيم المتوارثة في الكتابة وفي الحياة.
بقدر ما طرد المتن الثقافي (المركز) الهامش (الحاشية) ووسمه بسيماء الانحراف والتمرد على القوانين الإبداعية والثقافية والدينية اغتنى المتن بتلك التجارب الإبداعية لأنها صارت رافدا ثقافيا كبيرا للثقافة الرسمية التونسية وبقدر ما ظل المشرق يطمئن إلى صدارته ومركزيته منذ أن كرس الصاحب ابن عباد المركزية المشرقية في جملته المشهورة "بضاعتنا ردت إلينا" عندما تأمل كتاب "العقد الفريد" لابن عبد ربه شكل الأدب المغاربي عامة رافدا كبيرا إبداعيا من روافد الأدب العربي الحديث، والدوعاجي خير مثال على ذلك فهو خير نموذج لجدلية المركز والهامش في الأدب العربي الحديث على المستوى التونسي خاصة والعربي عامة. 
وأخيرا عرفت تونس فضل الدوعاجي وقدره ولو بعد حين، فبوأته عرش القصة القصيرة، وهو بلا ريب جدير بها وجدير بكل احتفاء كرائد من رواد التحديث في الأدب التونسي الحديث.