على نفسها جنت حركة النهضة في تونس

انتهت لعبة التخويف والتسويف

تونس ـ قادت نتائج الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها مرشح القوى الوطنية والديمقراطية الباجي قائد السبسي على مرشح الإسلاميين الرئيس المنتهية ولايته منصف المرزوقي، لا فقط إلى استكمال مسار الانتقال الديمقراطي بإرساء مؤسسات دولة مدنية ذات مؤسسات سيادية، وإنما أيضا إلى تصدعات عميقة في صفوف تنظيم حركة النهضة التي بدت تخطو نحو نهاية مؤكدة بعد أن باتت معزولة سياسيا ومنبوذة شعبيا.

وألقت النهضة بكل ثقلها سياسيا وتنظيميا من أجل فوز حليفها المرزوقي في محاولة فاشلة لقطع الطريق أمام السياسي المخضرم ورجل الزعيم الحبيب بورقيبة الباجي قائد السبسي، حتى أن رئيسها راشد الغنوشي أعلن سريا "النفير العام" داخل مختلف هياكل التنظيم المعقد لإنقاذ الأمل الأخير، غير أن إرادة الناخبين التونسيين انتصرت للمشروع الوطني الحداثي، وأجهضت المشروع الإخواني الذي يهدد مكاسبهم السياسية والاجتماعية.

وأظهرت نتائج الانتخابات أن قائد السبسي نجح في تحقيق تقدم على منافسه المرزوقي في عدة دوائر انتخابية تعتبر معاقل تقليدية لحركة النهضة والجماعات السلفية، مثل الأحياء الشعبية والجهات الداخلية المحرومة بعد أن اقتحمها بشجاعة خلال الحملة الانتخابية، الأمر الذي رأى فيه الخبراء والسياسيون دليلا على ان النهضة فقدت خزّانها الانتخابي في مناطق كثيرا ما اعتبرتها "معاقل مغلقة" يصعب اختراقها من قبل الأحزاب السياسية.

وفي محاولة لانقاد النهضة الخاسر الأول في الانتخابات الرئاسية، دعا رئيسها راشد الغنوشي مختلف هياكل التنظيم إلى الاصطفاف وراء الرئيس المنتخب قائد السبسي، وهي دعوة عمقت الخلافات الحادة التي تعصف بالحركة الإخوانية منذ هزيمتها في الانتخابات البرلمانية التي فاز فيها حزب حركة نداء تونس بالأغلبية، حيث واجه الغنوشي إنتفاضة لم يكن يتوقعها من عدد من القيادات التاريخية ومن الكوادر ومن قطاعات واسعة من القواعد التي حملته مسؤولية الهزيمة باعتباره استفرد بالقرار.

عمليا بدأت حركة النهضة تخطو نحو نهايتها مند تسلمها الحكم إثر فوزها في انتخابات أكتوبر/تشرين الاول 2011 بنسبة 32 بالمائة مستفيدة من غياب أي قوة سياسية قادرة على منافستها.

وتجاهلت الحركة المتعطشة للحكم أن حوالي 70 بالمائة من التونسيين يرفضونها مبدئيا وسياسيا لتحتكر الحكم وتهمش القوى الوطنية والديمقراطية رافضة أي انفتاح على مشهد سياسي متعدد بمسحته اللبيرالية والعلمانية.

انتفاضة الجبالي على الحركة

وقاد حكومة النهضة عام 2011 رسميا أمينها العام حمادي الجبالي، لكن عمليا قادها راشد الغنوشي من مكتبه في المقر المركزي للحركة، وفرض على الجبالي حزاما من المتشددين الموالين له، وكان يتدخل في تفاصيل دقيقة تتعلق بطريقة الجبالي في تسيير دواليب الدولة وإدارة الشأن العام.

وكثيرا ما تذمر الجبالي للمقربين منه من غطرسة الغنوشي والجناح المتشدد داخل النهضة، حتى أنه هدد بالاستقالة من الحكومة نتيجة استخفاف رئيس الحركة بمؤسسات الدولة وبمكونات المجتمع السياسي.

ولم يدم "تكتم" الجبالي على الخلاف بينه وبين الغنوشي طويلا إذ انتفض عليه إثر الأزمة السياسية التي عقبت اغتيال المناضل العلماني شكري بلعيد، ونأى بنفسه في مرحلة أولى عن الحكومة، وفي مرحلة ثانية عن الحركة حيث أعلن استقالته من الأمانة العامة.

وبدت استقالة الجبالي وهو أحد أبرز القيادات التاريخية للنهضة ضربة قوية وموجعة للغنوشي وللتنظيم بصفة عامة إذ أشر على أن الحركة الإسلامية خطت أولى خطواتها نحو التفكك ومن ثمة نحو النهاية.

كثيرا ما حاول الجبالي الذي يقود جناحا معتدلا داخل النهضة الانفتاح على القوى الديمقراطية واللبرالية والعلمانية لكنه كان يتعرض إلى معارضة قوية من قبل الغنوشي الذي بدا مصمما على احتكار الحكم وتنفيذ أجندة الإخوان.

ومع مغادرة الجبالي رئاسة الحكومة التي تسلمها القيادي المتشدد علي لعريض، زجت النهضة بتونس في أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية خانقة قادت إلى تنحي النهضة عن الحكم تحت ضغط موجة من الاحتجاجات الشعبية المدعومة من قبل الأحزاب السياسية والإتحاد العام التونسي للشغل لفائدة حكومة كفاءات مستقلة برئاسة مهدي جمعة.

وخلال فترة حكمها الفاشل تصاعد الاحتقان الاجتماعي والتوتر السياسي وتأجج الغضب الشعبي على حركة النهضة وتعرضت مقراتها للحرق من قبل المواطنين تعبيرا منهم عن سخطهم تجاه سياساتها التي نخرت مؤسسات الدولة ومزقت النسيج الاجتماعي وفتحت الأبواب أمام الجماعات الجهادية.

ولا يخفي التونسيون أن الحركة الإخوانية كشفت عن وجهها الحقيقي منذ ممارستها للحكم حيث بدت عاجزة على تسيير شؤون البلاد وتوفير السلم الأهلي وتأمين الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم، وازداد الفقراء فقرا والأغنياء ثراء واستشرى الإرهاب.

وأظهرت نتائج الانتخابات البرلمانية التي جرت في أكتوبر/تشرين الاول، وأصيبت فيها النهضة بنكسة انتخابية بفوز نداء تونس بالأغلبية البرلمانية أن الشعب التونسي عاقبها على فشلها في الحكم في ما يشبه الرسالة بأنها لا تصلح لإدارة الشأن العام ولا لتحقيق تطلعات التونسيين إلى الحق في التنمية وفي الحرية وفي الديمقراطية.

واعتبر السياسيون والخبراء أن تلك النكسة هي أعمق من هزيمة انتخابية، وإنما هي هزيمة سياسية تؤشر على أن النهضة لا مستقبل لها في المجتمع التونسي المشدود للمشروع الحداثي الوطني فيما تسعى هي إلى فرض نمط مجتمعي سلفي خليجي وإلى إقامة دولة دينية استبدادية.

وعمقت تلك الهزيمة التصدعات في صفوف النهضة التي كثيرا ما افتخرت بتماسك تنظيمها وانضباط المنتمين إليها. وواجه الغنوشي انتفاضة حقيقية قادتها القيادات التاريخية للحركة وكوادرها الوسطى وقواعدها، انتفاضة وصفها المراقبون بأنها "ثورة" تؤشر على تمزق هياكل التنظيم وتقود به إلى نهايته.

وبدت النهضة قبل الانتخابات الرئاسية التي جرت الأحد الماضي "منهكة" و"مرتبكة" و"هشة" سياسيا وتنظيميا ومنبوذة شعبيا ومعزولة سياسيا من قبل قوى سياسية ديمقراطية متوجسة من أجندتها الإخوانية.

ومع فوز زعيم حزب نداء تونس الباجي قائد السبسي على حليفها منصف المرزوقي في الانتخابات الرئاسية تكون حركة النهضة قد نفضت يديها من ثقة التونسيين الذين استماتوا في مواجهتها دفاعا عن مكاسب دولة الاستقلال وفي مقدمتها مدنية الدولة وتعددية المجتمع وحرية المرأة.

على خطى اخوان مصر

وتعد دعوة الغنوشي مؤخرا قواعد النهضة إلى الاصطفاف وراء الرئيس المنتخب قائد السبسي الذي يقود مشروعا حداثيا، اعترافا بفشل المشروع الإخواني الذي كثيرا ما دافع عنه رافعا شعار "الإسلام هو الحل" في استعداء واضح لإرادة التونسيين التي خبرت خواء هدا الشعار وفراغه وعجزه عن تقديم الحلول العملية لمشاكل الناس الحقيقية.

وأثارت دعوة الغنوشي انتفاضة جديدة داخل الحركة تقودها القيادات التاريخية مثل الحبيب اللوز الذي هدد بالاستقالة فيما يتوقع المراقبون أن تهاجر الآلاف من القواعد إلى الحزب الذي أعلن عن تأسيسه منصف المرزوقي بهدف البحث عن تموقع في المشهد السياسي الذي ستحدد ملامحه تشكيلة الحكومة القادمة بقيادة حزب نداء تونس.

وتتحدث قيادات من النهضة أن الأمين العام المستقيل للحركة حمادي الجبالي يستعد إلى تأسيس حزب سياسي يتبنى رؤية مدنية ومعتدلة يكون منفتحا على الأحزاب اللبيرالية والعلمانية، ويتوقع عدد من قيادات الحركة الإسلامية أن يستقطب قاعدة عريضة من النهضويين المعتدلين.

ولتطويق النزيف الداخلي كشفت مصادر قيادية في النهضة أن الغنوشي يقود خلال هده الأيام جهودا تهدف إلى انقاذ التنظيم من حالة التفكك التي تعصف به حيث يجري لقاءات واجتماعات بكوادر الحركة وقواعدها الساخطة علية.

غير أن المتابعين للحركة الإخوانية يجمعون على أن جهود الغنوشي فاشلة مسبقا، وجاءت متأخرة لأن البنية التنظيمية للنهضة قد تمزقت وهي توشك على الانهيار الكامل بعد أن خسرت الحركة كل شيء وأصبحت تحت رحمة حزب نداء تونس على حد تعبير حمادي الجبالي.

ويسود وعي عام لدى أغلبية التونسيين بأن "إخوان تونس انتهوا" تنظيميا وسياسيا ليلتحقوا بإخوان مصر وهم يشددون على أن نتائج الانتخابات الرئاسية قد حسمت معركة وطنية انتصر فيها مشروع القوى الحداثية الديمقراطية على حساب الإسلام السياسي.

ويقول مراقبون إن حركة النهضة لم يعد لها أي مستقبل سياسي وأنها قادمة على حالة من التفكك ستقود بالضرورة إلى نهايتها.