على سوريا أن تحمي كبار مثقفيها من المتطاولين

بقلم: هشام القروي

في صلب قضية التنمية السياسية في مجتمعاتنا العربية وفي جوهر الدعوة الى الاصلاح - وهي ليست جديدة ولا طارئة - تكمن مشكلة بالغة الأهمية والدقة، وهي تلك المتعلقة بأخلاقيات النقاش السياسي. لسنا بحاجة للتذكير أن هذه الأخلاقيات - وهي مجموعة القيم التي تضبط السلوك - ترتقي الى مستوى التقليد، الذي يحظى بموافقة الجميع، في المجتمعات الديمقراطية المتقدمة. ومن البديهي أن النقاش السياسي لا يجمع أطرافا متفقين على كل شيء، فأهميته بالنسبة لأي مجتمع تكمن في اختلاف الآراء. وقد سقطت احدى أعظم الدول الامبراطورية خلال التاريخ، أمام أنظارنا في القرن العشرين - وأقصد الاتحاد السوفياتي - لأنها لم تعط أية قيمة لتعددية الآراء. وبلا شك أن جيلا كاملا من المثقفين والزعماء العرب تربى على تقليد يسمى "الحزب الواحد" و"الرأي الواحد" و"الزعيم الذي لا يشق له غبار". ان الناس لا يولدون عبيدا، ولكن يمكن في الدول القمعية والديكتاتورية تربيتهم على عقلية العبودية وتكييفهم، بالطريقة التي استعملها العالم بافلوف مع كلبه، أي ما يسمى: رد الفعل الشرطي. ان هؤلاء هم الذين تقوم عليهم دعائم الحكم الذي يكرهه جميع أحرار العرب...لا بل جميع الناس الأحرار.
أردت بهذه المقدمة أن أشير الى ظاهرة ينبغي بلا شك مقاومتها، لأنها في أصل الداء الذي ينخر المجتمعات العربية، وأعني بذلك، افتقار البعض ممن يوصفون بالزعماء السياسيين الى حد أدنى من قواعد تلك الأخلاقية التي تحدثنا عنها أعلاه. فلقد قرأت مؤخرا لا أقل من أربع مقالات، كتبت تقريبا بطريقة واحد، وبهدف واحد يبدو أنه التشهير ببرهان غليون. وقد أوردتها نشرة "كلنا شركاء" الالكترونية. نزل كتابها الى حضيض الاتهامات والشتائم، في حين أن الشخص الذي أرادوا ايذاءه، يتحلى في مواقفه بالاتزان والعقلانية اضافة الى أخلاقه العالية وأدبه الجم حتى مع خصومه السياسيين.
لو التزم كتاب هذه المقالات المذكورة بأدب الحوار، وناقشوا أفكار برهان غليون، لربما كان من الأسهل أن يقنعوا بعض الناس بوجهة النظر التي يدافعون عنها، انطلاقا من مبدأ نسبية الأفكار. ولكنهم تركوا جانبا نقاش الأفكار، وانزلقوا الى سهولة الشتائم التي يتقنها أيضا كل الصعاليك والزعران والبلطجية. أسوق اليكم بعض الأمثلة:
يكتب منذر الموصلي تحت عنوان "نحن مع القائلين بالاصلاح" ما يلي: "بالأمس القريب طلعت علينا فضائية (...) بحملة قذرة مسعورة ضد سورية وتحت يافطة 'الديموقراطية'، وكان يديرها 'مثقف' سوري هارب سيء الأداء سيء الشكل والصورة وسيء الكلام." ويضيف: "هم جميعا حفنة من الخونة المرتبطين بأجهزة 'السي آي إي' هكذا صراحة وعلنا وهو ما يجيز لنا أن نفضحهم ونتصدى لهم صراحة وعلنا لأن الإنحياز للأعداء هو خط احمر، وها نحن نطالب الحكومة بفتح تحقيق واسع ضد هؤلاء وإحالتهم للمحاكمة العلنية وعلى رأسهم أيضا المدعو برهان غليون الذي تجاوز مع آخرين حدود القانون وحدود الأخلاقيات في حملاتهم الجائرة والوقحة." - كذا!
هل هذه طريقة في النقاش؟ هل من المعقول نشر مثل هذا الكلام في أي صحيفة؟ وافرض أنها توزع بالبريد الالكتروني وليست مطبوعة، أفلا توجد قوانين للصحافة تمنع كيل الاتهامات للناس وتعرض أصحابها للمحاكمة بتهمة التشهير؟ ان هذا السؤال موجه لا لأصحاب النشرة وحسب، وإنما أيضا للهيئات القانونية والحقوقية السورية والعربية.
وأما خالد عبود، فيقول في افتتاحية 'الوحدوي': "بالغ الكاتب برهان غليون من ظهوره على شاشات القنوات الفضائية العربية وغير العربية" ... ونحن نتساءل: ما العيب في ذلك، اذا كانت هذه القنوات ترى من المفيد لجمهورها جعل غليون يتكلم؟ أما كون عبود لا يرى في ذلك فائدة، فالأمر مفهوم، اذ لا احد يدعوه. ثم ها هو يفصح بعد ذلك عن نواياه، موجها الكلام مباشرة الى البروفسور، وقائلا: "كان الأولى أيها (السوربوني) أن تفيدنا كيف يمكن أن نحمي ثوابت الأمة لا أن تشرّع لنا الهزيمة وتسليم البلاد، وأن تشرّع لنا كيف يمكن أن نتنازل عن أرضنا وحقوقنا" - كذا!
فهل يصدق أحدكم أن برهان غليون الذي له أكثر من ثلاثين كتابا وعددا لا أستطيع أن احصيه من المقالات في الدفاع عن العرب وقضاياهم، "يشرع الهزيمة والاحتلال"؟
ثم ها هو عبود يفصح أكثر عندما يتهم غليون صراحة بأنه يحاول الانغماس في "المشروع الامريكي"، قائلا: "أعني أن المشروع الذي تقرؤونه ونقرأه للولايات المتحدة في المنطقة والعالم معروف جدا، وأنتم تحاولون الانغماس في هذا المشروع، تقدمون أنفسكم قامات ممسوخة قادرة على تمريره أو القيام بواجب الخدمة تجاهه".- كذا!
وفي هذه النقطة، يلتقي عبود، النائب في البرلمان ومدير تحرير "الوحدوي" مع الموصلي، الذي يجهد لاستعادة مقعده في البرلمان، حيث يتفقان على توجيه تلك التهمة "القديمة" التي درجت كل الأنظمة القمعية على توجيهها لمن يتحدث بحرية ويعبر عن اختلافه مع "القيادة".
والحقيقة أننا لا نحتاج الى الدفاع عن برهان غليون، فخير من يفعل ذلك، هو كتبه ومقالاته ومحاضراته، اضافة الى حضوره التلفزيوني الذي يبدو أنه أصبح يحسد عليه من طرف من لا يلتفت اليهم أحد. ولكن أردنا فقط من خلال مثالين بسيطين أن نذكر البعض بآداب النقاش. وإذا أصروا على توجيه تهم "العمالة" و"الخيانة" الخ... فإن هناك قوانين تحمي كبار العقلاء من كبار الحاسدين، وأصحاب الكفاءة الفكرية من العسس ومصادري الفكر. هشام القروي