على سبيل الاستعارة القهرية

بؤس من يزايد على الضحك حتى لا يقع في البكاء

قالت لي صديقة: كلما ضربني زوجي أواجهه بعنف أكبر، تساءلت بيني وبين نفسي عن شكل العنف الذي ترد به عليه، خاصة وأنا أرى ما لم تستطع النظارة الشمسية أن تخفيه، كدمات ملونة بالأحمر القاتم والأصفر الباهت تتوزع على وجهها، أدركت بذكائها الذي أعرفه عنها ما كنت أفكر به، فقالت لي: العنف أشكال كثيرة يا صديقتي، القهر بالقهر والبادي أسود، كنت أستعمل في عنفي تجاهه قطعة من ملابسه، وعلى سبيل الاستعارة المكنية أحذفه من الصورة وأمارس قهري على شيء من لوازمه وهو القميص مثلا.. ابتسمت بمرارة وأنا أتذكر حواري معها، مرارة تشبه عجز المريض عن ابتلاع آخر ملعقة دواء مدعيا بأنه قد شفي، تذكرتها وأنا أكتب لها قصة تشبهها وتشبه نساء كثيرات معنفات ومقهورات، حيلتهن البكاء وشيء من لوازم المعنِّف يخففن به من مد عاجز وطاحن في داخلهن.

قمصان سوداء

عرض لها البائع قمصانا كثيرة على الطاولة قائلا بضجر: هذا كل ما لدي يا سيدتي من موديلات، اعتمدي واحدا معينا وجميع الألوان موجودة في المحل.

قلبت القمصان واحدا واحدا، مرة أخرى وربما ثالثة أو رابعة، لا تدري كم من الوقت مر وهي على ذات الوقفة تحاول أن تنتقي قميصا له، اختارت واحدا وفردته فوق القمصان المكومة على الطاولة وسألت البائع: برأيك.. موديل هذا القميص يليق برجل في الأربعين؟.

أجابها بحماس من وجد خلاصا، فلم يعد قادرا على الإحساس بقدميه المتنملتين وظهره المتيبس: طبعا، طبعا يا سيدتي، انظري إلى ياقته الرسمية وكُمَّيه الطويلين، ولاحظي أيضا صف الأزرار الصغيرة ذات الثقوب الأربعة هي تماما ما يناسب رجلا في الأربعين.. طبعا يليق به يا سيدتي.

لم يدر من أين جاء بمعلومة الأزرار تلك، لكنه شعر بشطارة وثقة حين بدا على المرأة رضا الاقتناع ونظرات الراحة، فقالت له:

اعطني منه اللون الأسود.

وضعته بين يديها وتأملته بشرود، الأسود يناسبه تماما، قالت لنفسها بتأكيد مقهور: تماما! تلمسته بأطراف أصابعها كمن يتحسس جسد حبيب، وطلبت من البائع أن يلفه لها ويضع عليه وردة حمراء داكنة، وهي تقول في أعماقها يليق اللون الأحمر باللون الأسود، كلاهما ذاهب إلى القتامة، وبنية من يريد أن ينقل الكلام إلى مساحة أخرى قالت للبائع:

إنها هدية لزوجي!

ابتسم البائع وهو يلف لها القميص بورق ملون، وهز رأسه بنية من يريد أن يختصر أي حديث معها.. أكملت كلامها على الرغم من تجاهله الواضح:

إنه يحب اللون الأسود، لونه المفضل، هكذا بلا مناسبة دائما أشتري له قمصانا كثيرة، أتدري يا أخي، ربما يكون هذا عاشر قميص أسود أشتريه له، لا.. ربما أكثر بكثير فلم أعد أذكر، أحس أن رأسي أحيانا يكاد ينفجر من التفكير، لأنني كلما كان يمازحني ويدفع رأسي إلى الحائط، تغيب كل الألوان ويحضر الأسود لونه المفضل.

أحيانا يا أخي أشعر بتشويش في رأسي من شدة مزاحه الثقيل، أحيانا أضع اصبعي على رأسي فأجد دملا ينز دما أحمر قاتما، وأحس أن وردة بلاستيكية حمراء نبتت في رأسي، لم أعد أذكر في الحقيقة كم مرة مازحني هكذا وكم مرة اشتريت له بدلا منها قميصا أسود.

ضحكت المرأة بمزاج معكر فيما ناولت البائع الشاب الذي لم يفهم شيئا من كلامها ثمن القميص، وأخذت الهدية بملامح مضللة وخرجت.

لم تقاوم وهي تدخل بيتها وتغلق الباب خلفها ألا تنظر إلى صورته المعلقة على الحائط، وتكمل تلك الضحكة التي بدأتها في المحل، الضحكة المعكرة التي غرقت فيها ببؤس من يزايد على الضحك حتى لا يقع في البكاء.

هي تدرك الآن كيف ستختم هذه الضحكة، جلست على أقرب كرسي وفكت الوردة الحمراء المثبتة على الهدية، ووضعتها جانبا وأخرجت القميص من ورقه الملون، احتضنته بشراسة مفاجئة واشتمته بانفعال وعمق.. كم يناسب وجهه الأبيض هذا اللون الأنيق! لونه المفضل وغرقت في شهقة بكاء بقهر من يزايد على البكاء حتى لا يقع في الضحك.

هي تعلم تماما كيف ستوقف هذا البكاء، لم تقاوم في طريقها إلى الحمام النظر إلى صورته بعينين مبللتين وحاسمتين، أحضرت سطل ماء مملوءا لنصفه وخلطته بالمنظفات والمطهرات التي اعتادت أن تمسح بها بلاط البيت.

تناولت القميص وألقته في السطل، دعكته بكل قوتها حتى تلون الماء بلونه الأسود، لكنها مع ذلك تقرفصت على الأرض وظلت تفرك فيه بتحد مشلول لأكثر من نصف ساعة، ثم عصرته جيدا وراحت تنحني على الأرض، وبيديها الضاغطتين على القميص مسحت بلاط البيت مرات عديدة ثم أخذت الوردة الحمراء وثبتتها على شعرها، وجلست باستعداد نفسي معلن بالهدوء واللامبالاة، على مهل تنتظره عائدا من عمله.