على أبواب الانتخابات: مسؤولية الفلسطينيين إزاء النقاش السياسي الإسرائيلي

بقلم: ماجد كيالي

لم يكن صعود عميرام متسناع إلى زعامة حزب العمل المفاجأة الوحيدة في خضم توجه الأحزاب الإسرائيلية لخوض الانتخابات (في أواخر يناير القادم)، فثمة مفاجآت أخرى تضجّ بها الحلبة السياسية الإسرائيلية على خلفية البازار الانتخابي وأزمات إسرائيل: الأمنية والسياسية والاقتصادية، الناجمة عن صمود الفلسطينيين ومقاومتهم العنيدة للاحتلال.
من ناحيته فقد جاء متسناع إلى زعامة حزب العمل وهو يعلن بأنه على استعداد لاستئناف عملية التسوية على أساس: أولا، استئناف المفاوضات مع القيادة الفلسطينية ومن ضمنها الرئيس عرفات؛ ثانيا، التخلي عن مستوطنات قطاع غزة والانسحاب الفوري منه؛ ثالثا، الانسحاب خلال سنة من معظم مناطق الضفة الغربية، باتفاق أو من دونه، بما في ذلك الانسحاب من الأحياء العربية في القدس؛ رابعا، الاعتراف بالدولة الفلسطينية فور قيامها.
وينبغي النظر إلى هذه المواقف ببالغ الأهمية كونها تأتي، بالضبط، في ظروف احتدام المواجهة بين الإسرائيليين والفلسطينيين ولأنها تتجاوز المواقف الذي تبناها حزب العمل طوال العامين الماضيين، المتمثلة برفضه استئناف التفاوض قبل وقف الانتفاضة، واتهامه للقيادة الفلسطينية بأنها رفضت العرض "السخي" الذي قدمه لها باراك، والادعاء بأنه ليس ثمة شريكا في عملية السلام لدى الجانب الفلسطيني! وهي المواقف التي دفعت الحزب للمشاركة في حكومة "الوحدة الوطنية" برئاسة شارون، ما كلفه غاليا، من وحدته الداخلية ومكانته في المجتمع الإسرائيلي. واللافت هنا أن ناخبي حزب العمل اختاروا متسناع رئيسا لهم بناء على طرحه هذه الأفكار بالذات التي يرون فيها عودة لخط الحزب الذي أوشك أن يتحول إلى تابع لليكود طوال العامين الماضيين.
وكان بنيامين بن اليعازر زعيم حزب العمل ووزير الدفاع في حكومة شارون (سابقا) قد توصل إلى هذه الحقائق باعترافه أنه "بعد مرور عامين من الصراع بات أكثر قناعة بأنه لا يوجد حل عسكري للصراع العربي ـ الإسرائيلي".(27/6) وبمحاولته إخلاء بعض النقاط الاستيطانية ثم بانسحابه من الحكومة بسبب رفضه دعمها للنشاط الاستيطاني، وبتصريحاته التي اعترف فيها أنه لم يعد لإسرائيل ما تفعله في مواجهة الانتفاضة وأنه آن الأوان للشروع في الطريق السياسي.
حتى شمعون بيريز، الذي كان وزيرا للخارجية في حكومة "الوحدة الوطنية" الشارونية، أصر على مفاجأتنا باعترافه، مثلا، أنه ثمة درسين لابد من استخلاصهما من تجربة المفاوضات السابقة، أولاهما أن الشروط المسبقة أمرا لا معنى له..وثانيهما أنه لا يمكن وضع نهاية للإرهاب دون تحديد أفق سياسي. وبحسب بيريز فثمة درس آخر يتعلق بتصور أن القوى الخارجية يمكن أن تحدد زعيم الفلسطينيين، إذ ثبت خطأ ذلك. (الواشنطن بوست22/11)
وشملت هذه المفاجآت شارون، ذاته، فبعد أن كان يتبجح بأنه سيدفن فكرة الدولة الفلسطينية وأنه يتمنى رمي عرفات خارج الأراضي الفلسطينية إذا به يعتبر قيام الدولة الفلسطينية أمرا واقعا! ويجد نفسه مضطرا لمعارضة إبعاد الرئيس عرفات وحريصا على الالتزام بالتعهدات التي قطعها للإدارة الأميركية! والأنكى، بالنسبة له، أنه بات معتدلا بل ومعنّفا لمنافسه بنيامين نتنياهو الذي أضحى، من وجهة نظر شارون، عبئا على الحكومة الإسرائيلية بتصريحاته التي تفتقد للمسؤولية والتي تمس بمكانة إسرائيل لدى الولايات المتحدة الأميركية وعلى الصعيد الدولي، بمطالبته بطرد عرفات ورفضه قيام دولة فلسطينية.
أما استطلاعات الرأي فهي تفيد بأنه ثمة كتلة تشكل 60 ـ 65 بالمئة من الإسرائيليين تؤيد تفكيك المستوطنات المعزولة والانسحاب من معظم الأراضي المحتلة وقيام دولة للفلسطينيين، سواء في إطار حل متفاوض عليه أو وفق مبدأ "الفصل" من طرف واحد، واللافت للانتباه أن هذه الاستطلاعات تشير أيضا إلى أنه ثمة 50 بالمئة من ناخبي اليمين، ومن ضمنهم ناخبي الليكود، تؤيد إخلاء المستوطنات المعزولة وقيام دولة فلسطينية.
ويستنتج من ذلك أن الإسرائيليين معنيون بعملية التسوية بسبب الأزمات التي يعيشونها، في ظل الانتفاضة والمقاومة، التي تسببت بمصرع حوالي 700 من الإسرائيليين مع خسارة اقتصادية تقدر ب 11 مليار من الدولارات، إضافة إلى تفاقم الشعور بانعدام الأمن وضعف الاستقرار السياسي وتشوه صورة إسرائيل بظهورها بمظهر الدولة الاستعمارية العنصرية. وبهذا الصدد يقول عكيفا الدار: "عدد القتلى الإسرائيليين - جنود ومواطنين - في حرب الاستنزاف في المناطق وفي إسرائيل ينافس عدد القتلى خلال 18 عاما في لبنان. وحسب الاستطلاعات تفضل أغلبية الجمهور حل الفصل بين إسرائيل والدولة الفلسطينية على إراقة الدماء..التجربة اللبنانية تعلمنا أن السياسي الموثوق، الذي يقوم بنقل تعهد باراك بالخروج من لبنان إلى المناطق، يمكنه أن يخاطب قلوب الناخبين الذين نقلهم الإحباط واليأس إلى الجناح الأيمن من الخارطة السياسية". (هآرتس 18/11)
تأسيسا على ما تقدم يمكن القول بأن الأوضاع مهيأة لإيجاد بديل لطريق الليكود، الذي ثبت فشله، وأنه ثمة معطيات واقعية لإجبار إسرائيل على إنهاء احتلالها والاعتراف بحقوق الفلسطينيين، وأن الإسرائيليين الذين أداروا ظهورهم لنتنياهو في انتخابات 1999 لصالح باراك الذي رفع شعار الانسحاب من طرف واحد من جنوبي لبنان والاستعداد لإنجاز تسوية مع السوريين والفلسطينيين، يمكنه أن يكرر ذلك في الانتخابات القادمة، بانتخاب متسناع بدلا من شارون.
ولاشك بأن تحول المجتمع الإسرائيلي نحو هذا الخيار بحاجة إلى عوامل، التي من ضمنها: الضغوط الدولية والإقليمية وصمود الفلسطينيين واستمرار مقاومتهم للاحتلال، وهو بحاجة، بشكل خاص، إلى حسن إدارة الفلسطينيين لصراعهم مع إسرائيل، عبر إنتاج خطاب سياسي يتناسب مع هدفهم المتمثل بدحر الاحتلال ونيل الاستقلال، وبانتهاج الوسائل الكفاحية المتلائمة مع هذا الهدف بتركيز المقاومة المسلحة ضد الوجود الإسرائيلي الاستيطاني والعسكري في الأراضي المحتلة.
وهذا الكلام ليس له علاقة بالأوهام فنيل الفلسطينيين لحقوقهم هو طريق طويل ومعقد ويحتاج إلى مثابرة وتضحيات، ولكنه يحتاج أيضا إلى حسن استثمار الفلسطينيين للتناقضات الإسرائيلية وانتهاجهم الوسائل التي تقربهم من هدفهم.
ولعل عملية الخليل، التي نفذتها الجهاد الإسلامي يوم 15/11 وأدت إلى مصرع 12 عسكريا ومستوطنا إسرائيليا، خير مثال على ذلك، إذ أطلقت هذه العملية نقاشا حاميا، في الساحة الإسرائيلية، جرى فيه تحميل المستوطنين والحكومة التي تدعمهم مسؤولية القتلى الإسرائيليين وضرورة إخلاء المستوطنات وثمة أصوات رفضت وصم وزارة الخارجية الإسرائيلية للعملية بالإرهاب، مطالبة بتسمية العملية باسمها: حرب عصابات، بحسب عوفر شيلح. ويؤكد ذلك ناحوم برنياع بقوله:"ما حصل في الخليل لم يكن عملية تخريبية.جميع الإسرائيليين القتلى كانوا جنودا أو مدنيين مجندين، مسلحين ومدربين ومستعدين للقتال. لم تقع هناك "مجزرة" مثلما بثت نشرات "صوت إسرائيل"..ثمة غير قليل من الإسرائيليين يتهمون المستوطنين بمسؤولية الوضع في الخليل وحكومات إسرائيل التي وطنتهم هناك"(يديعوت أحرونوت 18/11) وكتب ب. ميخائيل: "اثنا عشر شخصا ماتوا بسبب اليأس والاحتلال والكراهية والعناد الغبي بمواصلة احتجاز المناطق..مستوطنو الخليل هم شيطان يريدون المشاكل..هذه ليست حربا على البيت ولا على الدولة ولا على الأرض. إنها فقط حربا على سلامة المستوطنين. وطالما هم هناك. ونحن معهم سيتواصل سفك الدماء".(يديعوت أحرونوت 17/11)
ولاشك بأنه ثمة مصلحة للفلسطينيين بانتهاج الخطابات والوسائل الكفاحية المناسبة التي تساهم في تعميق وتوسيع مثل هذا النقاش وتمكينه من الوصول إلى نهاياته المناسبة، أولا، بتعرية منطق شارون الذي يصف الانتفاضة بأنها إرهابا يستهدف وجود إسرائيل، لتغطية عدوانه على الفلسطينيين وتوحيد الإسرائيليين تحت رايته؛ وثانيا، بوضع الإسرائيليين وجها لوجه أمام لحظة الحقيقة التي تثبت لهم استحالة السيطرة على شعب أخر من دون ثمن.