'علم الشرق' يدرس تأثير القرآن على التراث الشعري

كتب ـ أحمد فضل شبلول
الثورة المجازية

البحث المترابط في جماليات الأدب العربي القديم قاد الباحث البوسنوي الدكتور أسعد دوراكوفيتش إلى استنتاج غير متوقع، وهو أن النص القرآني يبدو أنه النص المحوري لهذا الأدب، رغم أنه تطور بعد مئات السنين من تقدم النص في التاريخ.
ويؤكد دوراكوفيتش أن القرآن قد واجه شعر العصر مباشرة، لكن البحث في جماليات الأدب العربي القديم يكشف أن كل الأدب "ما بعد القرآني" وخصوصا الشعر يُعرَّف وفقا له. لقد أثبتت قوة النص القرآني أنها فعالة بطريقة لا يمكن التنبؤ بها. وأن هذه القوة يُسلط الضوء عليها، وتمنح معنى كاملا عن طريق دراسة متأصلة للأدب بوصفه منظومة جمالية.
ويذهب الباحث البوسنوي إلى أنه ـ وعلى نحو غير متوقع تماما ـ فإن تكوين وتفسير الأدب العربي القديم يفرض نفسه أيضا كتفسير خاص للنص المقدس، نظرا للموقع المحوري للنص القرآني.
ويلفت د. أسعد دوراكوفيتش إلى أنه خلال ثلاثة عقود من دراسة الأدب العربي كأستاذ جامعي كان دائما مستاءً بشدة من مقاربات الأدب العربي القديم التي قدمته بمصطلحات وضعية، كوصف كرونولجي واستعراض مرتب فيلولوجيا يعين موقع هذا الإنتاج الأخاذ ضمن حقب تاريخية وسياسية مختلفة محددة على نحو صارم.
وفي مقدمة كتابه "علم الشرق" الذي قام بترجمته عدنان أسعد، وصدر مؤخرا عن مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري بمناسبة انعقاد الدورة الثانية عشرة للمؤسسة (دورة خليل مطران ومحمد علي/ماك دزدار) بسراييفو، يشير الباحث البوسنوي د. أسعد دوراكوفيتش إلى أن مصطلح "علم الشرق" يفترض مسؤولية كبيرة تشير إلى نهج علمي لا مركزي أوروبي، نائيا بنفسه في الوقت نفسه عن استخدام مصطلحي الاستشراق والدراسات الشرقية الملوثين إيديولوجيا.
ويقوده البحث ـ مرة أخرى ـ إلى استنتاج أن الأدب العربي القديم هو منظومة مترابطة بشكل ملحوظ، بالمصطلحات الشعرية، أي أنه يمتلك تفرده الخاص به الذي يتم سبره في جوانب كثيرة في هذا الكتاب الذي بين أيدينا.
وقع الكتاب في 384 صفحة، وقد صدر أصلا باللغة البوسنوية، وفاز بجائزة اتحاد الناشرين في البوسنة، وترجم إلى اللغة الإنجليزية، كما يشير الشاعر عبدالعزيز سعود البابطين في تصديره للكتاب الذي رأت مؤسسته للإبداع الشعري ترجمته إلى العربية مما يتسق وأهميته وضرورة اطلاع الباحثين والدارسين عليه بأكثر من لغة، لسبر غور فنية الشعر العربي، وكذلك صور الإعجاز القرآني، والتعرف إلى تأثر الإبداع الشعري بالنص القرآني الذي تحدَّى به الخالق سبحانه وتعالى العرب، وهم أهل الفصاحة والبيان، للإتيان لو بآية من مثله.
لقد سبق لدوراكوفيتش أن ترجم معاني القرآن الكريم، والمعلقات السبع مع دراستها، وكتاب "ألف ليلة وليلة" التراثي، وله ترجمات لمختارات من الشعر العربي في سوريا والأردن، وغيرها من الترجمات والدراسات التي تؤكد أنه ليس غريبا على حقل الدراسات العربية في القرآن والشعر والتراث والأدب العربي بوجه عام.
احتوى كتاب "علم الشرق" على ستة فصول تبدأ بشعرية الأرابسك بوصفها شعرية معيارية بشكل جلي، تم إعلاؤها في أبكر مراحل الإنتاج الأدبي الفني للتراث الشعري في العصر الجاهلي. بينما يتحدث الفصل الثاني عن الشعرية الاستدلالية للقرآن الكريم، من خلال التناص والسيقنة، حيث أن القرآن عمل ذو سياق. وركز الفصل الثالث على تقدم النص القرآني على التراث، ودرس الفصل الرابع التشبيه في الشعر العربي القديم، وصور الوصف ووفرة الثيمات في القصائد، وتقطيع الفضاء النصي، وتدرج الزمن النصي، والتركيز على تسطح الجسدي، والنمطية قبل الوصف.
وتناول الفصل الخامس المجاز القرآني ونزول المجاز إلى العالم والثورة المجازية، والزمن الماضي للتشبيه وسيرورية المجاز، بينما تناول الفصل السادس والأخير نضوج الشعرية ما بعد القرآنية والتراث الأدبي، متوقفا عند الشعرية المعيارية وصعوبة تحقيب الأدب، والنص القرآني كمولِّد للتغيرات في التراث، والتراث كمخزون من الموتيفات والتكنيك الشعري، موضحا أن الثيمة الشعرية ليست جليلة بالضرورة، مبينا أصل الموتيفات الشعرية في العصور القديمة العربية.
كما يتعرض هذا الفصل إلى الإلهام الشعري والتكنيك، والتراث بوصفه إلهاما، ومخزون الموتيفات وشرعنة السرقة الأدبية، وعزلة التراث وانعدام تأثير "فن الشعر" لأرسطو.